تشكل انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي يوم 4 نوفمبر المقبل اختبارًا صعبًا على الرئيس ترامب اجتيازه بنجاح، وإلا فسيواجه تحديات كبرى في المدّة المتبقية من فترة ولايته الثانية. لا تقتصر هذه التحدّيات على احتمال تحوله إلى «بطّة عرجاء» فحسب، وإنما قد تتفاقم أيضًا لتشمل البدء في إجراءات محاكمته تمهيدًا لعزله من منصبه، وهو احتمال وارد في حال ما أسفرت نتائج هذه الانتخابات عن حصول الحزب الديمقراطي على أغلبية مريحة، تتيح له السيطرة على الكونجرس بمجلسيه، الشيوخ والنواب. ولأن استطلاعات الرأي في الأسابيع القليلة الماضية تفيد بأن شعبية ترامب آخذة في التدهور منذ شهور طويلة، ووصلت إلى مستوىً من التدنّي غير مسبوق، وتؤكّد أن أحد أهم أسباب هذا التدهور اقتناع قطاعات واسعة من الرأي العام الأمريكي بأن ترامب زجّ الولايات المتحدة في حرب اختيار مكلفة، تسبّبت في زيادة الأعباء المعيشية على أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة، وأن نتنياهو نجح في استدراجه إلى هذه الحرب التي تُخاض تحت شعار «إسرائيل أولاً» وليس «أمريكا أولاً». لذا من الطبيعي أن تثور تساؤلات ملحّة بشأن ما إذا كان بمقدور ترامب التغلب على هذه التحدّيات، وطبيعة الخيارات المتاحة أمامه حتى إجراء انتخابات التجديد النصفي.
تبدو جميع هذه الخيارات مرتبطة عضوياً بالقدرة على إنهاء الحرب الأمريكية الإيرانية التي لا تزال مشتعلة وبطريقة تؤدّي إلى خفض سعر البنزين بالنسبة إلى المواطن الأمريكي، وهو ما لن يتحقّق إلا إذا جرى فتح مضيق هرمز أمام حركة التجارة العالمية، لأن إغلاقه تسبّب في مشكلاتٍ ضخمة للاقتصاد العالمي ككل، بما فيه الاقتصاد الأمريكي نفسه. ولأنها خيارات محدودة، يبدو أن ترامب لن يتمكّن من اجتياز اختبار الانتخابات النصفية بنجاح، فإنهاء الحرب على إيران لا يتم إلا بأحد وسيلتين. الأولى: حسم عسكري يفضي إلى انتصار أمريكي كامل واستسلام إيراني تام، وهو خيارٌ جُرّب وفشل، ولا مؤشّرات تؤكد أنه بات قابلاً للتحقيق قبل انتخابات التجديد النصفي. والثانية: اتفاق سياسي يفضي إلى حل وسط يمكن لكل من الطرفين المتصارعين تسويقه إنجازاً، وهو خيار جُرّب من قبل وفشل، خصوصا عقب التوقيع على «مذكرة التفاهم».
في سياق كهذا، يبدو واضحاً أنه لم يعد أمام ترامب سوى كسب الوقت، والعمل على تأجيل الحسم في هذا الموضوع الشائك إلى ما بعد الانتخابات، مع الحرص، في الوقت نفسه، على استغلال الوقت المتبقي بطريقة تسمح باجتياز الاختبار الانتخابي بأقل الخسائر الممكنة، عبر ترويج سرديةٍ تدّعي أن الأسطول الأمريكي يسيطر على مضيق هرمز، وأنه مفتوح أمام التجارة العالمية، وتعبره يومياً عشرات الناقلات المحملة بالملايين من براميل النفط، وأن الحصار البحري المضروب حول الموانئ الإيرانية، بالتوازي مع الإجراءات الجديدة التي تستهدف خنق الاقتصاد الإيراني، سوف يؤتيان أكلهما في القريب العاجل، ما سيؤدّي إلى واحد من احتمالين. الأول: سقوط النظام الإيراني ثمرة ناضجة وقيام نظام إيراني بديل (على النمط الفنزويلي) يقبل الدوران في الفلك الأمريكي. والثاني: استسلام النظام الإيراني الحالي لجميع المطالب والشروط الأمريكية بسبب عدم القدرة على تحمل الحصار والعقوبات، وعندها يصبح الإعلان رسمياً عن الانتصار الأمريكي ممكناً. ولكن هل سيصدّق الشعب الأمريكي هذه السردية إلى درجة تسمح بترجمتها إلى أصوات توضع في صناديق الاقتراع، وبالتالي، تمكّن الحزب الجمهوري من الاحتفاظ بأغلبية المقاعد في الكونجرس، بمجلسيه، وتساعد ترامب على الخروج من مأزقه الراهن؟ أشك كثيراً لأن الشعب تمرّس على كل سرديات ترامب واكتشف زيفها.
يدرك الشعب الأمريكي أن ترامب جرّب الخيار العسكري عدة مرات وفشل، ورغم ذلك أحاطه بسردية زائفة. ففي يونيو عام 2025، قرّر ترامب أن يشترك مع نتنياهو في حرب استغرقت 11 يوماً، واستهدفت تدمير المنشآت النووية الإيرانية، وما إن توقّفت، حتى أعلن ترامب أن الهدف تحقّق، وأن جميع المنشآت النووية الإيرانية دمّرت بالكامل. ومن ثمّ لن يكون بمقدور إيران إعادة إحياء برنامجها النووي إلا بعد سنوات طويلة. ثم لم يمض وقت طويل، حتى تبين أن إيران تمكّنت من إنقاذ اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وأن عدداً غير محدّد من أجهزة التخصيب نجا من القصف، ما يعني أنها لا تزال دولة «عتبة نووية»، وقادرة على تصنيع السلاح النووي في أي وقت تقرّره. وفي 28 فبراير 2026، قرّر ترامب أن يشترك مع نتنياهو في حرب ثانية، استغرقت 39 يوماً، واستهدفت إسقاط النظام الإيراني هذه المرّة علناً. غير أن هذه الحرب فشلت في إسقاطه، رغم أنها أطاحت بمعظم قيادات الصف الأول، بمن فيهم المرشد الأعلى علي خامنئي، وما زال صامداً وقادراً على مواصلة القتال. ثم عاد ترامب واستأنف ضرباته العسكرية على إيران بشكل متقطع، لكنه كان وحيداً هذه المرّة، بعد أن استبعد نتنياهو الذي ورّطه. ولأنها لم تسفر عن أي إنجاز سياسي ملموس، لجأ ترامب إلى وسائل أخرى، كإحكام الحصار البحري وتشديد العقوبات الاقتصادية، في خطوة فسّرها بعضهم بأنها تعني استبعاد خيار الحرب الشاملة، في المرحلة الراهنة على الأقل، مع الحرص، في الوقت نفسه، على استمرار الضربات العسكرية المنتقاة من وقت إلى آخر، لإثبات أنه ما زال يمسك بزمام المبادرة في الصراع مع إيران، ولن يتخلى عن هدفه في إسقاط نظامها أو إجباره على الاستسلام ورفع الراية البيضاء، بصرف النظر عن الوسيلة المستخدمة.
ويدرك الشعب الأمريكي أيضاً أن ترامب جرّب الخيار الدبلوماسي مرّات. حين دخل في جولات مختلفة من المفاوضات غير المباشرة، غير أنه اتخذ منه وسيلة للخداع وليس للبحث عن حلول وسط، فعشية حرب الـ11 يوماً، شارك في جولة مفاوضات غير مباشرة، وبينما كان الوسيط العُماني يعرب عن تفاؤله بما أحرز فيها من تقدّم، بدأت القنابل الأمريكية والإسرائيلية تتساقط فوق المنشآت النووية الإيرانية.
ثم تكرّر الخداع قبيل الحرب الشاملة التي استهدفت إسقاط النظام الإيراني، حيث سبقتها أيضاً جولة مفاوضات غير مباشرة توسطت فيها أطراف عدة. ثم تكرّر الخداع، بطريقة مختلفة، فلم يقطع ترامب المفاوضات التي أعقبت فشل «حرب إسقاط النظام» لكي يشنّ حرباً جديدة، مثل ما حدث في جولات المفاوضات السابقة، بل استمر فيها إلى أن جرى التوصل إلى «مذكرة تفاهم» وقّع عليها الرئيسان الأمريكي والإيراني. وفي هذه اللحظة تحديداً، اكتشف العالم كله أن ترامب في مأزق، وأنه قدّم في هذه المذكرة تنازلاتٍ كثيرة للجانب الإيراني. وحين أدرك أن التزامه بكل بنودها سيضعف موقفه الداخلي، خصوصاً بعد الانتقادات العنيفة التي وجهت إليها من جانب أوساط أمريكية عديدة، لم يعلن ترامب انسحابه منها مثل ما فعل مع اتفاق 2015، لكنه حاول الالتفاف عليها عبر فتح مسار بديل لمعالجة الأزمة اللبنانية، من ناحية، بعكس ما نصّ عليه البند الأول من مذكرة التفاهم، وأيضاً عبر فتح ممرّ بحريٍّ داخل مضيق هرمز بالقرب من الشواطئ العُمانية، من ناحية أخرى، وذلك لحرمان إيران من أهم ورقة ضغط تمسك بها.
نخلص مما تقدم إلى أن الصراع الأمريكي الإيراني سيستمر إلى أن يقتنع ترامب بأن التوصل إلى حل وسط هو البديل الوحيد الممكن، وهو ما لا مؤشّرات على قرب حدوثه.
ومن الواضح أن الفترة التي تسبق انتخابات التجديد النصفي لن تكون هادئة، وبالتالي لن يكون بمقدور ترامب ضبط تفاعلاتها بطريقةٍ تضمن له الفوز في هذه الانتخابات. لذا يبدو أن الخيار العقلاني الوحيد المتاح أمامه هو العودة إلى «مذكّرة التفاهم» والالتزام بما ورد في بنودها على نحوٍ يضمن وقف الحرب نهائيّاً على جميع الجبهات. وبالتالي، تحويل مفاوضات الحل النهائي إلى فرصة للتوصل إلى سلام شامل، يضمن الأمن لجميع شعوب المنطقة، بما في ذلك أمن الشعب الفلسطيني.
{ أستاذ العلوم السياسية
في جامعة القاهرة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك