العدد : ١٧٧٠٨ - الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٨ - الأربعاء ١٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

متى يتم إصلاح مجلس الأمن ليعكس الواقع الجيوسياسي العالمي؟

بقلم: سيماء أفضال

الثلاثاء ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

عندما‭ ‬يجتمع‭ ‬قادة‭ ‬العالم‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬نيويورك‭ ‬لحضور‭ ‬الدورة‭ ‬الحادية‭ ‬والثمانين‭ ‬للجمعية‭ ‬العامة‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2026،‭ ‬من‭ ‬المتوقع‭ ‬أن‭ ‬تتصدر‭ ‬قضية‭ ‬إصلاح‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الأجندة‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭.‬

فبعد‭ ‬مرور‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬سبعة‭ ‬عشر‭ ‬عاماً‭ ‬على‭ ‬بدء‭ ‬المفاوضات‭ ‬الحكومية‭ ‬الدولية‭ ‬رسمياً،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الدول‭ ‬الأعضاء‭ ‬منقسمة‭ ‬بشأن‭ ‬الإصلاح‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬البداية‭.‬

ورغم‭ ‬اتفاق‭ ‬جميع‭ ‬الحكومات‭ ‬تقريباً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المجلس‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعكس‭ ‬الحقائق‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬المعاصرة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التوافق‭ ‬دائما‭ ‬يغيب‭ ‬بمجرد‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬النقاش‭ ‬إلى‭ ‬كيفية‭ ‬إجراء‭ ‬هذا‭ ‬التغيير‭.‬

ويشير‭ ‬استمرار‭ ‬هذا‭ ‬الجمود‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬الإصلاح‭ ‬ربما‭ ‬يتمحور‭ ‬حول‭ ‬السؤال‭ ‬الخاطئ؛‭ ‬إذ‭ ‬تبدأ‭ ‬معظم‭ ‬المقترحات‭ ‬بطرح‭ ‬تساؤل‭ ‬مفاده‭: ‬أي‭ ‬الدول‭ ‬تستحق‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مقاعد‭ ‬دائمة؟

غير‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭ ‬يكمن‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬العضوية‭ ‬الدائمة‭ ‬يمثل‭ ‬الوسيلة‭ ‬الأكثر‭ ‬فعالية‭ ‬لتعزيز‭ ‬شرعية‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬ومساءلته‭ ‬وفعاليته‭. ‬ففي‭ ‬عالم‭ ‬يتجه‭ ‬أكثر‭ ‬فأكثر‭ ‬نحو‭ ‬التعددية‭ ‬القطبية،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬التحدي‭ ‬مقتصرًا‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬توسيع‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي،‭ ‬بل‭ ‬يتجاوز‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬تحديد‭ ‬طبيعة‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إليها‭.‬

لقد‭ ‬أُنشئ‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬عام‭ ‬1945‭ ‬بهدف‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬السلم‭ ‬والأمن‭ ‬الدوليين‭ ‬في‭ ‬أعقاب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬وقد‭ ‬عكست‭ ‬هيكليته‭ ‬الحقائق‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬السائدة‭ ‬آنذاك‭.‬

وقد‭ ‬أُسندت‭ ‬إلى‭ ‬خمس‭ ‬دول‭ ‬دائمة‭ ‬العضوية‭ ‬—‭ ‬وهي‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬وروسيا‭ ‬والصين‭ ‬والمملكة‭ ‬المتحدة‭ ‬وفرنسا‭ ‬—‭ ‬مسؤوليات‭ ‬خاصة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭)‬،‭ ‬وذلك‭ ‬لضمان‭ ‬استمرار‭ ‬التزام‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬بالنظام‭ ‬الدولي‭ ‬الجديد؛‭ ‬إذ‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الترتيب‭ ‬الحيلولة‭ ‬دون‭ ‬وقوع‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬المنتصرة،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬مصداقية‭ ‬منظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬واستمراريتها‭.‬

لقد‭ ‬أظهر‭ ‬ذلك‭ ‬التصميم‭ ‬المؤسسي‭ ‬صموداً‭ ‬لافتاً؛‭ ‬فباستثناء‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬العضوية‭ ‬المنتخبة‭ ‬عام‭ ‬1965‭ - ‬بزيادة‭ ‬المقاعد‭ ‬من‭ ‬ستة‭ ‬إلى‭ ‬عشرة،‭ ‬مما‭ ‬رفع‭ ‬إجمالي‭ ‬عدد‭ ‬أعضاء‭ ‬المجلس‭ ‬إلى‭ ‬خمسة‭ ‬عشر‭ ‬عضواً‭ - ‬ظل‭ ‬الهيكل‭ ‬الأساسي‭ ‬للمجلس‭ ‬دون‭ ‬تغيير‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬ستة‭ ‬عقود‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬قد‭ ‬شهد‭ ‬تغيرات‭ ‬جذرية؛‭ ‬إذ‭ ‬توسعت‭ ‬عضوية‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬من‭ ‬51‭ ‬دولة‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬193‭ ‬دولة،‭ ‬وتجاوز‭ ‬عدد‭ ‬سكان‭ ‬العالم‭ ‬حاجز‭ ‬الثمانية‭ ‬مليارات‭ ‬نسمة‭. ‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬النفوذ‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مقتصراً‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬صغير‭ ‬من‭ ‬القوى‭ ‬الغربية،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬آسيا‭ ‬وإفريقيا‭ ‬وأمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬ودول‭ ‬‮«‬الجنوب‭ ‬العالمي‮»‬‭ ‬الأوسع‭ ‬نطاقاً‭ ‬تؤدي‭ ‬أدواراً‭ ‬متزايدة‭ ‬الأهمية‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الدولية‭.‬

لقد‭ ‬تعاظم‭ ‬نفوذ‭ ‬المنظمات‭ ‬الإقليمية‭ ‬وبرزت‭ ‬مراكز‭ ‬اقتصادية‭ ‬جديدة،‭ ‬وأصبح‭ ‬نظام‭ ‬الحوكمة‭ ‬العالمية‭ ‬يعمل‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬وتعددية‭ ‬للأقطاب‭ ‬مقارنة‭ ‬بتلك‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬سائدة‭ ‬عام‭ ‬1945‭.‬

وتفسر‭ ‬هذه‭ ‬الفجوة‭ ‬المتزايدة‭ ‬بين‭ ‬التصميم‭ ‬المؤسسي‭ ‬والواقع‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬السبب‭ ‬وراء‭ ‬حتمية‭ ‬إصلاح‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬إفريقيا‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬تمثيل‭ ‬دائم،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬تشكل‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ربع‭ ‬إجمالي‭ ‬أعضاء‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

لا‭ ‬تحظى‭ ‬أمريكا‭ ‬اللاتينية‭ ‬بمقعد‭ ‬دائم،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬ترى‭ ‬أطراف‭ ‬إقليمية‭ ‬مؤثرة‭ ‬في‭ ‬آسيا‭ ‬والعالم‭ ‬النامي‭ ‬الأوسع‭ ‬أن‭ ‬المجلس‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يعكس‭ ‬تنوع‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬الراهن؛‭ ‬إذ‭ ‬تفقد‭ ‬المؤسسات‭ ‬شرعيتها‭ ‬حين‭ ‬تكف‭ ‬عن‭ ‬عكس‭ ‬واقع‭ ‬العالم‭ ‬الذي‭ ‬أُنشئت‭ ‬لتنظيمه‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬شرعية‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الدولي‭ ‬هو‭ ‬تحدٍ‭ ‬مؤسسي‭ ‬في‭ ‬جوهره،‭ ‬وليس‭ ‬تاريخياً‭.‬

وإدراكاً‭ ‬لهذا‭ ‬الخلل،‭ ‬أنشأت‭ ‬الجمعية‭ ‬العامة‭ ‬لمنظمة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحد‭ ‬إطار‭ ‬‮«‬المفاوضات‭ ‬الحكومية‭ ‬الدولية‮»‬‭ (‬IGN‭) ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008،‭ ‬وبدأت‭ ‬المفاوضات‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2009‭. ‬وتتمحور‭ ‬المناقشات‭ ‬حول‭ ‬خمس‭ ‬قضايا‭: ‬فئات‭ ‬العضوية،‭ ‬وحق‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭)‬،‭ ‬والتمثيل‭ ‬الإقليمي،‭ ‬وحجم‭ ‬المجلس،‭ ‬وآليات‭ ‬عمله‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وبعد‭ ‬مرور‭ ‬ما‭ ‬يقرب‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬كاملين‭ ‬من‭ ‬المفاوضات،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬التقدم‭ ‬المحرز‭ ‬محدوداً؛‭ ‬لأن‭ ‬الحكومات‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تختلف‭ - ‬ليس‭ ‬حول‭ ‬ضرورة‭ ‬الإصلاح‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ‭ - ‬بل‭ ‬حول‭ ‬ما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يحققه‭ ‬هذا‭ ‬الإصلاح‭ ‬فعلياً‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬في‭ ‬مشهد‭ ‬جيوسياسي‭ ‬متغير‭.‬

يعكس‭ ‬الجدل‭ ‬الدائر‭ ‬حول‭ ‬الإصلاح،‭ ‬بشكل‭ ‬متزايد،‭ ‬فلسفتين‭ ‬متنافستين‭ ‬بشأن‭ ‬التغيير‭ ‬المؤسسي؛‭ ‬إذ‭ ‬ترى‭ ‬إحداهما‭ ‬أن‭ ‬الشرعية‭ ‬تقتضي‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬العضوية‭ ‬الدائمة‭ ‬لتشمل‭ ‬القوى‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬اليوم،‭ ‬بينما‭ ‬ترى‭ ‬الأخرى‭ ‬أن‭ ‬تعزيز‭ ‬التمثيل‭ - ‬دون‭ ‬استحداث‭ ‬مراكز‭ ‬سلطة‭ ‬دائمة‭ ‬إضافية‭ - ‬هو‭ ‬السبيل‭ ‬الأمثل‭ ‬لترسيخ‭ ‬الشرعية‭.‬

ويتمثل‭ ‬النهج‭ ‬الأول‭ ‬في‭ ‬موقف‭ ‬‮«‬مجموعة‭ ‬الأربع‮»‬‭ (‬G4‭) - ‬التي‭ ‬تضم‭ ‬البرازيل‭ ‬وألمانيا‭ ‬والهند‭ ‬واليابان‭ - ‬والمؤيد‭ ‬لزيادة‭ ‬عدد‭ ‬المقاعد‭ ‬الدائمة‭ ‬والمقاعد‭ ‬المنتخبة‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء‭. ‬وبالمثل،‭ ‬ترى‭ ‬المجموعة‭ ‬الإفريقية‭ ‬أن‭ ‬تصحيح‭ ‬الظلم‭ ‬التاريخي‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تمثيل‭ ‬إفريقي‭ ‬دائم‭ ‬يتمتع‭ ‬بالحقوق‭ ‬والمسؤوليات‭ ‬ذاتها‭ ‬الممنوحة‭ ‬للأعضاء‭ ‬الدائمين‭ ‬الحاليين‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬تركز‭ ‬المبادرة‭ ‬الفرنسية‭-‬المكسيكية‭ ‬على‭ ‬تقييد‭ ‬استخدام‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭) ‬في‭ ‬الحالات‭ ‬التي‭ ‬تنطوي‭ ‬على‭ ‬فظائع‭ ‬جماعية،‭ ‬مع‭ ‬الإبقاء‭ ‬على‭ ‬الهيكل‭ ‬العام‭ ‬للمجلس‭ ‬دون‭ ‬تغيير‭ ‬جوهري‭.‬

يتناول‭ ‬كل‭ ‬مقترح‭ ‬مخاوف‭ ‬حقيقية‭ ‬تتعلق‭ ‬بالتمثيل‭ ‬والإنصاف‭ ‬والشرعية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬تشترك‭ ‬جميعاً‭ ‬في‭ ‬افتراض‭ ‬ضمني‭ ‬مهم‭: ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬العضوية‭ ‬الدائمة‭ ‬يمثل‭ ‬الحل‭ ‬الطبيعي‭ ‬لما‭ ‬يعانيه‭ ‬المجلس‭ ‬من‭ ‬قصور‭ ‬في‭ ‬التمثيل‭. ‬وهذا‭ ‬الافتراض‭ ‬يستحق‭ ‬فحصا‭ ‬وتدقيقا‭ ‬أعمق‭.‬

غالباً‭ ‬ما‭ ‬يُنظر‭ ‬إلى‭ ‬التحدي‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬شرعية‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬باعتباره‭ ‬مشكلة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالتمثيل؛‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التمثيل‭ ‬والعضوية‭ ‬الدائمة‭ ‬ليسا‭ ‬مترادفين‭. ‬إذ‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬مؤسسة‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬تمثيلاً‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقل‭ ‬مستوى‭ ‬مساءلتها،‭ ‬تماماً‭ ‬كما‭ ‬يمكنها‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬أكثر‭ ‬شمولاً‭ ‬دون‭ ‬استحداث‭ ‬ترتيبات‭ ‬دائمة‭ ‬جديدة‭.‬

وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬الجوهري‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬الأعضاء‭ ‬الدائمين‭ ‬الذين‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يضمهم‭ ‬المجلس،‭ ‬بل‭ ‬فيما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬العضوية‭ ‬الدائمة‭ ‬بحد‭ ‬ذاتها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تمثل‭ ‬النموذج‭ ‬المؤسسي‭ ‬الأنسب‭ ‬للحوكمة‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭.‬

تُجسِّد‭ ‬تجربة‭ ‬الأعضاء‭ ‬الدائمين‭ ‬الحاليين‭ ‬هذه‭ ‬المعضلة؛‭ ‬فقد‭ ‬لعب‭ ‬حق‭ ‬النقض‭ (‬الفيتو‭) ‬دوراً‭ ‬متكرراً‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬مخرجات‭ ‬المجلس‭ ‬بشأن‭ ‬قضايا‭ ‬تتراوح‭ ‬بين‭ ‬سوريا‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬وبين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وفلسطين،‭ ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ذلك‭ ‬يعكس‭ ‬المصالح‭ ‬الوطنية‭ ‬والتحالفات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التوافق‭ ‬الدولي‭ ‬الواسع‭.‬

ومهما‭ ‬كان‭ ‬الموقف‭ ‬المتخذ‭ ‬إزاء‭ ‬حالات‭ ‬بعينها،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬الوقائع‭ ‬تُبيِّن‭ ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تركز‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬أيدي‭ ‬الأعضاء‭ ‬الدائمين‭ ‬أن‭ ‬يُعقِّد‭ ‬عملية‭ ‬اتخاذ‭ ‬القرار‭ ‬الجماعي‭ ‬أثناء‭ ‬الأزمات‭ ‬الدولية‭ ‬الكبرى‭.‬

وقد‭ ‬عززت‭ ‬الانقسامات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بشأن‭ ‬غزة‭ ‬وأوكرانيا‭ ‬والسودان‭ ‬قلقاً‭ ‬أوسع‭ ‬نطاقاً؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تعتمد‭ ‬الشرعية‭ ‬على‭ ‬التمثيل‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬المجلس‭ ‬على‭ ‬التحرك‭ ‬أثناء‭ ‬الأزمات‭ ‬الدولية‭ ‬الكبرى‭. ‬فمجلس‭ ‬الأمن‭ ‬الذي‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬عاجز‭ ‬عن‭ ‬التحرك‭ ‬يُخاطر‭ ‬بتقويض‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬متعدد‭ ‬الأطراف‭ ‬ككل،‭ ‬بغض‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬مدى‭ ‬تمثيلية‭ ‬عضويته‭.‬

قد‭ ‬يؤدي‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬العضوية‭ ‬الدائمة‭ ‬إلى‭ ‬تحسين‭ ‬التمثيل‭ ‬لبعض‭ ‬المناطق،‭ ‬لكنه‭ ‬سيُدخل‭ ‬أيضاً‭ ‬مصالح‭ ‬جيوسياسية‭ ‬دائمة‭ ‬إضافية‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسة‭ ‬تعاني‭ ‬أصلاً‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬توافق‭ ‬في‭ ‬الآراء‭.‬

وتُعد‭ ‬العضوية‭ ‬الدائمة‭ ‬أمراً‭ ‬لا‭ ‬رجعة‭ ‬فيه‭ ‬عملياً؛‭ ‬فبمجرد‭ ‬منحها،‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬لعمليات‭ ‬انتخابية‭ ‬أو‭ ‬مراجعة‭ ‬للأداء‭ ‬أو‭ ‬تجديد‭ ‬دوري‭. ‬ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬الإصلاح‭ ‬الذي‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬الشرعية‭ ‬اليوم‭ ‬قد‭ ‬يحدّ‭ ‬من‭ ‬قدرة‭ ‬المجلس‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬يطرح‭ ‬تحالف‭ ‬‮«‬الاتحاد‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬التوافق‮»‬‭ (‬UfC‭) -‬الذي‭ ‬يضم‭ ‬في‭ ‬عضويته‭ ‬إيطاليا‭ ‬وباكستان‭ ‬والمكسيك‭ ‬والأرجنتين‭ ‬وكندا‭ ‬وكوريا‭ ‬الجنوبية‭- ‬رؤية‭ ‬بديلة؛‭ ‬إذ‭ ‬يقترح‭ ‬التحالف،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬توسيع‭ ‬العضوية‭ ‬الدائمة،‭ ‬زيادة‭ ‬التمثيل‭ ‬المنتخب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مقاعد‭ ‬ذات‭ ‬ولايات‭ ‬أطول‭ ‬وقابلة‭ ‬للتجديد،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬الإطار‭ ‬المؤسسي‭ ‬القائم‭ ‬للمجلس‭.‬

في‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬عملية‭ ‬إصلاح‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬حول‭ ‬أي‭ ‬الدول‭ ‬تستحق‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬وضع‭ ‬العضوية‭ ‬الدائمة؛‭ ‬إذ‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتمثل‭ ‬هدفها‭ ‬الجوهري‭ ‬في‭ ‬تعزيز‭ ‬شرعية‭ ‬المؤسسة‭ ‬الأمنية‭ ‬الرئيسية‭ ‬للأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وفعاليتها‭ ‬وقدرتها‭ ‬على‭ ‬التكيف‭.‬

وتوفر‭ ‬آلية‭ ‬التمثيل‭ ‬المنتخب‭ ‬الأوسع‭ ‬نطاقاً‭ ‬مساراً‭ ‬واعداً،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬المشاركة‭ ‬الإقليمية‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬المساءلة‭ ‬عبر‭ ‬إجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬دورية‭ ‬وتحديد‭ ‬ولايات‭ ‬قابلة‭ ‬للتجديد‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬مسائل‭ ‬التوزيع‭ ‬الإقليمي،‭ ‬ومدد‭ ‬الولايات،‭ ‬وإعادة‭ ‬الانتخاب‭ ‬تتطلب‭ ‬مفاوضات‭ ‬دقيقة،‭ ‬إلا‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬لها‭ ‬أن‭ ‬تحجب‭ ‬مبدأً‭ ‬أساسيا‭: ‬وهو‭ ‬أن‭ ‬التمثيل‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفل‭ ‬الشرعية‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أصبحت‭ ‬السلطة‭ ‬راسخة‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭.‬

يتعين‭ ‬على‭ ‬المجلس‭ -‬لكي‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬تمثيلاً‭- ‬أن‭ ‬يظل‭ ‬أيضاً‭ ‬مستجيباً‭ ‬للواقع‭ ‬الجيوسياسي‭ ‬المتغير؛‭ ‬ولذا‭ ‬فإن‭ ‬مستقبل‭ ‬الإصلاح‭ ‬لا‭ ‬يعتمد‭ ‬ببساطة‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬توزيع‭ ‬المقاعد،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الافتراضات‭ ‬المؤسسية‭ ‬التي‭ ‬صاغت‭ ‬النقاش‭ ‬عقودا‭.‬

وفي‭ ‬عالم‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬تعددية‭ ‬الأقطاب،‭ ‬يتطلب‭ ‬الإصلاح‭ ‬الجوهري‭ ‬تجاوز‭ ‬مجرد‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬الامتيازات‭ ‬الدائمة،‭ ‬والسعي‭ ‬نحو‭ ‬مجلس‭ ‬أمن‭ ‬تتعزز‭ ‬فيه‭ ‬مبادئ‭ ‬التمثيل‭ ‬والمساءلة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬التكيف‭ ‬بشكل‭ ‬متبادل‭.‬

 

{‭ ‬كاتبة‭ ‬وباحثة‭ ‬أكاديمية‭ ‬بجامعة‭ ‬ألمانية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا