تفرض الظروف الجيوسياسية في الشرق الأوسط إعادة التفكير في نموذج التنمية الاقتصادية الخليجي؛ فالصمود الاقتصادي لم يعد يعني امتلاك احتياطيات مالية تكفي لتجاوز انخفاض أسعار النفط، بل أصبح قدرة متكاملة على امتصاص الصدمات، واستمرار الخدمات والإنتاج، والتكيف السريع، ثم تحويل الأزمة إلى فرصة للتعلم والنمو. وهذا ما نجحت فيه دول الخليج وأظهرت اقتصاداتها قدرا كبيرا من الصلابة والثبات. وقد وضعت مجموعة بوسطن الاستشارية (BCG) توصيفا وتصورا لهذا الصمود يتلخص في الآتي:
الصمود وعلاقته بالتنمية
الصمود الاقتصادي هو قدرة الدولة والمجتمع والشركات على المحافظة على الوظائف والإنتاج والتجارة والخدمات الأساسية أثناء الأزمات، ثم استعادة النشاط وتطويره بعد انتهاء الصدمة. وترتبط هذه القدرة بالتنمية ارتباطاً مباشراً؛ لأن الاقتصاد الصامد يحمي الاستثمار، ويحد من البطالة والتضخم، ويحافظ على ثقة المجتمع والمستثمرين، ويمنح المسؤولين وقتاً لاتخاذ إجراءات عقلانية بدلاً من الاستجابة المرتجلة.
وتشير التقديرات الحديثة إلى أن دول مجلس التعاون حققت تقدماً في التنويع والتحول الرقمي، إلا أن الاعتماد على الهيدروكربونات مازال مؤثراً في المالية العامة والصادرات. كما تؤكد تقارير التنمية الخليجية أن استمرار النمو يتطلب الجمع بين الإصلاح الهيكلي، والاستقرار المالي، والتحول الرقمي، والذكاء الاصطناعي، ودعم المنشآت الصغيرة والمتوسطة (البنك الدولي، 2025، ص 1–3). ومن ثم فإن الصمود ليس سياسة طارئة، بل مكوّنا أساسيا من مكونات التنمية المستدامة.
مقومات الصمود
وآليات تحقيقه
يقوم الصمود الخليجي على مجموعة مترابطة من المقومات: أولها الانضباط المالي، من خلال بناء احتياطيات وسيولة وموازنات تقوم على سيناريوهات متعددة لأسعار النفط والتجارة. وثانيها تنويع الاقتصاد والإيرادات والصادرات، بحيث لا يعتمد النمو على قطاع أو سوق واحد. وثالثها تأمين سلاسل الإمداد من خلال تعدد الموردين، والمخزون الاستراتيجي، وتوطين الصناعات الحيوية مثل الغذاء والدواء والمعدات الصناعية.
ويضاف إلى ذلك وجود بنية تحتية موزعة ومترابطة، بحيث لا تتركز محطة المياه أو الميناء أو مركز البيانات أو منشأة الطاقة في موقع واحد؛ بل تُوزع المرافق جغرافياً وتُربط بشبكات تسمح بتحويل الخدمة عند تعطل أحد المكونات؛ فبدلاً من الاعتماد على محطة تحلية واحدة، يمكن إنشاء عدة محطات مرتبطة بخزانات استراتيجية ومصادر طاقة بديلة.
كما يتطلب الصمود قوة عمل ماهرة، ومؤسسات قادرة على اتخاذ القرار بسرعة، ونظم إنذار مبكر، واختبارات ضغط دورية للمصارف والموانئ وشبكات المياه والطاقة والاتصالات، وأن تضع الشركات خططا لاستمرارية الأعمال تحدد الموردين البدلاء، وقنوات الدفع الاحتياطية، ومسؤوليات الإدارة في أثناء الأزمة. وفي المجال السيبراني، ينبغي الجمع بين النسخ الاحتياطية، ومراكز البيانات البديلة، والتدقيق الأمني، وتدريب العاملين، وعدم الاعتماد على وسيلة دفع أو نظام رقمي واحد.
استراتيجيات الاستعداد
تبدأ الاستراتيجية الفعالة بالوقاية عبر تحليل المخاطر السياسية والاقتصادية والعسكرية بصورة دورية، وربطها بتأثيراتها المحتملة في الغذاء والدواء والطاقة والنقل والتمويل. ثم تأتي استراتيجية «الخيارات المتعددة»: تنويع الأسواق والمصادر وقنوات الدفع، وتوسيع الشراكات التجارية، وتطوير موانئ ومسارات برية وأنابيب بديلة، وزيادة الطاقة التخزينية.
وتؤكد الخبرات الحديثة أهمية تطوير ممرات لوجستية لا تعتمد على مضيق بحري واحد. فقد دفعت الاضطرابات إلى زيادة الاهتمام بالسكك الحديدية الخليجية، والطرق البرية، والموانئ البديلة، وخطوط نقل الطاقة خارج نقاط الاختناق (برايس ووترهاوس كوبرز، 2026، ص 2–4). كما يجب إنشاء آليات خليجية مشتركة لتبادل المعلومات، وإدارة الأزمات، وتنسيق المخزونات، وتوحيد المواصفات، وتسهيل انتقال السلع ورؤوس الأموال.
الركائز الخمس
للنمو الخليجي
يعتمد نموذج النمو الخليجي على خمس ركائز رئيسية:
1. الطاقة: الانتقال من تصدير النفط والغاز الخام إلى التكرير والبتروكيماويات والتخزين والتجارة والطاقة المتجددة.
2. رأس المال: توجيه جزء أكبر من استثمارات الصناديق السيادية إلى الصناعات والتقنيات والبنية التحتية التي تبني قدرات محلية، مع استمرار الاستثمار الخارجي الذي يوفر المعرفة والأسواق.
3. الإمداد والواردات: تنويع الموردين وتوطين المنتجات الحساسة، وخصوصاً الغذاء والدواء وأشباه الموصلات والمعدات الصناعية.
4. المواهب: جذب الكفاءات العالمية، وتأهيل المواطنين للقطاعات الحيوية، وأتمتة الأعمال الروتينية، مع حماية سوق العمل من صدمات مغادرة العمالة.
5. اللوجستيات: ربط الموانئ والمطارات والطرق والسكك وشبكات البيانات في منظومة إقليمية مرنة لا تعتمد على مسار واحد.
ويشير تحليل نموذج النمو الخليجي إلى أن دول المجلس تملك تأثيراً عالمياً كبيراً في الطاقة ورأس المال والتجارة واللوجستيات، لكنها تواجه في الوقت نفسه مخاطر مرتبطة بالممرات الجغرافية المركزة، والعمالة الوافدة، والتقنية المستوردة، وسلاسل الإمداد المحدودة (مجموعة بوسطن الاستشارية، 2026، ص 1–3).
تحديات النمو
والتحول إلى الابتكار
تكشف الاضطرابات حدود نموذج العمل القائم على استيراد التقنية وتوظيفها بدلاً من إنتاجها. لذلك يجب الانتقال من استهلاك الحلول الرقمية إلى تصنيع منتجات وخدمات قابلة للتصدير، مستفيدين من التحديات المحلية في تحلية المياه، والتبريد، والزراعة الصحراوية، والطاقة النظيفة، والصحة، والأمن السيبراني، والخدمات المالية واللوجستية.
ويتطلب ذلك ربط الجامعات بالصناعة، وتمويل البحث التطبيقي، وإنشاء مختبرات تنظيمية، وحماية الملكية الفكرية، وتوفير رأس المال الجريء، واستخدام المشتريات الحكومية لاختبار المنتجات المحلية. كما ينبغي تطوير الزراعة وفق منظور واقعي يحدد المحاصيل والمواد الأساسية القابلة للإنتاج في البيئة الخليجية، مع التوسع في الزراعة الذكية وإعادة استخدام المياه ومعالجة مصادر المياه، وعدم الاعتماد حصراً على مياه الخليج في التحلية.
المجتمع والمؤسسات
والمنشآت الصغيرة
لا يمكن بناء الصمود بقرار حكومي فقط؛ فالأسرة تعزز الادخار وترشيد الموارد والتعلم المستمر، والمدرسة تنمي الفضول والفكر النقدي الابداعي والعمل الجماعي، والجامعة تربط البحث باحتياجات الاقتصاد، والشركات تنوع الموردين وتدرب العاملين، والمؤسسات الأهلية تدعم الفئات المتضررة وتسعى لمساعدتهم وتنشر الثقة والمعلومات الموثوقة.
ويؤدي التفكير النقدي دوراً حاسماً في الابتكار؛ لأنه يعلم الفرد فحص الافتراضات، والتمييز بين الدليل والشائعة، ومقارنة البدائل، وقبول الخطأ بوصفه مرحلة من التعلم. أما التعصب والتنابز الاجتماعي فيقيدان الحوار، ويشجعان الخوف من الاختلاف، وقد يدفعان المواهب إلى الصمت والانغلاق. لذلك ينبغي أن تقدم المدارس منذ المراحل المبكرة تعلماً قائماً على الاستقصاء، والجرأة في طرح الاسئلة، والمناظرات المنضبطة، وتحليل الأخبار، والعمل في فرق متنوعة، مع احترام الهوية والتعددية ورفض التمييز.
وتحتل المنشآت الصغيرة والمتوسطة موقعاً مركزياً في الصمود؛ فهي الأكثر تعرضاً لانقطاع التمويل والتوريد، لكنها الأسرع في تجربة الحلول والابتكار وخلق الوظائف. ولذلك تحتاج إلى ضمانات ائتمانية، وتأمين مناسب، وتمويل طارئ، وحاضنات أعمال، وتدريب رقمي، ومنصات مشتريات حكومية، وتسهيلات جمركية، وخيارات دفع متعددة. إن حماية هذه المنشآت لا تعني دعم بقائها فقط، بل حماية شبكة واسعة من الوظائف والموردين والمهارات المحلية.
وخلاصة القول إن الصمود الاقتصادي الخليجي هو انتقاله من اقتصاد يتأثر بالصدمات إلى اقتصاد يملك البدائل، ومن مستهلك للتقنية إلى منتج للابتكار. ويتحقق ذلك بتكامل الطاقة ورأس المال والإمداد والمواهب واللوجستيات، وتعزيز التصنيع والزراعة والأمن السيبراني، وتوسيع التكامل الخليجي، وإشراك المجتمع والجامعات والشركات والمنشآت الصغيرة في بناء اقتصاد أكثر استقلالاً ومرونة وعدالة.
mkuwaiti@batelco.com.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك