العدد : ١٧٧٠٨ - الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٨ - الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

هكذا عاش عرب ومسلمو أمريكا أحداث 11 سبتمبر 2001

بقلم: د. جيمس زغبي

الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

مر‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬على‭ ‬أحداث‭ ‬الحادي‭ ‬عشر‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001‭. ‬يومها‭ ‬ارتكب‭ ‬تسعة‭ ‬عشر‭ ‬إرهابياً‭ ‬جرائم‭ ‬شنيعة‭ ‬أودت‭ ‬بحياة‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬3000‭ ‬أمريكي‭ ‬بريء‭. ‬لقد‭ ‬تركت‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث‭ ‬أثراً‭ ‬لا‭ ‬يُمحى‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬عاصروها‭. ‬فمجرد‭ ‬ذكر‭ ‬‮«‬11‭ ‬سبتمبر‮»‬‭ ‬يستحضر‭ ‬الإنسان‭ ‬سيلاً‭ ‬من‭ ‬الذكريات‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬كابوسا‭ ‬حقيقيا‭ ‬مؤلما‭ ‬عاطفياً‭.‬

في‭ ‬صباح‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم،‭ ‬وبينما‭ ‬كنت‭ ‬في‭ ‬طريقي‭ ‬إلى‭ ‬العمل‭ ‬عالقاً‭ ‬وسط‭ ‬زحام‭ ‬المرور‭ ‬في‭ ‬وسط‭ ‬واشنطن‭ ‬عند‭ ‬إشارة‭ ‬ضوئية،‭ ‬لاحظت‭ ‬امرأة‭ ‬في‭ ‬السيارة‭ ‬المجاورة‭ ‬لي‭ ‬تحاول‭ ‬لفت‭ ‬انتباهي‭. ‬وحين‭ ‬أنزلت‭ ‬نافذة‭ ‬سيارتي،‭ ‬صاحت‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬هل‭ ‬سمعت‭ ‬الأخبار؟‭!‬‮»‬

أجبتها‭: ‬‮«‬لا‮»‬،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مذياع‭ ‬سيارتي‭ ‬كان‭ ‬معطلاً‭.‬

عندها‭ ‬صرخت‭ ‬ذات‭ ‬المرأة‭ ‬قائلة‭: ‬‮«‬لقد‭ ‬تحطمت‭ ‬طائرة‭ ‬للتو‭ ‬في‭ ‬مركز‭ ‬التجارة‭ ‬العالمي‭... ‬ووالدي‭ ‬يعمل‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬المبنى‮»‬‭. ‬ثم‭ ‬تغيرت‭ ‬الإشارة‭ ‬وانطلقت‭ ‬بسيارتها‭. ‬لم‭ ‬أرها‭ ‬قط‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬الموقف،‭ ‬لكنني‭ ‬لن‭ ‬أنسى‭ ‬أبداً‭ ‬ملامح‭ ‬الرعب‭ ‬الشديد‭ ‬التي‭ ‬ارتسمت‭ ‬على‭ ‬وجهها‭.‬

عند‭ ‬وصولي‭ ‬إلى‭ ‬مكتبي،‭ ‬كان‭ ‬الجميع‭ ‬يتابعون‭ ‬التلفاز‭ ‬لحظة‭ ‬اصطدام‭ ‬الطائرة‭ ‬الثانية‭. ‬لقد‭ ‬أصبت‭ ‬بالذهول‭ ‬وتسمّرتُ‭ ‬في‭ ‬مكاني‭ ‬أمام‭ ‬تلك‭ ‬المشاهد‭: ‬طائرات‭ ‬تخترق‭ ‬جدران‭ ‬مركز‭ ‬التجارة‭ ‬العالمي،‭ ‬وأشخاص‭ ‬يقفزون‭ ‬من‭ ‬المباني،‭ ‬وأخيراً‭ -‬في‭ ‬وقت‭ ‬لاحق‭- ‬انهيار‭ ‬البرجين‭ ‬وتحولهما‭ ‬إلى‭ ‬كومة‭ ‬من‭ ‬الحطام‭ ‬واختفائهما‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭.‬

كان‭ ‬المشهد‭ ‬المرعب‭ ‬يفوق‭ ‬قدرة‭ ‬المرء‭ ‬على‭ ‬الاحتمال‭. ‬وسرعان‭ ‬ما‭ ‬انضم‭ ‬إلى‭ ‬وجه‭ ‬تلك‭ ‬المرأة‭ ‬المذعورة‭ -‬التي‭ ‬رأيتها‭ ‬عند‭ ‬إشارة‭ ‬المرور‭- ‬مئات‭ ‬الوجوه‭ ‬الأخرى؛‭ ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬يفرّون‭ ‬من‭ ‬الأبراج‭ ‬المنهارة،‭ ‬وهناك‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬يشقون‭ ‬طريقهم‭ ‬في‭ ‬الاتجاه‭ ‬المعاكس‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬أخبار‭ ‬أحبائهم‭ ‬العالقين‭ ‬وسط‭ ‬الجحيم‭. ‬لقد‭ ‬تملّكني‭ ‬شعور‭ ‬عميق‭ ‬بالتبلّد،‭ ‬ولم‭ ‬أفق‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬الذهول‭ ‬والحزن‭ ‬تلك‭ ‬إلا‭ ‬بفعل‭ ‬أحداث‭ ‬أخرى،‭ ‬كان‭ ‬بعضها‭ ‬يمسّني‭ ‬بشكل‭ ‬شخصي‭ ‬ومباشر‭.‬

كانت‭ ‬إحدى‭ ‬بناتي‭ ‬تقيم‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬مبنى‭ ‬البنتاغون،‭ ‬الذي‭ ‬علمنا‭ ‬أنه‭ ‬تعرض‭ ‬أيضاً‭ ‬لهجوم‭ ‬إرهابي‭. ‬وبعد‭ ‬عدة‭ ‬مكالمات‭ ‬اتسمت‭ ‬بالتوتر‭ ‬والهلع‭ ‬شعرت‭ ‬بالارتياح‭ ‬حين‭ ‬تمكنت‭ ‬من‭ ‬الحديث‭ ‬معها؛‭ ‬ونظراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬مكتبي‭ ‬كان‭ ‬يقع‭ ‬على‭ ‬بعد‭ ‬مبنيين‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬البيت‭ ‬الأبيض،‭ ‬فقد‭ ‬كانت‭ ‬هي‭ ‬الأخرى‭ ‬قلقة‭ ‬على‭ ‬سلامتي‭ ‬وتحاول‭ ‬التواصل‭ ‬معي‭.‬

في‭ ‬منتصف‭ ‬النهار،‭ ‬وصلت‭ ‬الشرطة‭ ‬المحلية‭ ‬لتعلن‭ ‬أنه‭ ‬سيتم‭ ‬إخلاء‭ ‬مبنانا‭ ‬كإجراء‭ ‬احترازي؛‭ ‬فتوسلتُ‭ ‬إليهم‭ ‬أن‭ ‬يسمحوا‭ ‬لنا‭ ‬بالبقاء‭. ‬كانت‭ ‬مكاتبنا‭ ‬تغصّ‭ ‬باتصالات‭ ‬من‭ ‬أمريكيين‭ ‬من‭ ‬أصل‭ ‬عربي‭ ‬في‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد،‭ ‬ممن‭ ‬تملّكهم‭ ‬الخوف‭ ‬إزاء‭ ‬بوادر‭ ‬رد‭ ‬فعل‭ ‬عدائي‭ ‬ضد‭ ‬العرب‭. ‬لقد‭ ‬أبدت‭ ‬الشرطة‭ ‬تفهماً‭ ‬كاملا‭ ‬ودعماً‭ ‬كبيرا؛‭ ‬إذ‭ ‬أخلت‭ ‬بقية‭ ‬المبنى‭ ‬لكنها‭ ‬سمحت‭ ‬لنا‭ ‬بالبقاء‭ ‬لمواصلة‭ ‬عملنا،‭ ‬كما‭ ‬خصصت‭ ‬أيضا‭ ‬سيارتي‭ ‬شرطة‭ ‬لحمايتنا‭.‬

وطوال‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭ ‬والأيام‭ ‬التي‭ ‬تلته‭ ‬كنا‭ ‬نستجيب‭ ‬لاتصالات‭ ‬محمومة‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬مجتمعنا،‭ ‬ونتابع‭ ‬مشاهد‭ ‬الرعب‭ ‬المتواصلة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نيويورك‭. ‬وفي‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء‭ ‬طُلب‭ ‬مني‭ ‬من‭ ‬قِبَل‭ ‬‮«‬اللجنة‭ ‬الأمريكية‭ ‬للحقوق‭ ‬المدنية‮»‬‭ ‬تقديم‭ ‬عرض‭ ‬حول‭ ‬جرائم‭ ‬الكراهية‭ ‬المرتكبة‭ ‬ضد‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين،‭ ‬وكذلك‭ ‬ضد‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬يُعتقد‭ ‬خطأً‭ ‬أنهم‭ ‬عرب‭ ‬أو‭ ‬مسلمون‭.‬

وبناء‭ ‬عليه‭ ‬قمنا‭ ‬بتوثيق‭ ‬مئات‭ ‬الحالات‭ ‬من‭ ‬جميع‭ ‬أنحاء‭ ‬البلاد،‭ ‬ولاحظنا‭ ‬أن‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬التهديدات‭ ‬بالقتل‭ ‬ورسائل‭ ‬الكراهية‭ ‬كانت‭ ‬موجهة‭ ‬إلينا،‭ ‬وبعضها‭ ‬كان‭ ‬موجها‭ ‬إلي‭ ‬بشكل‭ ‬شخصي،‭ ‬مثل‭: ‬‮«‬يا‭ ‬جيم،‭ ‬يا‭ ‬صاحب‭ ‬العمامة‭ (‬يا‭ ‬عربي‭)‬،‭ ‬الموت‭ ‬لكل‭ ‬عربي‭. ‬سنذبحك‭ ‬ونقتل‭ ‬أطفالك‮»‬‭.‬

كان‭ ‬الأمر‭ ‬مقلقاً‭ ‬ومزعجاً‭ ‬للغاية؛‭ ‬فمثلنا‭ ‬مثل‭ ‬بقية‭ ‬الأمريكيين،‭ ‬شعرنا‭ ‬بالألم‭ ‬لما‭ ‬حل‭ ‬ببلدنا‭ ‬وشعبنا‭ ‬وكنا‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬الحداد،‭ ‬لكننا‭ ‬أُجبرنا‭ ‬على‭ ‬الانشغال‭ ‬عن‭ ‬حزننا‭ ‬والالتفات‭ ‬الدائم‭ ‬خلفنا‭ ‬تحسباً‭ ‬للخطر‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬هاجمونا‭ ‬بدافع‭ ‬الكراهية‭ ‬يخبروننا‭ ‬عملياً‭: ‬‮«‬أنتم‭ ‬لستم‭ ‬منا‮»‬،‭ ‬ما‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬الألم‭.‬

ولكن‭ ‬تدريجياً،‭ ‬بدأت‭ ‬الأمور‭ ‬تتغير؛‭ ‬فقد‭ ‬أثمرت‭ ‬الجهود‭ ‬التي‭ ‬بذلناها‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقدين‭ ‬لتمكين‭ ‬مجتمعنا‭ ‬وإيصال‭ ‬قصتنا‭. ‬أصبحتُ‭ ‬أظهر‭ ‬يومياً‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شبكات‭ ‬التلفزيون،‭ ‬كما‭ ‬أنتج‭ ‬‮«‬مجلس‭ ‬الإعلانات‭ ‬الأمريكي‮»‬‭ (‬Ad‭ ‬Council‭) ‬إعلانات‭ ‬صحفية‭ ‬وتلفزيونية‭ ‬لنا‭ ‬لمناهضة‭ ‬الكراهية،‭ ‬وشاهدها‭ ‬عشرات‭ ‬الملايين‭.‬

أقر‭ ‬مجلس‭ ‬الشيوخ‭ ‬الأمريكي‭ ‬تشريعاً‭ ‬يدين‭ ‬الكراهية‭ ‬الموجهة‭ ‬ضد‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين،‭ ‬كما‭ ‬نظم‭ ‬تحالف‭ ‬يضم‭ ‬كبرى‭ ‬جماعات‭ ‬الحقوق‭ ‬المدنية‭ ‬والمنظمات‭ ‬الدينية‭ ‬مسيرةً‭ ‬دعماً‭ ‬لمجتمعنا‭ ‬من‭ ‬العرب‭ ‬والمسلمين‭. ‬لقد‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬الحدث‭ ‬باعثاً‭ ‬على‭ ‬الرضا‭ ‬ومُنهكاً‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬كما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬مزيج‭ ‬المشاعر‭ ‬وحالة‭ ‬الذهول‭ ‬التي‭ ‬طبعت‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬الصعبة‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬الكثير‭ ‬مما‭ ‬يمكن‭ ‬قوله،‭ ‬فإنني‭ ‬رأيت‭ ‬أهميةً‭ ‬في‭ ‬توثيق‭ ‬ولو‭ ‬جزءٍ‭ ‬مما‭ ‬عشناه‭ ‬قبل‭ ‬خمسة‭ ‬وعشرين‭ ‬عاماً؛‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬أن‭ ‬قرابة‭ ‬نصف‭ ‬الأمريكيين‭ ‬اليوم‭ ‬إما‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬قد‭ ‬وُلدوا‭ ‬بعد،‭ ‬وإما‭ ‬لم‭ ‬يبلغوا‭ ‬حينها‭ ‬سناً‭ ‬تسمح‭ ‬لهم‭ ‬بتذكر‭ ‬تلك‭ ‬الأحداث،‭ ‬وإما‭ ‬لم‭ ‬يكونوا‭ ‬قد‭ ‬وصلوا‭ ‬بعدُ‭ ‬كمهاجرين‭.‬

وبالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬هؤلاء‭ ‬جمعيا،‭ ‬وكذلك‭ ‬نحن‭ ‬الذين‭ ‬عشنا‭ ‬تلك‭ ‬الأيام‭ ‬الصعبة،‭ ‬يظل‭ ‬تذكر‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬قبل‭ ‬ربع‭ ‬قرن‭ ‬من‭ ‬الآن‭ ‬من‭ ‬الأهمية‭ ‬بمكان‭.‬

 

{ رئيس‭ ‬المعهد‭ ‬العربي‭ ‬الأمريكي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا