تُقال في اليوم الواحد عشرون مرة أو تزيد، حتى تكاد لا تُسمع. يدخل الرجل مكاناً فيلقيها، يرفع يده أو يحرك رأسه، ويأتيه الرد من آخر المجلس سريعاً لا يلتقطه كاملاً. كلمة تمرّ على اللسان في ثانيتين، ومعناها في أصلها أكبر من تحية عابرة.
السلام من السلامة. ومن قال لإنسان «السلام عليكم» فقد منحه، في معنى الكلمة، أماناً منه، كأنه يقول له: لن يأتيك مني ما تخشاه. ولهذا تبدو التحية، إذا أُعيدت إلى أصلها، أقرب إلى عهد متين يتكرر كل يوم.
والسلام بين الدول يحتاج إلى طرفين وشروط وتوقيعات، تحرسه أوراق وشهود وجهات ترعاه، ويسقط إذا نقضه أحد طرفيه. أما هذه الكلمة فلا ورقة تُثبتها ولا جهة تُطالب بها، ولا تنتظر اتفاقاً ولا وعداً بالرد. قائلها يقرر، قبل أن يعرف ماذا سيصنع الآخر، أن يأمن الناس منه، ولا يسقط ما أعطاه إذا صمت الآخر أو أعرض.
ولهذا تبدو أقوى من الميثاق، فهي لا تقوم على تبادل، وإنما تُلزم قائلها قبل أن تُلزم سامعها.
والمفارقة أن أول ما يسقط بين اثنين اختلفا هو السلام. لا يُعلن أحدهما قطيعة ولا يُصرّح بها، وإنما يلتقيان فلا يقولها أحدهما، فيعرف كلٌّ منهما أن العهد الذي كان بينهما قد رُفع. وقد صار رفعه اليوم أيسر مما كان، ضغطة على شاشة يخرج بها الرجل من مجموعة أهله من غير أن يُغلق باباً أو يدير ظهراً. وكما كان أول ما سقط، فهو أول ما يعود يوم يقرر أحدهما أن يعود.
وما بين الناس من أذى قد يبلغ حدّا يتدخل عنده القانون، فيحاسب من اعتدى بيده، ومن تجاوز بكلمته حدّ ما هو مباح. غير أن القانون لا يأتي إلا بعد أن يقع الأذى ويُصيب صاحبه. أما التحية فتعمل قبل ذلك كله، لأنها التزام يقطعه الإنسان على نفسه بألا يقع منه ما يستدعي قانوناً.
وقيمة السلام ليست في عدد المرات التي يُقال فيها. يستطيع الإنسان أن يحافظ على التحية كاملة، ثم يجعل من حوله غير آمنين منه. ويستطيع أن يردّها بصوت واضح، ثم يمضي إلى ما يناقضها. هنا تفقد الكلمة معناها ويبقى شكلها، وكأن صاحبها احتفظ بالغلاف وترك ما كان ينبغي أن يكون داخله.
ويتكرر على لسان من يزور البحرين أو يعيش فيها وصف أهلها بالطيبة. والطيبة في جوهرها صورة من السلام؛ أن يأمن الغريب من صاحبها، وأن يجد في وجهه وكلامه ما يطمئنه إليه. ولهذا يدخل الغريب مجلساً لا يعرف أحداً فيه فيلقي السلام، فيأتيه الرد من كل ناحية كأنه لم يكن غريباً. والمجالس تُحسن هذا مع الغريب، وتضيق به أحياناً مع القريب.
وفي الحادي والعشرين من سبتمبر ستُلقى كلمات كثيرة عن السلام في قاعات مجلس العالم وفي اجتماعات الأمم المتحدة، وتصدر البيانات وتُرفع الشعارات. وفي مكان آخر، قد تكون امرأة جالسة في بيتها تنصت إلى صوت الطائرات فوق مدينتها. السلام بالنسبة إليها ليس فكرة كبيرة؛ هو ليلة لا تسمع فيها ذلك الصوت.
والسلام اسم من أسماء الله الحسنى سبحانه وتعالى، والجنة دار السلام، وتحية أهلها سلام. وفي الحديث الشريف: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم»، وهذا هو السلام الذي يبدأ من الإنسان قبل أن يُطلب من الدول.
ونحن ندعو إلى السلام في العالم، ونكتب فيه ونجتمع من أجله، ونتمنى لأهل الحروب أن يناموا ليلة واحدة بغير خوف. غير أننا إن لم يأمنّا أخونا ولا جارنا ولا من يعمل معنا، ثم رفعنا أصواتنا نطالب به الأمم، فقد طلبنا من غيرنا ما عجزنا عنه في بيوتنا. والسلام في أصله ليس مطلباً يُرفع إلى القاعات، وإنما حال يسكن الإنسان فيصدر عنه، فيُقيم عهده بالأمان مع من حوله كل صباح، ويأمن الناس منه قبل أن يُطالِب أحداً بأمان.
فالسلام تعهّد بأن يأمن الإنسان من قائله، قبل أن يكون تحية تُقال.
{ قانونية وكاتبة بحرينية
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك