لا أظن أن كثيرين من جيلي ينسون امتحانات الثانوية العامة. كانت لها هيبة خاصة، تبدأ قبل دخول القاعة بأيام، وربما بأسابيع. وقد تكون الامتحانات يومها أصعب مما هي عليه اليوم، وقد نكون رأيناها كذلك لأن كل ما حولها كان يقول لنا إننا أمام محطة تقرر جانبًا كبيرًا من مستقبلنا.
أتذكر ذلك التوتر جيدًا، وأتذكر زميلات لنا كان يُغمى عليهن في أيام الامتحانات من شدة الخوف. كان الامتحان حاضرًا في البيت كله، لا في حقيبة الطالب فقط؛ تدخل الأسرة موسم الامتحانات مع أبنائها، ويصبح لكل مادة حساب، وللنتيجة انتظار طويل يشارك فيه الجيران، فيسأل بعضهم عن نتيجة ابن الجيران قبل أن يسأل عن نتيجة ابنه.
ثم تأتي اللحظة التي لا يمكن نسيانها: إعلان نتائج الثانوية عبر المذياع.
كانت أسماء الناجحين تُذاع من دون درجات. نجلس نترقب الأسماء واحدًا بعد آخر، وننتظر أن يأتي الاسم الذي يخصنا. كان لسماعه وقع يصعب أن نشرحه لطالب اليوم؛ فرحة كبيرة إذا جاء، وصمت ثقيل إذا انتهت الأسماء ولم يأتِ. كانت النتيجة خبر البيت كله قبل أن تكون خبر صاحبها.
تذكرت ذلك كله وأنا أقرأ عن تجربة تستعد لها جامعة أمريكية. كلية الآداب والعلوم والفنون في جامعة ميشيجان -أكبر كليات الجامعة، وتستقبل نحو 3500 طالب جديد كل عام- تبدأ في خريف 2027 برنامجًا تجريبيًّا اسمه «تغطية الدرجات». لن يظهر في السجل الأكاديمي الخارجي لطالب السنة الأولى في فصله الأول سوى «ناجح» أو «بلا رصيد»، بينما تبقى درجاته الحقيقية وملاحظات أساتذته محفوظة داخل الجامعة للإرشاد والمنح، من دون أن تدخل في معدله التراكمي. ومن الفصل الثاني تعود الدرجات إلى السجل كالمعتاد. والبرنامج إلزامي لا يملك الطالب الخروج منه، ولا يسري على كليات الجامعة الثماني عشرة الأخرى.
تقول الجامعة إن الخطوة تأتي في إطار مواجهة أزمة الصحة النفسية بين طلبة الجامعات، ومنح الطالب فرصة للتكيف مع الحياة الجامعية والتعلم بدافع داخلي، بعيدًا عن ملاحقة كل درجة له منذ يومه الأول. وليست جامعة ميشيجان أول من يفعل ذلك؛ فمعهد ماساتشوستس للتقنية يعمل بنظام «ناجح / بلا تسجيل» لطلبته الجدد منذ عام 1968، ومعهد كاليفورنيا للتقنية (كالتك) يسجّل لطلبة سنته الأولى نجاحًا أو رسوبًا في فصليهم الأولين.
غير أن الفكرة لم تمرّ بلا اعتراض. يرى منتقدوها أن حجب الدرجة يؤجل الصدمة ولا يلغيها، وأن الطالب الذي يعتاد فصلًا بلا حساب سيصطدم بالمعايير كاملة فيما بعد. وقد أعلنت الكلية أنها ستعقد لقاءات مفتوحة تناقش فيها البرنامج قبل تطبيقه. ولهذا استوقفتني التجربة: هي سؤال مطروح، لا جواب نهائي.
ولم يفتني الشبه، على بُعد ما بين المرحلتين. المذياع لم يكن يذيع إلا الأسماء؛ ما سمعه الناس عنّا «نجح» أو لم يُذكر، أما الدرجات فكنا نتسلمها من المدرسة في ورقة لا تخرج من البيت. سجل معلن بلا أرقام، وسجل خاص بها. والفرق أن ما كان عندنا عرفًا فرضته طبيعة الإذاعة، صار عندهم سياسة تربوية مقصودة.
ربما لم يعد طالبنا في البحرين يعيش لحظة النتيجة كما عشناها. تطوّر التعليم كثيرًا، وصار الاهتمام بالحالة النفسية للطالب أوضح حضورًا في العملية التعليمية، ويعرف الطالب درجاته في دقائق عبر هاتفه، بلا انتظار أمام جهاز يحمل الخبر للبيت كله. ومع ذلك ما زال كثير من الآباء والأمهات يترقبون تلك اللحظة بالقلق الذي عرفناه، وإن حلّ الهاتف محلّ المذياع.
بل إن القلق سبقنا إلى ما هو أصغر من الثانوية بكثير. تنقل لي ابنتي ما يدور في مجموعات الأمهات على «الواتساب»، وأسمع طرفًا منه في مجالسنا: أمهات أطفالهن في الصف الأول والثاني الابتدائي يعشن الموسم الدراسي بقلق يفوق قلق أبنائهن. مشروع مدرسي صغير يستنفر البيت، وورقة تقييم عادية تقلب الليل. والمفارقة أن هذه الصفوف لا امتحانات فيها أصلًا؛ التقويم فيها مستمر خلال السنة، ومع ذلك يُصنع القلق من لا شيء. أمر لافت بصراحة، ومقلق. والسؤال الذي يفرض نفسه: من صنع هذا القلق؟ لا الامتحان، فلا امتحان هناك. صنعه الكبار من حولهم.
ومن هنا لا يعود السؤال عن صعوبة الامتحانات، إنما عمّن يحمّلها ما لا تحتمل. طالب الثانوية اليوم أمام منافسة على المعدلات والتخصصات، وأمام عالم مفتوح يرى فيه نجاحات أقرانه كل يوم، وقد لا ينتظر اسمه أمام مذياع كما فعلنا، لكنه يحمل قلقًا آخر لا يُرى بالعين. أما الطفل في سنته الأولى فيتعلم القلق قبل أن يتعلم القراءة، يرثه عمّن حوله قبل أن يعرف سببه.
لهذا لا أحب المقارنة التي تنتهي إلى أن جيلًا كان أقوى من جيل. لكل زمن ضغوطه وأدواته. وما تعلمناه من الجدية وتحمل المسؤولية يظل مهمًا، وما أضافه التعليم الحديث من اهتمام بالفروق بين الطلبة وبالجانب النفسي لا ينبغي أن يُفهم تدليلًا ولا تخفيفًا لمعايير النجاح.
المشكلة ليست في أن يكون الامتحان صعبًا، ولا في أن يُطلب من الطالب الاجتهاد والتفوق. المشكلة تبدأ حين يصبح الخوف هو الوسيلة التي ندفعه بها إلى النجاح، وحين تتحول الدرجة من مقياس لأدائه في مادة إلى مقياس لقيمته في عينيه وأعين من حوله. كم من الخوف يحتاجه الإنسان كي ينجح؟
أظن أنه لا يحتاج إلى الخوف أصلًا. يحتاج إلى الجدية والمسؤولية، وأن يعرف أن للجهد ثمرة وللتقصير نتيجة، وأن يعرف أيضًا أن تعثره في امتحان لا يختصر قدراته ولا يرسم له مستقبله كله.
غاب المذياع الذي كنا ننتظر أمامه أسماءنا، وبقي الانتظار. وما أتمناه أن يبقى في بيوتنا هيبة العلم والنجاح، لا رهبة الخوف منه.
{ قانونية وكاتبة بحرينية
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك