مع إشراقة كل عام دراسي جديد، تتكرر المشاهد ذاتها في عالمنا العربي؛ تزدحم الشوارع بالحافلات، وتمتلئ المدارس بالطلبة، وتبدأ عجلة الامتحانات بالدوران لينتهي العام الدراسي تماماً كما بدأ وكما انتهى العام الذي سبقه.، يتساءل البعض ونحن في القرن الواحد والعشرين هل التعليم في العالم العربي قادر على أن يكون أداة حقيقية لصناعة العقول وتخريج العلماء، كما هو الحال في دول الصدارة في مؤشرات التعليم العالمية؟ ورغم أننا نحتفي بمسيرة التعليم النظامي في الدول العربية والخليجية التي تجاوزت قرناً من الزمان وهو رصيد زمني ضخم، إلا أن هذا الواقع يفرض علينا مواجهة سؤال نقدي: متى يصبح التعليم العربي قادرا على تأسيس قاعدة علمية رصينة تنتج «العلماء والباحثين»؟ ولماذا استطاعت كوريا الجنوبية – التي كانت تعاني فظائع الحروب والفقر المدقع حتى ستينيات القرن الماضي- أن تصبح عملاقاً يصنع الهواتف والسيارات والأجهزة الذكية، بينما لا تزال المنظومة التعليمية العربية لم تتمكن من قيادة تحول صناعي وتكنولوجي مماثل؟
المتابع للمشهد التعليمي العربي، سيجد نفسه أمام مجموعتين من الدول: الأولى غنية تنفق بسخاء على التعليم لتصل ميزانياتها أحياناً إلى أكثر من 15% من الإنفاق الحكومي الإجمالي، والثانية مواردها المادية محدودة؛ ونتيجة لذلك فإن إنفاقها على التعليم أقل من المجموعة الأولى لكن المفارقة العجيبة أن مخرجات التعليم في كلتيهما تكاد تكون متقاربة، فكلاهما ما زال دون المستويات العالمية، وهو ما تؤكده نتائج الاختبارات الدولية مثل (PISA) و(TIMSS)، حيث تقع معظم الدول العربية في الثلث الأخير من الترتيب العالمي، وبفارق يصل إلى 100 نقطة كاملة عن متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنميةOECD)).
أما الدول الخليجية، فإن معظمها تسجل درجات دون المتوسط العالمي (500 نقطة)، في حين تتربع كوريا الجنوبية باستمرار في المراكز الثلاثة الأولى عالمياً بمعدلات تتجاوز 580 نقطة. هذا الفارق الشاسع يؤكد أن الأزمة ليست أزمة تمويل، بل معضلة «كيف» يتعلق بالمناهج وطرائق التدريس التي لا تزال تعتمد في كثير من مفاصلها على التلقين وحفظ المعلومات ليلة الامتحان، وهي بيئة طاردة للابتكار وفضول البحث العلمي.
إن فجوة البحث والتطوير بين الدول العربية وكوريا الجنوبية تطرح سؤالاً جوهريا: ماذا ينقص الوطن العربي لكي يحقق إنجازات التجربة الكورية؟
فمن المعروف أن كوريا الجنوبية لا تملك ثروات طبيعية، لكنها جعلت من «العقل البشري» نفطها الذي لا ينضب. وحينما نقارن بين الواقع العربي والواقع الكوري يبرز عنصر جوهري ينقص البلدان العربية، وهو الإنفاق على البحث والتطوير الحقيقي؛ حيث تقود كوريا العالم كواحدة من أعلى الدول إنفاقاً في هذا المجال بنسبة تقارب 4,8 % من ناتجها المحلي الإجمالي. في المقابل، تشير الإحصاءات إلى أن متوسط إنفاق دول الخليج على البحث والتطوير لا يتجاوز 1% في أفضل الحالات، ومعظم هذا الإنفاق يذهب لرواتب أكاديمية وبحوث تكتب لنيل الترقيات ثم تحفظ في الأدراج، بدلا من أن تكون بحوثاً تطبيقية ممولة من الشركات لحل مشكلات صناعية حقيقية.
هذا المشهد يقودنا إلى القول: إن حجم الإنفاق المالي ليس هو العامل الوحيد لتحقيق الجودة، بل الأهم هو «كفاءة الإنفاق» وتوجيه الموارد؛ وهو ما نفتقده في الدول العربية، سواء الغنية منها أو الأقل ثراء. ففي الدول الغنية، يذهب الجزء الأكبر من الميزانيات نحو البنية التحية والمباني الفاخرة، والاستيراد الكثيف للتكنولوجيا، وتشير التقارير إلى أن الاستثمار في المظاهر المادية يستهلك حصة الأسد، في حين لا ينعكس هذا الإنفاق الضخم على جودة المخرجات النهائية.
وفي المقابل تفتقر الدول العربية الأقل ثراء لهذه الرفاهية، لكن النتيجة النهائية تتشابه؛ لأن التكنولوجيا والمباني وحدها لا تصنع تعليماً مميزاً ما لم تخدم رؤية تعليمية واضحة لتطوير مهارات الطالب الأساسية في القراءة والعلوم والرياضيات، والتي تعاني في الأصل من فجوة تحصيلية تقدر بنحو سنتين دراسيتين كاملتين مقارنة بالمعايير الدولية.
وهنا يظهر الفارق الجوهري بين الدول العربية وكوريا الجنوبية؛ إذ يبرز المشهد في «سول» جسر تواصل متين بين المختبر والمصنع، فلا توجد فجوة بين ما يدرسه الطالب في الجامعة وما تحتاجه المصانع الكورية الكبرى، بل إن الجامعات هناك تمثل مطابخ الابتكار للشركات العملاقة. أما في الوطن العربي، فيشتكي قطاع الصناعة والأعمال دائماً من «فجوة المهارات» حيث يتخرج الطالب بمعارف نظرية بعيدة كل البعد عن متطلبات الثورة الصناعية الرابعة.
ولما كان المعلم هو حجر الزاوية في أي نظام تعليمي، هنا تظهر المفارقة الرقمية بوضوح؛ ففي الدول العربية الغنية، قد يشكل بند الرواتب والأجور ما يقرب 75% إلى 80% من إجمالي ميزانية التعليم، مما يعني أن الإنفاق المالي الضخم يذهب كـ «تكلفة تشغيلية» ورواتب، دون أن يخصص سوى جزء ضئيل جداً لا يتعدى 2% لبرامج التدريب المستمر والتأهيل القائم على الكفايات الحديثة.
وفي المقابل يعاني المعلم في الدول العربية من محدودة الموارد ومن تدني الأجور. والنتيجة في الحالتين واحدة: غياب الحافز المهني الحقيقي، والاعتماد على طرق التلقين التقليدية بدلاً من تنمية التفكير النقدي وحل المشكلات كما هو سائد في المدارس الكورية.
أما بالنسبة إلى المناهج الدراسية؛ فهي مازالت تركز على كمية المعلومات وحفظها، بدلاً من «نوعية» المهارات؛ حيث يستهلك التلقين والحفظ أكثر من 80% من وقت الحصة الدراسية. هذا الحشو المعرفي يجعل الطالب مستهلكاً للمعلومة لا منتجاً لها. ونتيجة لذلك، يصطدم خريجو المجموعتين بفجوة مهارية في سوق العمل، حيث تشير استطلاعات الرأي إلى أن أكثر من 60% من أصحاب العمل في المنطقة العربية يرون أن مخرجات التعليم لا تلبي الاحتياجات الفعلية لوظائف المستقبل القائمة على الابتكار والتحليل.
في تقديري، بالإضافة إلى المشكلات السابقة، تأتي البيروقراطية وضعف الحوكمة والمحاسبة في قائمة المشكلات التي تعاني منها النظم التعليمية العربية؛ فهذه النظم تعاني من مركزية شديدة وضخامة في الجهاز الإداري عموماً، مما يستهلك جزءاً كبيراً من الميزانيات في وظائف إدارية غير تدريسية. كما يغيب نظام «المحاسبة القائم على الأداء» فلا يكافأ المعلم المتميز بناء على مستويات طلابه، ولا يُحاسب المقصر، مما يؤدي إلى تراجع الدافعية وال‘تقان في المنظومة ككل.
بناء على ما تقدم، يتضح أن معضلة التعليم في الوطن العربي ليست أزمة «وفرة مالية» فحسب، بل هي أزمة «إدارة وتوجيه». فإذا لم تترافق الأموال مع إصلاح جذري للمناهج، وتأهيل حقيقي للمعلم، وتبنّ لثقافة حوكمة صارمة، سيبقى الإنفاق السخي مجرد هدر مالي، وستظل المخرجات تراوح مكانها دون المستويات العالمية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك