العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

آفاق السلام في المنطقة بين التصعيد والتهدئة

بقلم: د. نبيل العسومي

السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تمر‭ ‬المنطقة‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬الحاضر‭ ‬بمرحلة‭ ‬منّ‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬أمني‭ ‬وسياسي،‭ ‬وهو‭ ‬تشكيل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬في‭ ‬بداياته‭ ‬الاولى‭ ‬ومبكرة‭ ‬تتشابك‭ ‬فيها‭ ‬عناصر‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭ ‬ترسم‭ ‬مسارات‭ ‬معقدة‭ ‬امام‭ ‬آفاق‭ ‬السلام‭ ‬القريب‭ ‬أو‭ ‬البعيد‭ ‬معا‭.‬

ويمكننا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬ان‭ ‬نستعرض‭ ‬هنا‭ ‬أربعة‭ ‬عوامل‭ ‬رئيسية‭ ‬تحدد‭ ‬مستقبل‭ ‬المنطقة،‭ ‬هي‭: ‬مدى‭ ‬التمدد‭ ‬الإيراني،‭ ‬والردع‭ ‬الأمريكي،‭ ‬والحياد‭ ‬الأوروبي،‭ ‬والصبر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الخليجي‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬استشراف‭ ‬آفاق‭ ‬المستقبل‭ ‬المحتملة‭.‬

العامل‭ ‬الاول‭: ‬يتعلق‭ ‬بالتطرف‭ ‬الإيراني،‭ ‬حيث‭ ‬تمثل‭ ‬السياسة‭ ‬الايرانية‭ ‬التحدي‭ ‬الأبرز‭ ‬للاستقرار؛‭ ‬إذ‭ ‬تعتمد‭ ‬طهران‭ ‬على‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الوكلاء‭ ‬الإقليميين‭ (‬حزب‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والحوثيين‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬وفصائل‭ ‬مسلحة‭ ‬في‭ ‬العراق‭) ‬كأدوات‭ ‬ضغط‭ ‬تهدد‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬وتعطل‭ ‬مسارات‭ ‬السلام،‭ ‬كما‭ ‬تشكل‭ ‬الملفات‭ ‬النووية‭ ‬والصاروخية‭ ‬مصدرا‭ ‬لسباق‭ ‬تسلح‭ ‬وتهديدا‭ ‬للممرات‭ ‬المائية‭ ‬الحيوية‭.‬

أما‭ ‬المحور‭ ‬الثاني‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬الضغط‭ ‬الامريكي‭ ‬المتردد‭ ‬والمتفاوت‭ ‬الاهمية‭ ‬وغير‭ ‬الحاسم‭ ‬حيث‭ ‬تتأرجح‭ ‬واشنطن‭ ‬بين‭ ‬التزامها‭ ‬التقليدي‭ ‬بأمن‭ ‬حلفائها‭ ‬ورغبتها‭ ‬في‭ ‬التفرغ‭ ‬لمواجهة‭ ‬الصعود‭ ‬الصيني‭ ‬والأزمة‭ ‬الروسية‭ ‬الأوروبية،‭ ‬وهي‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬اساسي‭ ‬على‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬القصوى‭ ‬وتعزيز‭ ‬الوجود‭ ‬العسكري‭ ‬لحماية‭ ‬خطوط‭ ‬الملاحة‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬بناء‭ ‬تحالفات‭ ‬دفاعية‭ ‬إقليمية،‭ ‬غير‭ ‬ان‭ ‬التقلبات‭ ‬السياسية‭ ‬في‭ ‬واشنطن‭ ‬تثير‭ ‬احيانا‭ ‬قلق‭ ‬الحلفاء‭ ‬بشأن‭ ‬ثبات‭ ‬الالتزام‭ ‬بالمواقف‭.‬

أما‭ ‬المحور‭ ‬الثالث‭ ‬فهو‭ ‬الحياد‭ ‬الاوروبي‭ ‬الغريب‭ ‬وغير‭ ‬المتوقع،‭ ‬حيث‭ ‬تخلى‭ ‬الأوروبيون‭ ‬عن‭ ‬مساعدة‭ ‬حليفهم‭ ‬الأقوى‭ ‬وهو‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ومحاولة‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬توازن‭ ‬دقيق‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬الأطراف‭ ‬مدفوعا‭ ‬بملفات‭ ‬الامن‭ ‬والطاقة‭ ‬والهجرة،‭ ‬ويفضل‭ ‬الاوروبيون‭ ‬دائما‭ ‬مسارات‭ ‬التفاوض‭ ‬على‭ ‬المواجهة‭ ‬العسكرية‭ ‬خشية‭ ‬وقوع‭ ‬كارثة‭ ‬إنسانية‭ ‬وموجات‭ ‬هجرة‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يعني‭ ‬تأمين‭ ‬امدادات‭ ‬الطاقة‭ ‬الخليجية‭ ‬بديلا‭ ‬عن‭ ‬الغاز‭ ‬الروسي‭ ‬مع‭ ‬تطلعهم‭ ‬الى‭ ‬سوق‭ ‬إيران‭ ‬حال‭ ‬رفع‭ ‬العقوبات‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬موقف‭ ‬أوروبا‭ ‬أقرب‭ ‬الى‭ ‬الوساطة‭ ‬الاقتصادية‭.‬

المحور‭ ‬الرابع‭ ‬ويتمثل‭ ‬في‭ ‬الصبر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الخليجي‭ ‬المثير‭ ‬للإعجاب‭ ‬حيث‭ ‬رفضت‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬الانجرار‭ ‬وراء‭ ‬الاستفزازات‭ ‬وعملت‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬القدرات‭ ‬الدفاعية‭ ‬الذاتية‭.‬

وقد‭ ‬جسدت‭ ‬رعاية‭ ‬مسارات‭ ‬المصالحة‭ ‬الإقليمية‭ ‬كالاتفاق‭ ‬السعودي‭ ‬الإيراني‭ ‬برعاية‭ ‬صينية‭ ‬رغبة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬اختبار‭ ‬النوايا‭ ‬وفتح‭ ‬قنوات‭ ‬اتصال‭ ‬تمنع‭ ‬التصعيد،‭ ‬كما‭ ‬توظف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬رؤياها‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬التسوية‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬كأدوات‭ ‬لبناء‭ ‬مصالح‭ ‬مشتركة‭ ‬تدفع‭ ‬الاطراف‭ ‬الأخرى‭ ‬نحو‭ ‬ترشيد‭ ‬سلوكها‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬التوقعات‭ ‬المستقبلية‭ ‬التي‭ ‬نراها‭ ‬تتأرجح‭ ‬بين‭ ‬الاحتمال‭ ‬الاول‭ ‬والأكثر‭ ‬ترجيحا‭ ‬وهو‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬لا‭ ‬حرب‭ ‬ولا‭ ‬سلام‭ ‬حيث‭ ‬تواصل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربية‭ ‬موقف‭ ‬الصبر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬مع‭ ‬عدم‭ ‬استبعاد‭ ‬الحوار‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬رجعت‭ ‬القيادة‭ ‬الإيرانية‭ ‬إلى‭ ‬جادة‭ ‬الصواب‭ ‬وتخلت‭ ‬عن‭ ‬العدوانية،‭ ‬بينما‭ ‬تبقي‭ ‬واشنطن‭ ‬ضغطها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬مع‭ ‬تبني‭ ‬فكرة‭ ‬احتواء‭ ‬بؤر‭ ‬التوتر‭ ‬في‭ ‬اليمن‭ ‬وغزة‭ ‬ولبنان‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬الوصول‭ ‬الى‭ ‬حلول‭ ‬جذرية‭.‬

الاحتمال‭ ‬الثاني‭ ‬هو‭ ‬احتمالية‭ ‬حدوث‭ ‬انفراج‭ ‬إقليمي‭ ‬يتيح‭ ‬للدبلوماسية‭ ‬الخليجية‭ ‬الأوروبية‭ ‬امكانية‭ ‬دفع‭ ‬إيران‭ ‬نحو‭ ‬منطق‭ ‬الدولة‭ ‬الوطنية‭ ‬والمصالح‭ ‬المتبادلة‭.‬

أما‭ ‬الاحتمال‭ ‬الثالث‭ ‬فهو‭ ‬حدوث‭ ‬مواجهة‭ ‬مباشرة‭ ‬تنتج‭ ‬عن‭ ‬خطأ‭ ‬في‭ ‬الحسابات‭ ‬أو‭ ‬اصرار‭ ‬إيراني‭ ‬على‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة‭ ‬بما‭ ‬يهدد‭ ‬خطوط‭ ‬الطاقة‭ ‬والأمن‭ ‬العالمي‭ ‬ويفجر‭ ‬أزمات‭ ‬إقليمية‭ ‬واسعة‭.‬

ولذلك‭ ‬تتوقف‭ ‬آفاق‭ ‬السلام‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬على‭ ‬حشد‭ ‬العالم‭ ‬ضد‭ ‬التطرف‭ ‬الايراني‭ ‬والضغط‭ ‬الدولي‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬تفكيك‭ ‬التطرف‭ ‬الايراني‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬أسلوب‭ ‬سياسي‭ ‬عقلاني‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬احترام‭ ‬السيادة‭ ‬والمصالح‭ ‬المشتركة‭ ‬لجميع‭ ‬دول‭ ‬المنطقة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا