لم تعد العلاقة بين الولايات المتحدة والصين مجرد علاقة تنافسية بين أكبر اقتصادين في العالم، وإنما أصبحت أحد المفاتيح الأساسية لفهم التحولات التي يشهدها الاقتصاد السياسي العالمي، فمنذ مطلع القرن الحادي والعشرين اتجه الاقتصاد العالمي إلى توسيع التجارة الدولية وترابط الاستثمارات وسلاسل الإنتاج العابرة للحدود مما يجعل من الصعب الفصل بين مصالح القوى الكبرى، إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن اتجاه مغاير إذ بدأ هذا الترابط نفسه يتحول إلى مصدر للقوة والضغط في آن واحد، وأصبحت العلاقات الاقتصادية جزءًا من أدوات التنافس الاستراتيجي حيث تكمن أهمية التنافس الأمريكي الصيني في أنه لا يدور حول التجارة وحدها، حتى وإن كانت الرسوم الجمركية هي أكثر مظاهره وضوحًا. فالمواجهة امتدت تدريجيًا إلى التكنولوجيا، وأشباه الموصلات، والذكاء الاصطناعي، والاستثمارات، والموارد الاستراتيجية، وسلاسل الإمداد، وصولًا إلى البنية التحتية الرقمية.
وقد شكلت الحرب التجارية التي تصاعدت منذ عام 2018 نقطة تحول واضحة في طبيعة العلاقة بين القوتين فالرسوم الجمركية الأمريكية على الواردات الصينية، وما تبعها من إجراءات صينية مقابلة، لم تؤد إلى إعادة النظر في تدفقات التجارة الثنائية فقط، بل كشفت عن هشاشة النموذج الذى قامت عليه العولمة خلال العقود السابقة ذلك النموذج افترض أن توزيع مراحل الإنتاج على الدول وفقًا للمزايا النسبية سيؤدى في النهاية إلى تعظيم المكاسب للجميع غير أن التنافس الأمريكي الصيني يكشف أن الكفاءة الاقتصادية ليست دائمًا الأمر الحاكم عندما تتصل التجارة بالأمن القومي والتكنولوجيا والقدرة الصناعية. وهنا بدأت ملامح تحول أعمق في الاقتصاد العالمي فالشركات لم تعد تنظر إلى سلاسل الإمداد باعتبارها مسألة تكلفة فقط، بل أصبحت تسأل أيضًا عن درجة الأمان والاستقرار السياسي ومخاطر الاعتماد على دولة واحدة في ظل التغيرات الدولية حتى وإن لم تكتمل بعد هذه التغيرات، ولكن من المهم الإشارة إلى أن هذه الاتجاهات لا تعنى نهاية العولمة كما يتصور البعض، ولكن يتم إعادة صياغتها وفقًا للمعطيات الجديدة.
والأهم أن التكنولوجيا أصبحت في قلب المنافسة فالتفوق الاقتصادي في القرن الحادي والعشرين لم يعد يقاس فقط بحجم المصانع أو قيمة الصادرات، وإنما بالقدرة على إنتاج التكنولوجيا المتقدمة والتحكم في المعرفة والبيانات والبنية التحتية الرقمية، ولهذا أصبح الصراع حول أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة أكثر أهمية من كثير من التنافسات التجارية التقليدية فمن يمتلك التكنولوجيا المتقدمة لا يمتلك ميزة اقتصادية فقط بل يمتلك أيضًا قدرة أكبر على التأثير في قواعد المنافسة الدولية.
وقد دفعت هذه التطورات الولايات المتحدة إلى تبنى سياسات صناعية أكثر وضوحًا، بعد عقود اتسمت بدرجة أكبر من الاعتماد على الأسواق العالمية وتقسيم العمل الدولي وفي المقابل، سعت الصين إلى تعزيز قدرتها الذاتية في القطاعات التكنولوجية والاستراتيجية وهكذا أصبح التنافس بين الطرفين عاملًا يدفع كلًا منهما إلى بناء قدر أكبر من الاستقلال الاقتصادي والتكنولوجي. ولا يعني ذلك أن الولايات المتحدة والصيني يتجهان أو يرغبان إلى فك الارتباط الكامل. فالاقتصادان لا يزالا شديدي الارتباط، فتكلفة الانفصال الكامل ستكون مرتفعة على الطرفين وعلى الاقتصاد العالمي ككل ولذلك يبدو السيناريو الأكثر واقعية هو استمرار الترابط، ولكن في صورة مختلفة، ربما ترابط أكثر حذرًا، وشراكات أكثر انتقائية، وسلاسل إمداد أكثر تنوعًا، وقيود أكبر على بعض القطاعات التي تعتبر استراتيجية.
وفي هذا السياق يتغير أيضًا مفهوم القوة الاقتصادية الدولية فالقوة لم تعد تعني امتلاك أكبر سوق أو تحقيق أكبر حجم من التجارة فقط، وإنما القدرة على التأثير في القواعد والمعايير والتكنولوجيا وممرات التجارة وسلاسل القيمة وهذا يجعل التنافس الأمريكي الصيني أكبر من مجرد منافسة بين اقتصادين عملاقين إنه تنافس على صياغة النظام الدولي التي ستعمل داخله اقتصادات العالم أجمع، وقد يجعل هذا التحول يعمل على تعميق الفجوة بين دول المركز ودول الهامش، وبخاصة إذا ظلت السيطرة على التكنولوجيا المتقدمة والتمويل وسلاسل القيمة العالمية متركزة في الاقتصادات الكبرى، ما قد يزيد من تبعية الاقتصادات الأقل قدرة على التأثير في قواعد النظام الاقتصادي الدولي.
{ باحثة في الاقتصاد الدولي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك