مر ربع قرن على أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001. يومها ارتكب تسعة عشر إرهابياً جرائم شنيعة أودت بحياة ما يقرب من 3000 أمريكي بريء. لقد تركت تلك الأحداث أثراً لا يُمحى في نفوس كل من عاصروها. فمجرد ذكر «11 سبتمبر» يستحضر الإنسان سيلاً من الذكريات التي تمثل كابوسا حقيقيا مؤلما عاطفياً.
في صباح ذلك اليوم، وبينما كنت في طريقي إلى العمل عالقاً وسط زحام المرور في وسط واشنطن عند إشارة ضوئية، لاحظت امرأة في السيارة المجاورة لي تحاول لفت انتباهي. وحين أنزلت نافذة سيارتي، صاحت قائلة: «هل سمعت الأخبار؟!»
أجبتها: «لا»، مشيراً إلى أن مذياع سيارتي كان معطلاً.
عندها صرخت ذات المرأة قائلة: «لقد تحطمت طائرة للتو في مركز التجارة العالمي... ووالدي يعمل في ذلك المبنى». ثم تغيرت الإشارة وانطلقت بسيارتها. لم أرها قط بعد ذلك الموقف، لكنني لن أنسى أبداً ملامح الرعب الشديد التي ارتسمت على وجهها.
عند وصولي إلى مكتبي، كان الجميع يتابعون التلفاز لحظة اصطدام الطائرة الثانية. لقد أصبت بالذهول وتسمّرتُ في مكاني أمام تلك المشاهد: طائرات تخترق جدران مركز التجارة العالمي، وأشخاص يقفزون من المباني، وأخيراً -في وقت لاحق- انهيار البرجين وتحولهما إلى كومة من الحطام واختفائهما إلى الأبد.
كان المشهد المرعب يفوق قدرة المرء على الاحتمال. وسرعان ما انضم إلى وجه تلك المرأة المذعورة -التي رأيتها عند إشارة المرور- مئات الوجوه الأخرى؛ فهناك من كانوا يفرّون من الأبراج المنهارة، وهناك من كانوا يشقون طريقهم في الاتجاه المعاكس بحثاً عن أخبار أحبائهم العالقين وسط الجحيم. لقد تملّكني شعور عميق بالتبلّد، ولم أفق من حالة الذهول والحزن تلك إلا بفعل أحداث أخرى، كان بعضها يمسّني بشكل شخصي ومباشر.
كانت إحدى بناتي تقيم بالقرب من مبنى البنتاغون، الذي علمنا أنه تعرض أيضاً لهجوم إرهابي. وبعد عدة مكالمات اتسمت بالتوتر والهلع شعرت بالارتياح حين تمكنت من الحديث معها؛ ونظراً إلى أن مكتبي كان يقع على بعد مبنيين فقط من البيت الأبيض، فقد كانت هي الأخرى قلقة على سلامتي وتحاول التواصل معي.
في منتصف النهار، وصلت الشرطة المحلية لتعلن أنه سيتم إخلاء مبنانا كإجراء احترازي؛ فتوسلتُ إليهم أن يسمحوا لنا بالبقاء. كانت مكاتبنا تغصّ باتصالات من أمريكيين من أصل عربي في جميع أنحاء البلاد، ممن تملّكهم الخوف إزاء بوادر رد فعل عدائي ضد العرب. لقد أبدت الشرطة تفهماً كاملا ودعماً كبيرا؛ إذ أخلت بقية المبنى لكنها سمحت لنا بالبقاء لمواصلة عملنا، كما خصصت أيضا سيارتي شرطة لحمايتنا.
وطوال ذلك اليوم والأيام التي تلته كنا نستجيب لاتصالات محمومة من أبناء مجتمعنا، ونتابع مشاهد الرعب المتواصلة في مدينة نيويورك. وفي تلك الأثناء طُلب مني من قِبَل «اللجنة الأمريكية للحقوق المدنية» تقديم عرض حول جرائم الكراهية المرتكبة ضد العرب والمسلمين، وكذلك ضد الأشخاص الذين يُعتقد خطأً أنهم عرب أو مسلمون.
وبناء عليه قمنا بتوثيق مئات الحالات من جميع أنحاء البلاد، ولاحظنا أن عدداً من التهديدات بالقتل ورسائل الكراهية كانت موجهة إلينا، وبعضها كان موجها إلي بشكل شخصي، مثل: «يا جيم، يا صاحب العمامة (يا عربي)، الموت لكل عربي. سنذبحك ونقتل أطفالك».
كان الأمر مقلقاً ومزعجاً للغاية؛ فمثلنا مثل بقية الأمريكيين، شعرنا بالألم لما حل ببلدنا وشعبنا وكنا بحاجة إلى الحداد، لكننا أُجبرنا على الانشغال عن حزننا والالتفات الدائم خلفنا تحسباً للخطر. لقد كان أولئك الذين هاجمونا بدافع الكراهية يخبروننا عملياً: «أنتم لستم منا»، ما زاد من وطأة الألم.
ولكن تدريجياً، بدأت الأمور تتغير؛ فقد أثمرت الجهود التي بذلناها على مدى عقدين لتمكين مجتمعنا وإيصال قصتنا. أصبحتُ أظهر يومياً على كل شبكات التلفزيون، كما أنتج «مجلس الإعلانات الأمريكي» (Ad Council) إعلانات صحفية وتلفزيونية لنا لمناهضة الكراهية، وشاهدها عشرات الملايين.
أقر مجلس الشيوخ الأمريكي تشريعاً يدين الكراهية الموجهة ضد العرب والمسلمين، كما نظم تحالف يضم كبرى جماعات الحقوق المدنية والمنظمات الدينية مسيرةً دعماً لمجتمعنا من العرب والمسلمين. لقد كان ذلك الحدث باعثاً على الرضا ومُنهكاً في آن واحد، كما أسهم في تشكيل مزيج المشاعر وحالة الذهول التي طبعت تلك الأيام الصعبة.
ورغم أن هناك الكثير مما يمكن قوله، فإنني رأيت أهميةً في توثيق ولو جزءٍ مما عشناه قبل خمسة وعشرين عاماً؛ ولا سيما أن قرابة نصف الأمريكيين اليوم إما لم يكونوا قد وُلدوا بعد، وإما لم يبلغوا حينها سناً تسمح لهم بتذكر تلك الأحداث، وإما لم يكونوا قد وصلوا بعدُ كمهاجرين.
وبالنسبة إلى هؤلاء جمعيا، وكذلك نحن الذين عشنا تلك الأيام الصعبة، يظل تذكر ما حدث قبل ربع قرن من الآن من الأهمية بمكان.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك