تمر المنطقة في الوقت الحاضر بمرحلة منّ إعادة تشكيل أمني وسياسي، وهو تشكيل لا يزال في بداياته الاولى ومبكرة تتشابك فيها عناصر إقليمية ودولية ترسم مسارات معقدة امام آفاق السلام القريب أو البعيد معا.
ويمكننا في هذا السياق ان نستعرض هنا أربعة عوامل رئيسية تحدد مستقبل المنطقة، هي: مدى التمدد الإيراني، والردع الأمريكي، والحياد الأوروبي، والصبر الاستراتيجي الخليجي وصولا إلى استشراف آفاق المستقبل المحتملة.
العامل الاول: يتعلق بالتطرف الإيراني، حيث تمثل السياسة الايرانية التحدي الأبرز للاستقرار؛ إذ تعتمد طهران على شبكة من الوكلاء الإقليميين (حزب الله في لبنان والحوثيين في اليمن وفصائل مسلحة في العراق) كأدوات ضغط تهدد سيادة الدول وتعطل مسارات السلام، كما تشكل الملفات النووية والصاروخية مصدرا لسباق تسلح وتهديدا للممرات المائية الحيوية.
أما المحور الثاني فيتمثل في الضغط الامريكي المتردد والمتفاوت الاهمية وغير الحاسم حيث تتأرجح واشنطن بين التزامها التقليدي بأمن حلفائها ورغبتها في التفرغ لمواجهة الصعود الصيني والأزمة الروسية الأوروبية، وهي تعتمد بشكل اساسي على العقوبات الاقتصادية القصوى وتعزيز الوجود العسكري لحماية خطوط الملاحة إلى جانب بناء تحالفات دفاعية إقليمية، غير ان التقلبات السياسية في واشنطن تثير احيانا قلق الحلفاء بشأن ثبات الالتزام بالمواقف.
أما المحور الثالث فهو الحياد الاوروبي الغريب وغير المتوقع، حيث تخلى الأوروبيون عن مساعدة حليفهم الأقوى وهو الولايات المتحدة الأمريكية ومحاولة الحفاظ على توازن دقيق مع كل الأطراف مدفوعا بملفات الامن والطاقة والهجرة، ويفضل الاوروبيون دائما مسارات التفاوض على المواجهة العسكرية خشية وقوع كارثة إنسانية وموجات هجرة غير مسبوقة، وفي الوقت نفسه يعني تأمين امدادات الطاقة الخليجية بديلا عن الغاز الروسي مع تطلعهم الى سوق إيران حال رفع العقوبات ما يجعل موقف أوروبا أقرب الى الوساطة الاقتصادية.
المحور الرابع ويتمثل في الصبر الاستراتيجي الخليجي المثير للإعجاب حيث رفضت دول مجلس التعاون الخليجي الانجرار وراء الاستفزازات وعملت على تعزيز القدرات الدفاعية الذاتية.
وقد جسدت رعاية مسارات المصالحة الإقليمية كالاتفاق السعودي الإيراني برعاية صينية رغبة حقيقية في اختبار النوايا وفتح قنوات اتصال تمنع التصعيد، كما توظف دول الخليج رؤياها في إطار التسوية والدبلوماسية الاقتصادية كأدوات لبناء مصالح مشتركة تدفع الاطراف الأخرى نحو ترشيد سلوكها.
ومن هنا نصل إلى التوقعات المستقبلية التي نراها تتأرجح بين الاحتمال الاول والأكثر ترجيحا وهو استمرار حالة لا حرب ولا سلام حيث تواصل دول الخليج العربية موقف الصبر الاستراتيجي مع عدم استبعاد الحوار إذا ما رجعت القيادة الإيرانية إلى جادة الصواب وتخلت عن العدوانية، بينما تبقي واشنطن ضغطها الاقتصادي مع تبني فكرة احتواء بؤر التوتر في اليمن وغزة ولبنان ولكن من دون الوصول الى حلول جذرية.
الاحتمال الثاني هو احتمالية حدوث انفراج إقليمي يتيح للدبلوماسية الخليجية الأوروبية امكانية دفع إيران نحو منطق الدولة الوطنية والمصالح المتبادلة.
أما الاحتمال الثالث فهو حدوث مواجهة مباشرة تنتج عن خطأ في الحسابات أو اصرار إيراني على الحرب الشاملة بما يهدد خطوط الطاقة والأمن العالمي ويفجر أزمات إقليمية واسعة.
ولذلك تتوقف آفاق السلام على مدى قدرة دول مجلس التعاون الخليجي على حشد العالم ضد التطرف الايراني والضغط الدولي من اجل تفكيك التطرف الايراني وتحويله إلى أسلوب سياسي عقلاني يقوم على احترام السيادة والمصالح المشتركة لجميع دول المنطقة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك