لم تعد الأزمة بين بريطانيا وإسرائيل مجرد خلاف سياسي حول الحرب في غزة أو مستقبل الضفة الغربية. فخلال الأيام الأخيرة، انتقلت المواجهة إلى مستوى جديد، بعدما فرضت بريطانيا عقوبات تجارية وإجراءات تستهدف المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وردّت إسرائيل بإجراءات سياسية ودبلوماسية مباشرة ضد بريطانيا. ففي أحدث تصعيد، أعلنت إسرائيل إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، التي تؤدي دوراً مهمّاً في التعامل مع المواطنين الفلسطينيين والسلطة الوطنية الفلسطينية، كما أعطت بريطانيا مهلة 30 يوماً لإتمام الإغلاق. وأعلنت أيضاً وقف التدريب البريطاني لقوات الأمن التابعة للسلطة الوطنية، ومنع عدد من المسؤولين والسياسيين البريطانيين من دخول إسرائيل. وهكذا بات المشهد أمام معادلة جديدة: لندن تستخدم العقوبات للضغط بشأن حل الدولتين ووقف الاستيطان، وإسرائيل تردّ بإجراءات تستهدف المصالح والوجود الدبلوماسي البريطاني.
تكمن أهمية الخطوات العقابية المتبادلة في أنها تختلف عن العقوبات الاقتصادية التقليدية. فبريطانيا استهدفت، في أحدث إجراءاتها، المنتجات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، إلى جانب إجراءات ضد أفراد وكيانات مرتبطة بالتوسع الاستيطاني. وقد انضمت إلى هذا المسار فرنسا وكندا وعدد من الدول الأوروبية. أما إسرائيل، فلم تكتفِ بالاحتجاج الدبلوماسي، بل اختارت الضغط السياسي المباشر على بريطانيا. وصعّدت من موقفها بسبب تخوفها أولاً من أن تتوسع دائرة العقوبات على الاستيطان لتشمل الدولة العبرية، وبسبب تخوّفها ثانياً من التحاق دول أخرى بدائرة العقوبات، نظراً إلى الثقل السياسي والاقتصادي الكبير لبريطانيا في العالم.
في الواقع، هناك عدة سيناريوهات متوقعة لمسارات هذه الأزمة، ومنها:
السيناريو الأول: احتواء الأزمة
ويتمثل في توقّف المواجهة عند حدود الإجراءات المتبادلة الحالية، دون أن تنتقل إلى مستويات تصعيد أعلى، وذلك من أجل تجنّب انهيار كامل للعلاقات. ولكن هذا السيناريو قليل الاحتمالية، حسب وجهة نظري، لأنه يتجاهل الثقل السياسي لبريطانيا، كما أنه يتجاهل هدف بريطانيا وأوروبا من فرض هذه العقوبات، وهو قيام إسرائيل بوقف أو الحد من التوسع الاستيطاني، لا سيما في منطقة E1، مما يؤدي إلى استحالة تطبيق حل الدولتين، إضافة إلى ذلك، تستهدف هذه الدول الغربية وقف تصاعد تطرف المستوطنين واعتداءاتهم على الفلسطينيين بدعم من جيش الاحتلال، وهو ما أشار إليه بيان وزارة الخارجية البريطانية في مستهل بداية الأزمة. وكأن هذا السيناريو يفترض أن حدود التأثير البريطاني انتهى دون أي قدرة على تغيير مسار الدبلوماسية في المنطقة.
السيناريو الثاني: حرب عقوبات متبادلة
وهو الأكثر دراماتيكية، بحيث تتحول الإجراءات الحالية إلى سلسلة من العقوبات الانتقامية المتبادلة. فقد توسّع بريطانيا قائمة العقوبات لتشمل بنوكاً وأفراداً وشركات إسرائيلية إضافية، أو تتجه إلى قيود تجارية أوسع، وربما تصعّد دبلوماسيًّاً، بينما تردّ إسرائيل بقيود على الشركات أو المسؤولين البريطانيين أو التعاون المؤسسي والأمني بين البلدين. وفي هذه الحالة، لن تعود القضية مرتبطة بالمستوطنات وحدها، بل ستنتقل إلى مستوى أعلى من الصراع السياسي بين البلدين. ولكن، بالمجمل، فإن هذا السيناريو يعتمد على مسار العلاقات البريطانية-الأمريكية، وعلى قدرة بريطانيا على تجنيد مواقف داعمة لها في الاتحاد الأوروبي، مثل ألمانيا وإيطاليا، كما أنه يعتمد على نتائج الانتخابات الإسرائيلية. وبالضرورة، فإن الحكم المسبق على اتجاهاته في الوقت الحاضر يبدو أمراً صعباً.
السيناريو الثالث دخول أوروبا على خط التصعيد
في الواقع، إن العقوبات البريطانية لم تأتِ منفردة؛ فقد أعلنت دول أوروبية أخرى وكندا إجراءات ضد منتجات المستوطنات، الأمر الذي يفتح الباب أمام احتمال تحول الخلاف من أزمة بريطانية-إسرائيلية إلى مواجهة أوسع بين إسرائيل وعدد من الحكومات الغربية. فإذا اتسعت المواجهة لتشمل فرنسا وكندا ودولاً أوروبية أخرى، فستدخل الأزمة مرحلة مختلفةً تماماً ربما ستؤدي بالمحصلة الأخيرة إلى وقف اتفاق الشراكة الاقتصادية بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي.
في المجمل، يبدو التساؤل المنطقي من خلال طرح السيناريوهات السابقة هو: هل نحن أمام بداية قطيعة؟
ولربما كانت الإجابة ليس بالضرورة. ولكن من الصعب أيضاً وصف ما يحدث بأنه مجرد «خلاف دبلوماسي عابر». ففي النهاية، لقد دخلت العلاقات بين البلدين مرحلة جديدة من المواجهة السياسية. ومن الواضح أن الإجراءات العقابية البريطانية والفرنسية والكندية سوف تستمر، وربما تتوسع لتتبناها دول أخرى، بحيث يستمر الضغط السياسي على إسرائيل لوقف الاستيطان، خاصة في منطقة E1. وسوف يكون هناك عاملان حاسمان في اتجاهات ومسارات التصعيد.
أولهما الموقف الألماني الرافض حتى الآن فرض عقوبات على إسرائيل، ولكنه في الوقت نفسه بدأ يتغير لصالح الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني والاعتراف بدولته والتنديد بالاستيطان. أما المتغير الثاني فهو الانتخابات الإسرائيلية ومساراتها، فنتنياهو، الذي سارع إلى فرض عقوبات سياسية وأمنية على بريطانيا بعد ساعات قليلة من إعلان العقوبات الأخيرة، انطلقت دوافعه من رغبته في تحقيق مكاسب سياسية انتخابية، دون أي حسابات دقيقة لتكاليف الصراع مع دولة كبرى مثل بريطانيا، وهو الأمر الذي سيؤدي إلى مزيد من عزلة إسرائيل الدولية.
من جانب آخر، فإن الشعب الفلسطيني وأحزابه وقيادته عليهم استغلال هذا التصعيد لصالح تأكيد إنهاء الاحتلال وحل الدولتين ووقف الاستيطان، مع ضرورة التجييش الدولي باتجاه موقف دولي موحد بشأن E1، وتوسيع أطر العقوبات لتشتمل على دول أخرى وفي قطاعات متعددة من الاستيطان. وهذا يتطلب بناء ملف قانوني واقتصادي متكامل حول الشركات والكيانات المشاركة في الاستيطان، بحيث تستطيع الدول التي ترغب في توسيع العقوبات اتخاذ خطوات محددة ومدروسة.
{ كاتب من فلسطين

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك