العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

خيارات ترامب قبل معركة التجديد النصفي للكونجرس

بقلم: د. حسن نافعة

الجمعة ١٨ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تشكل‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬للكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬يوم‭ ‬4‭ ‬نوفمبر‭ ‬المقبل‭ ‬اختبارًا‭ ‬صعبًا‭ ‬على‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬اجتيازه‭ ‬بنجاح،‭ ‬وإلا‭ ‬فسيواجه‭ ‬تحديات‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬المدّة‭ ‬المتبقية‭ ‬من‭ ‬فترة‭ ‬ولايته‭ ‬الثانية‭. ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬هذه‭ ‬التحدّيات‭ ‬على‭ ‬احتمال‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬بطّة‭ ‬عرجاء‮»‬‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬قد‭ ‬تتفاقم‭ ‬أيضًا‭ ‬لتشمل‭ ‬البدء‭ ‬في‭ ‬إجراءات‭ ‬محاكمته‭ ‬تمهيدًا‭ ‬لعزله‭ ‬من‭ ‬منصبه،‭ ‬وهو‭ ‬احتمال‭ ‬وارد‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬ما‭ ‬أسفرت‭ ‬نتائج‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬عن‭ ‬حصول‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي‭ ‬على‭ ‬أغلبية‭ ‬مريحة،‭ ‬تتيح‭ ‬له‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬الكونجرس‭ ‬بمجلسيه،‭ ‬الشيوخ‭ ‬والنواب‭. ‬ولأن‭ ‬استطلاعات‭ ‬الرأي‭ ‬في‭ ‬الأسابيع‭ ‬القليلة‭ ‬الماضية‭ ‬تفيد‭ ‬بأن‭ ‬شعبية‭ ‬ترامب‭ ‬آخذة‭ ‬في‭ ‬التدهور‭ ‬منذ‭ ‬شهور‭ ‬طويلة،‭ ‬ووصلت‭ ‬إلى‭ ‬مستوىً‭ ‬من‭ ‬التدنّي‭ ‬غير‭ ‬مسبوق،‭ ‬وتؤكّد‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬أسباب‭ ‬هذا‭ ‬التدهور‭ ‬اقتناع‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬الأمريكي‭ ‬بأن‭ ‬ترامب‭ ‬زجّ‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬اختيار‭ ‬مكلفة،‭ ‬تسبّبت‭ ‬في‭ ‬زيادة‭ ‬الأعباء‭ ‬المعيشية‭ ‬على‭ ‬أبناء‭ ‬الطبقات‭ ‬الفقيرة‭ ‬والمتوسطة،‭ ‬وأن‭ ‬نتنياهو‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬استدراجه‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬تُخاض‭ ‬تحت‭ ‬شعار‭ ‬‮«‬إسرائيل‭ ‬أولاً‮»‬‭ ‬وليس‭ ‬‮«‬أمريكا‭ ‬أولاً‮»‬‭. ‬لذا‭ ‬من‭ ‬الطبيعي‭ ‬أن‭ ‬تثور‭ ‬تساؤلات‭ ‬ملحّة‭ ‬بشأن‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬بمقدور‭ ‬ترامب‭ ‬التغلب‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬التحدّيات،‭ ‬وطبيعة‭ ‬الخيارات‭ ‬المتاحة‭ ‬أمامه‭ ‬حتى‭ ‬إجراء‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭.‬

تبدو‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬الخيارات‭ ‬مرتبطة‭ ‬عضوياً‭ ‬بالقدرة‭ ‬على‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬الأمريكية‭ ‬الإيرانية‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مشتعلة‭ ‬وبطريقة‭ ‬تؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬سعر‭ ‬البنزين‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬المواطن‭ ‬الأمريكي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لن‭ ‬يتحقّق‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬جرى‭ ‬فتح‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬أمام‭ ‬حركة‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬لأن‭ ‬إغلاقه‭ ‬تسبّب‭ ‬في‭ ‬مشكلاتٍ‭ ‬ضخمة‭ ‬للاقتصاد‭ ‬العالمي‭ ‬ككل،‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬نفسه‭. ‬ولأنها‭ ‬خيارات‭ ‬محدودة،‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬لن‭ ‬يتمكّن‭ ‬من‭ ‬اجتياز‭ ‬اختبار‭ ‬الانتخابات‭ ‬النصفية‭ ‬بنجاح،‭ ‬فإنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬إلا‭ ‬بأحد‭ ‬وسيلتين‭. ‬الأولى‭: ‬حسم‭ ‬عسكري‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬انتصار‭ ‬أمريكي‭ ‬كامل‭ ‬واستسلام‭ ‬إيراني‭ ‬تام،‭ ‬وهو‭ ‬خيارٌ‭ ‬جُرّب‭ ‬وفشل،‭ ‬ولا‭ ‬مؤشّرات‭ ‬تؤكد‭ ‬أنه‭ ‬بات‭ ‬قابلاً‭ ‬للتحقيق‭ ‬قبل‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭. ‬والثانية‭: ‬اتفاق‭ ‬سياسي‭ ‬يفضي‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬وسط‭ ‬يمكن‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬الطرفين‭ ‬المتصارعين‭ ‬تسويقه‭ ‬إنجازاً،‭ ‬وهو‭ ‬خيار‭ ‬جُرّب‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬وفشل،‭ ‬خصوصا‭ ‬عقب‭ ‬التوقيع‭ ‬على‭ ‬‮«‬مذكرة‭ ‬التفاهم‮»‬‭.‬

في‭ ‬سياق‭ ‬كهذا،‭ ‬يبدو‭ ‬واضحاً‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬أمام‭ ‬ترامب‭ ‬سوى‭ ‬كسب‭ ‬الوقت،‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬تأجيل‭ ‬الحسم‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الموضوع‭ ‬الشائك‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الانتخابات،‭ ‬مع‭ ‬الحرص،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬على‭ ‬استغلال‭ ‬الوقت‭ ‬المتبقي‭ ‬بطريقة‭ ‬تسمح‭ ‬باجتياز‭ ‬الاختبار‭ ‬الانتخابي‭ ‬بأقل‭ ‬الخسائر‭ ‬الممكنة،‭ ‬عبر‭ ‬ترويج‭ ‬سرديةٍ‭ ‬تدّعي‭ ‬أن‭ ‬الأسطول‭ ‬الأمريكي‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وأنه‭ ‬مفتوح‭ ‬أمام‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية،‭ ‬وتعبره‭ ‬يومياً‭ ‬عشرات‭ ‬الناقلات‭ ‬المحملة‭ ‬بالملايين‭ ‬من‭ ‬براميل‭ ‬النفط،‭ ‬وأن‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬المضروب‭ ‬حول‭ ‬الموانئ‭ ‬الإيرانية،‭ ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬الإجراءات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬تستهدف‭ ‬خنق‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الإيراني،‭ ‬سوف‭ ‬يؤتيان‭ ‬أكلهما‭ ‬في‭ ‬القريب‭ ‬العاجل،‭ ‬ما‭ ‬سيؤدّي‭ ‬إلى‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬احتمالين‭. ‬الأول‭: ‬سقوط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬ثمرة‭ ‬ناضجة‭ ‬وقيام‭ ‬نظام‭ ‬إيراني‭ ‬بديل‭ (‬على‭ ‬النمط‭ ‬الفنزويلي‭) ‬يقبل‭ ‬الدوران‭ ‬في‭ ‬الفلك‭ ‬الأمريكي‭. ‬والثاني‭: ‬استسلام‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬الحالي‭ ‬لجميع‭ ‬المطالب‭ ‬والشروط‭ ‬الأمريكية‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحمل‭ ‬الحصار‭ ‬والعقوبات،‭ ‬وعندها‭ ‬يصبح‭ ‬الإعلان‭ ‬رسمياً‭ ‬عن‭ ‬الانتصار‭ ‬الأمريكي‭ ‬ممكناً‭. ‬ولكن‭ ‬هل‭ ‬سيصدّق‭ ‬الشعب‭ ‬الأمريكي‭ ‬هذه‭ ‬السردية‭ ‬إلى‭ ‬درجة‭ ‬تسمح‭ ‬بترجمتها‭ ‬إلى‭ ‬أصوات‭ ‬توضع‭ ‬في‭ ‬صناديق‭ ‬الاقتراع،‭ ‬وبالتالي،‭ ‬تمكّن‭ ‬الحزب‭ ‬الجمهوري‭ ‬من‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بأغلبية‭ ‬المقاعد‭ ‬في‭ ‬الكونجرس،‭ ‬بمجلسيه،‭ ‬وتساعد‭ ‬ترامب‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬مأزقه‭ ‬الراهن؟‭ ‬أشك‭ ‬كثيراً‭ ‬لأن‭ ‬الشعب‭ ‬تمرّس‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬سرديات‭ ‬ترامب‭ ‬واكتشف‭ ‬زيفها‭.‬

يدرك‭ ‬الشعب‭ ‬الأمريكي‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬جرّب‭ ‬الخيار‭ ‬العسكري‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬وفشل،‭ ‬ورغم‭ ‬ذلك‭ ‬أحاطه‭ ‬بسردية‭ ‬زائفة‭. ‬ففي‭ ‬يونيو‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬قرّر‭ ‬ترامب‭ ‬أن‭ ‬يشترك‭ ‬مع‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬استغرقت‭ ‬11‭ ‬يوماً،‭ ‬واستهدفت‭ ‬تدمير‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية،‭ ‬وما‭ ‬إن‭ ‬توقّفت،‭ ‬حتى‭ ‬أعلن‭ ‬ترامب‭ ‬أن‭ ‬الهدف‭ ‬تحقّق،‭ ‬وأن‭ ‬جميع‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية‭ ‬دمّرت‭ ‬بالكامل‭. ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بمقدور‭ ‬إيران‭ ‬إعادة‭ ‬إحياء‭ ‬برنامجها‭ ‬النووي‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭.‬‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬يمض‭ ‬وقت‭ ‬طويل،‭ ‬حتى‭ ‬تبين‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تمكّنت‭ ‬من‭ ‬إنقاذ‭ ‬اليورانيوم‭ ‬المخصب‭ ‬بنسبة‭ ‬60‭%‬،‭ ‬وأن‭ ‬عدداً‭ ‬غير‭ ‬محدّد‭ ‬من‭ ‬أجهزة‭ ‬التخصيب‭ ‬نجا‭ ‬من‭ ‬القصف،‭ ‬ما‭ ‬يعني‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬دولة‭ ‬‮«‬عتبة‭ ‬نووية‮»‬،‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬تصنيع‭ ‬السلاح‭ ‬النووي‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت‭ ‬تقرّره‭. ‬وفي‭ ‬28‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬قرّر‭ ‬ترامب‭ ‬أن‭ ‬يشترك‭ ‬مع‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬ثانية،‭ ‬استغرقت‭ ‬39‭ ‬يوماً،‭ ‬واستهدفت‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني‭ ‬هذه‭ ‬المرّة‭ ‬علناً‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الحرب‭ ‬فشلت‭ ‬في‭ ‬إسقاطه،‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬أطاحت‭ ‬بمعظم‭ ‬قيادات‭ ‬الصف‭ ‬الأول،‭ ‬بمن‭ ‬فيهم‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬علي‭ ‬خامنئي،‭ ‬وما‭ ‬زال‭ ‬صامداً‭ ‬وقادراً‭ ‬على‭ ‬مواصلة‭ ‬القتال‭. ‬ثم‭ ‬عاد‭ ‬ترامب‭ ‬واستأنف‭ ‬ضرباته‭ ‬العسكرية‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬بشكل‭ ‬متقطع،‭ ‬لكنه‭ ‬كان‭ ‬وحيداً‭ ‬هذه‭ ‬المرّة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬استبعد‭ ‬نتنياهو‭ ‬الذي‭ ‬ورّطه‭. ‬ولأنها‭ ‬لم‭ ‬تسفر‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬إنجاز‭ ‬سياسي‭ ‬ملموس،‭ ‬لجأ‭ ‬ترامب‭ ‬إلى‭ ‬وسائل‭ ‬أخرى،‭ ‬كإحكام‭ ‬الحصار‭ ‬البحري‭ ‬وتشديد‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬في‭ ‬خطوة‭ ‬فسّرها‭ ‬بعضهم‭ ‬بأنها‭ ‬تعني‭ ‬استبعاد‭ ‬خيار‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة،‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الراهنة‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬مع‭ ‬الحرص،‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬على‭ ‬استمرار‭ ‬الضربات‭ ‬العسكرية‭ ‬المنتقاة‭ ‬من‭ ‬وقت‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬لإثبات‭ ‬أنه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يمسك‭ ‬بزمام‭ ‬المبادرة‭ ‬في‭ ‬الصراع‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬ولن‭ ‬يتخلى‭ ‬عن‭ ‬هدفه‭ ‬في‭ ‬إسقاط‭ ‬نظامها‭ ‬أو‭ ‬إجباره‭ ‬على‭ ‬الاستسلام‭ ‬ورفع‭ ‬الراية‭ ‬البيضاء،‭ ‬بصرف‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬الوسيلة‭ ‬المستخدمة‭.‬

ويدرك‭ ‬الشعب‭ ‬الأمريكي‭ ‬أيضاً‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬جرّب‭ ‬الخيار‭ ‬الدبلوماسي‭ ‬مرّات‭. ‬حين‭ ‬دخل‭ ‬في‭ ‬جولات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬المفاوضات‭ ‬غير‭ ‬المباشرة،‭ ‬غير‭ ‬أنه‭ ‬اتخذ‭ ‬منه‭ ‬وسيلة‭ ‬للخداع‭ ‬وليس‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬حلول‭ ‬وسط،‭ ‬فعشية‭ ‬حرب‭ ‬الـ11‭ ‬يوماً،‭ ‬شارك‭ ‬في‭ ‬جولة‭ ‬مفاوضات‭ ‬غير‭ ‬مباشرة،‭ ‬وبينما‭ ‬كان‭ ‬الوسيط‭ ‬العُماني‭ ‬يعرب‭ ‬عن‭ ‬تفاؤله‭ ‬بما‭ ‬أحرز‭ ‬فيها‭ ‬من‭ ‬تقدّم،‭ ‬بدأت‭ ‬القنابل‭ ‬الأمريكية‭ ‬والإسرائيلية‭ ‬تتساقط‭ ‬فوق‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية‭.‬

ثم‭ ‬تكرّر‭ ‬الخداع‭ ‬قبيل‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة‭ ‬التي‭ ‬استهدفت‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‭ ‬الإيراني،‭ ‬حيث‭ ‬سبقتها‭ ‬أيضاً‭ ‬جولة‭ ‬مفاوضات‭ ‬غير‭ ‬مباشرة‭ ‬توسطت‭ ‬فيها‭ ‬أطراف‭ ‬عدة‭. ‬ثم‭ ‬تكرّر‭ ‬الخداع،‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة،‭ ‬فلم‭ ‬يقطع‭ ‬ترامب‭ ‬المفاوضات‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬فشل‭ ‬‮«‬حرب‭ ‬إسقاط‭ ‬النظام‮»‬‭ ‬لكي‭ ‬يشنّ‭ ‬حرباً‭ ‬جديدة،‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬جولات‭ ‬المفاوضات‭ ‬السابقة،‭ ‬بل‭ ‬استمر‭ ‬فيها‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جرى‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مذكرة‭ ‬تفاهم‮»‬‭ ‬وقّع‭ ‬عليها‭ ‬الرئيسان‭ ‬الأمريكي‭ ‬والإيراني‭. ‬وفي‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬تحديداً،‭ ‬اكتشف‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬أن‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬مأزق،‭ ‬وأنه‭ ‬قدّم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المذكرة‭ ‬تنازلاتٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬للجانب‭ ‬الإيراني‭. ‬وحين‭ ‬أدرك‭ ‬أن‭ ‬التزامه‭ ‬بكل‭ ‬بنودها‭ ‬سيضعف‭ ‬موقفه‭ ‬الداخلي،‭ ‬خصوصاً‭ ‬بعد‭ ‬الانتقادات‭ ‬العنيفة‭ ‬التي‭ ‬وجهت‭ ‬إليها‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬أوساط‭ ‬أمريكية‭ ‬عديدة،‭ ‬لم‭ ‬يعلن‭ ‬ترامب‭ ‬انسحابه‭ ‬منها‭ ‬مثل‭ ‬ما‭ ‬فعل‭ ‬مع‭ ‬اتفاق‭ ‬2015،‭ ‬لكنه‭ ‬حاول‭ ‬الالتفاف‭ ‬عليها‭ ‬عبر‭ ‬فتح‭ ‬مسار‭ ‬بديل‭ ‬لمعالجة‭ ‬الأزمة‭ ‬اللبنانية،‭ ‬من‭ ‬ناحية،‭ ‬بعكس‭ ‬ما‭ ‬نصّ‭ ‬عليه‭ ‬البند‭ ‬الأول‭ ‬من‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم،‭ ‬وأيضاً‭ ‬عبر‭ ‬فتح‭ ‬ممرّ‭ ‬بحريٍّ‭ ‬داخل‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭ ‬بالقرب‭ ‬من‭ ‬الشواطئ‭ ‬العُمانية،‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى،‭ ‬وذلك‭ ‬لحرمان‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬ورقة‭ ‬ضغط‭ ‬تمسك‭ ‬بها‭.‬

نخلص‭ ‬مما‭ ‬تقدم‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الصراع‭ ‬الأمريكي‭ ‬الإيراني‭ ‬سيستمر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يقتنع‭ ‬ترامب‭ ‬بأن‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬حل‭ ‬وسط‭ ‬هو‭ ‬البديل‭ ‬الوحيد‭ ‬الممكن،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬مؤشّرات‭ ‬على‭ ‬قرب‭ ‬حدوثه‭.‬

ومن‭ ‬الواضح‭ ‬أن‭ ‬الفترة‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬انتخابات‭ ‬التجديد‭ ‬النصفي‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬هادئة،‭ ‬وبالتالي‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بمقدور‭ ‬ترامب‭ ‬ضبط‭ ‬تفاعلاتها‭ ‬بطريقةٍ‭ ‬تضمن‭ ‬له‭ ‬الفوز‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭. ‬لذا‭ ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الخيار‭ ‬العقلاني‭ ‬الوحيد‭ ‬المتاح‭ ‬أمامه‭ ‬هو‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مذكّرة‭ ‬التفاهم‮»‬‭ ‬والالتزام‭ ‬بما‭ ‬ورد‭ ‬في‭ ‬بنودها‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬يضمن‭ ‬وقف‭ ‬الحرب‭ ‬نهائيّاً‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬الجبهات‭. ‬وبالتالي،‭ ‬تحويل‭ ‬مفاوضات‭ ‬الحل‭ ‬النهائي‭ ‬إلى‭ ‬فرصة‭ ‬للتوصل‭ ‬إلى‭ ‬سلام‭ ‬شامل،‭ ‬يضمن‭ ‬الأمن‭ ‬لجميع‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أمن‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭.‬

 

{ أستاذ‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

في‭ ‬جامعة‭ ‬القاهرة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا