العدد : ١٧٧١٠ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٠ - الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٧ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

التنافس الأمريكي الصيني وإعادة تشكيل الاقتصاد السياسي

بقلم: سمر عادل

الخميس ١٧ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تعد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصين‭ ‬مجرد‭ ‬علاقة‭ ‬تنافسية‭ ‬بين‭ ‬أكبر‭ ‬اقتصادين‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وإنما‭ ‬أصبحت‭ ‬أحد‭ ‬المفاتيح‭ ‬الأساسية‭ ‬لفهم‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬يشهدها‭ ‬الاقتصاد‭ ‬السياسي‭ ‬العالمي،‭ ‬فمنذ‭ ‬مطلع‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬اتجه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬إلى‭ ‬توسيع‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية‭ ‬وترابط‭ ‬الاستثمارات‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإنتاج‭ ‬العابرة‭ ‬للحدود‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬الصعب‭ ‬الفصل‭ ‬بين‭ ‬مصالح‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬اتجاه‭ ‬مغاير‭ ‬إذ‭ ‬بدأ‭ ‬هذا‭ ‬الترابط‭ ‬نفسه‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مصدر‭ ‬للقوة‭ ‬والضغط‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد،‭ ‬وأصبحت‭ ‬العلاقات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬أدوات‭ ‬التنافس‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬حيث‭ ‬تكمن‭ ‬أهمية‭ ‬التنافس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الصيني‭ ‬في‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬التجارة‭ ‬وحدها،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬الرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬هي‭ ‬أكثر‭ ‬مظاهره‭ ‬وضوحًا‭. ‬فالمواجهة‭ ‬امتدت‭ ‬تدريجيًا‭ ‬إلى‭ ‬التكنولوجيا،‭ ‬وأشباه‭ ‬الموصلات،‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والاستثمارات،‭ ‬والموارد‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وسلاسل‭ ‬الإمداد،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية‭.‬

وقد‭ ‬شكلت‭ ‬الحرب‭ ‬التجارية‭ ‬التي‭ ‬تصاعدت‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2018‭ ‬نقطة‭ ‬تحول‭ ‬واضحة‭ ‬في‭ ‬طبيعة‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬القوتين‭ ‬فالرسوم‭ ‬الجمركية‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬الواردات‭ ‬الصينية،‭ ‬وما‭ ‬تبعها‭ ‬من‭ ‬إجراءات‭ ‬صينية‭ ‬مقابلة،‭ ‬لم‭ ‬تؤد‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬تدفقات‭ ‬التجارة‭ ‬الثنائية‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كشفت‭ ‬عن‭ ‬هشاشة‭ ‬النموذج‭ ‬الذى‭ ‬قامت‭ ‬عليه‭ ‬العولمة‭ ‬خلال‭ ‬العقود‭ ‬السابقة‭ ‬ذلك‭ ‬النموذج‭ ‬افترض‭ ‬أن‭ ‬توزيع‭ ‬مراحل‭ ‬الإنتاج‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬وفقًا‭ ‬للمزايا‭ ‬النسبية‭ ‬سيؤدى‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬إلى‭ ‬تعظيم‭ ‬المكاسب‭ ‬للجميع‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التنافس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الصيني‭ ‬يكشف‭ ‬أن‭ ‬الكفاءة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬ليست‭ ‬دائمًا‭ ‬الأمر‭ ‬الحاكم‭ ‬عندما‭ ‬تتصل‭ ‬التجارة‭ ‬بالأمن‭ ‬القومي‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والقدرة‭ ‬الصناعية‭. ‬وهنا‭ ‬بدأت‭ ‬ملامح‭ ‬تحول‭ ‬أعمق‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬فالشركات‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬سلاسل‭ ‬الإمداد‭ ‬باعتبارها‭ ‬مسألة‭ ‬تكلفة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تسأل‭ ‬أيضًا‭ ‬عن‭ ‬درجة‭ ‬الأمان‭ ‬والاستقرار‭ ‬السياسي‭ ‬ومخاطر‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬دولة‭ ‬واحدة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التغيرات‭ ‬الدولية‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬التغيرات،‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬المهم‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الاتجاهات‭ ‬لا‭ ‬تعنى‭ ‬نهاية‭ ‬العولمة‭ ‬كما‭ ‬يتصور‭ ‬البعض،‭ ‬ولكن‭ ‬يتم‭ ‬إعادة‭ ‬صياغتها‭ ‬وفقًا‭ ‬للمعطيات‭ ‬الجديدة‭.‬

والأهم‭ ‬أن‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬أصبحت‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬المنافسة‭ ‬فالتفوق‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬القرن‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يقاس‭ ‬فقط‭ ‬بحجم‭ ‬المصانع‭ ‬أو‭ ‬قيمة‭ ‬الصادرات،‭ ‬وإنما‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬إنتاج‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬والتحكم‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬والبيانات‭ ‬والبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الرقمية،‭ ‬ولهذا‭ ‬أصبح‭ ‬الصراع‭ ‬حول‭ ‬أشباه‭ ‬الموصلات‭ ‬والذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والتقنيات‭ ‬المتقدمة‭ ‬أكثر‭ ‬أهمية‭ ‬من‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬التنافسات‭ ‬التجارية‭ ‬التقليدية‭ ‬فمن‭ ‬يمتلك‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬ميزة‭ ‬اقتصادية‭ ‬فقط‭ ‬بل‭ ‬يمتلك‭ ‬أيضًا‭ ‬قدرة‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬المنافسة‭ ‬الدولية‭.‬

وقد‭ ‬دفعت‭ ‬هذه‭ ‬التطورات‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬تبنى‭ ‬سياسات‭ ‬صناعية‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا،‭ ‬بعد‭ ‬عقود‭ ‬اتسمت‭ ‬بدرجة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الأسواق‭ ‬العالمية‭ ‬وتقسيم‭ ‬العمل‭ ‬الدولي‭ ‬وفي‭ ‬المقابل،‭ ‬سعت‭ ‬الصين‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬قدرتها‭ ‬الذاتية‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬وهكذا‭ ‬أصبح‭ ‬التنافس‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬عاملًا‭ ‬يدفع‭ ‬كلًا‭ ‬منهما‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬قدر‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الاستقلال‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والتكنولوجي‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬والصيني‭ ‬يتجهان‭ ‬أو‭ ‬يرغبان‭ ‬إلى‭ ‬فك‭ ‬الارتباط‭ ‬الكامل‭. ‬فالاقتصادان‭ ‬لا‭ ‬يزالا‭ ‬شديدي‭ ‬الارتباط،‭ ‬فتكلفة‭ ‬الانفصال‭ ‬الكامل‭ ‬ستكون‭ ‬مرتفعة‭ ‬على‭ ‬الطرفين‭ ‬وعلى‭ ‬الاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬ككل‭ ‬ولذلك‭ ‬يبدو‭ ‬السيناريو‭ ‬الأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬الترابط،‭ ‬ولكن‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬مختلفة،‭ ‬ربما‭ ‬ترابط‭ ‬أكثر‭ ‬حذرًا،‭ ‬وشراكات‭ ‬أكثر‭ ‬انتقائية،‭ ‬وسلاسل‭ ‬إمداد‭ ‬أكثر‭ ‬تنوعًا،‭ ‬وقيود‭ ‬أكبر‭ ‬على‭ ‬بعض‭ ‬القطاعات‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬استراتيجية‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬يتغير‭ ‬أيضًا‭ ‬مفهوم‭ ‬القوة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الدولية‭ ‬فالقوة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعني‭ ‬امتلاك‭ ‬أكبر‭ ‬سوق‭ ‬أو‭ ‬تحقيق‭ ‬أكبر‭ ‬حجم‭ ‬من‭ ‬التجارة‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬القواعد‭ ‬والمعايير‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬وممرات‭ ‬التجارة‭ ‬وسلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬وهذا‭ ‬يجعل‭ ‬التنافس‭ ‬الأمريكي‭ ‬الصيني‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬منافسة‭ ‬بين‭ ‬اقتصادين‭ ‬عملاقين‭ ‬إنه‭ ‬تنافس‭ ‬على‭ ‬صياغة‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬التي‭ ‬ستعمل‭ ‬داخله‭ ‬اقتصادات‭ ‬العالم‭ ‬أجمع،‭ ‬وقد‭ ‬يجعل‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬يعمل‭ ‬على‭ ‬تعميق‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬المركز‭ ‬ودول‭ ‬الهامش،‭ ‬وبخاصة‭ ‬إذا‭ ‬ظلت‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬المتقدمة‭ ‬والتمويل‭ ‬وسلاسل‭ ‬القيمة‭ ‬العالمية‭ ‬متركزة‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الكبرى،‭ ‬ما‭ ‬قد‭ ‬يزيد‭ ‬من‭ ‬تبعية‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الأقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬قواعد‭ ‬النظام‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الدولي‭.‬

 

{ باحثة‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الدولي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا