العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

«السلام عليكم».. تعهّد بالأمان قبل أن يكون تحية

بقلم: نبيلة رجب

الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تُقال‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬الواحد‭ ‬عشرون‭ ‬مرة‭ ‬أو‭ ‬تزيد،‭ ‬حتى‭ ‬تكاد‭ ‬لا‭ ‬تُسمع‭. ‬يدخل‭ ‬الرجل‭ ‬مكاناً‭ ‬فيلقيها،‭ ‬يرفع‭ ‬يده‭ ‬أو‭ ‬يحرك‭ ‬رأسه،‭ ‬ويأتيه‭ ‬الرد‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬المجلس‭ ‬سريعاً‭ ‬لا‭ ‬يلتقطه‭ ‬كاملاً‭. ‬كلمة‭ ‬تمرّ‭ ‬على‭ ‬اللسان‭ ‬في‭ ‬ثانيتين،‭ ‬ومعناها‭ ‬في‭ ‬أصلها‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬تحية‭ ‬عابرة‭.‬

السلام‭ ‬من‭ ‬السلامة‭. ‬ومن‭ ‬قال‭ ‬لإنسان‭ ‬‮«‬السلام‭ ‬عليكم‮»‬‭ ‬فقد‭ ‬منحه،‭ ‬في‭ ‬معنى‭ ‬الكلمة،‭ ‬أماناً‭ ‬منه،‭ ‬كأنه‭ ‬يقول‭ ‬له‭: ‬لن‭ ‬يأتيك‭ ‬مني‭ ‬ما‭ ‬تخشاه‭. ‬ولهذا‭ ‬تبدو‭ ‬التحية،‭ ‬إذا‭ ‬أُعيدت‭ ‬إلى‭ ‬أصلها،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬عهد‭ ‬متين‭ ‬يتكرر‭ ‬كل‭ ‬يوم‭.‬

والسلام‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬طرفين‭ ‬وشروط‭ ‬وتوقيعات،‭ ‬تحرسه‭ ‬أوراق‭ ‬وشهود‭ ‬وجهات‭ ‬ترعاه،‭ ‬ويسقط‭ ‬إذا‭ ‬نقضه‭ ‬أحد‭ ‬طرفيه‭. ‬أما‭ ‬هذه‭ ‬الكلمة‭ ‬فلا‭ ‬ورقة‭ ‬تُثبتها‭ ‬ولا‭ ‬جهة‭ ‬تُطالب‭ ‬بها،‭ ‬ولا‭ ‬تنتظر‭ ‬اتفاقاً‭ ‬ولا‭ ‬وعداً‭ ‬بالرد‭. ‬قائلها‭ ‬يقرر،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬ماذا‭ ‬سيصنع‭ ‬الآخر،‭ ‬أن‭ ‬يأمن‭ ‬الناس‭ ‬منه،‭ ‬ولا‭ ‬يسقط‭ ‬ما‭ ‬أعطاه‭ ‬إذا‭ ‬صمت‭ ‬الآخر‭ ‬أو‭ ‬أعرض‭.‬

ولهذا‭ ‬تبدو‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الميثاق،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬تبادل،‭ ‬وإنما‭ ‬تُلزم‭ ‬قائلها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُلزم‭ ‬سامعها‭.‬

والمفارقة‭ ‬أن‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يسقط‭ ‬بين‭ ‬اثنين‭ ‬اختلفا‭ ‬هو‭ ‬السلام‭. ‬لا‭ ‬يُعلن‭ ‬أحدهما‭ ‬قطيعة‭ ‬ولا‭ ‬يُصرّح‭ ‬بها،‭ ‬وإنما‭ ‬يلتقيان‭ ‬فلا‭ ‬يقولها‭ ‬أحدهما،‭ ‬فيعرف‭ ‬كلٌّ‭ ‬منهما‭ ‬أن‭ ‬العهد‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬بينهما‭ ‬قد‭ ‬رُفع‭. ‬وقد‭ ‬صار‭ ‬رفعه‭ ‬اليوم‭ ‬أيسر‭ ‬مما‭ ‬كان،‭ ‬ضغطة‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬يخرج‭ ‬بها‭ ‬الرجل‭ ‬من‭ ‬مجموعة‭ ‬أهله‭ ‬من‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬يُغلق‭ ‬باباً‭ ‬أو‭ ‬يدير‭ ‬ظهراً‭. ‬وكما‭ ‬كان‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬سقط،‭ ‬فهو‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬يعود‭ ‬يوم‭ ‬يقرر‭ ‬أحدهما‭ ‬أن‭ ‬يعود‭.‬

وما‭ ‬بين‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬أذى‭ ‬قد‭ ‬يبلغ‭ ‬حدّا‭ ‬يتدخل‭ ‬عنده‭ ‬القانون،‭ ‬فيحاسب‭ ‬من‭ ‬اعتدى‭ ‬بيده،‭ ‬ومن‭ ‬تجاوز‭ ‬بكلمته‭ ‬حدّ‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬مباح‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يقع‭ ‬الأذى‭ ‬ويُصيب‭ ‬صاحبه‭. ‬أما‭ ‬التحية‭ ‬فتعمل‭ ‬قبل‭ ‬ذلك‭ ‬كله،‭ ‬لأنها‭ ‬التزام‭ ‬يقطعه‭ ‬الإنسان‭ ‬على‭ ‬نفسه‭ ‬بألا‭ ‬يقع‭ ‬منه‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬قانوناً‭.‬

وقيمة‭ ‬السلام‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬المرات‭ ‬التي‭ ‬يُقال‭ ‬فيها‭. ‬يستطيع‭ ‬الإنسان‭ ‬أن‭ ‬يحافظ‭ ‬على‭ ‬التحية‭ ‬كاملة،‭ ‬ثم‭ ‬يجعل‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬غير‭ ‬آمنين‭ ‬منه‭. ‬ويستطيع‭ ‬أن‭ ‬يردّها‭ ‬بصوت‭ ‬واضح،‭ ‬ثم‭ ‬يمضي‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬يناقضها‭. ‬هنا‭ ‬تفقد‭ ‬الكلمة‭ ‬معناها‭ ‬ويبقى‭ ‬شكلها،‭ ‬وكأن‭ ‬صاحبها‭ ‬احتفظ‭ ‬بالغلاف‭ ‬وترك‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬داخله‭.‬

ويتكرر‭ ‬على‭ ‬لسان‭ ‬من‭ ‬يزور‭ ‬البحرين‭ ‬أو‭ ‬يعيش‭ ‬فيها‭ ‬وصف‭ ‬أهلها‭ ‬بالطيبة‭. ‬والطيبة‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬صورة‭ ‬من‭ ‬السلام؛‭ ‬أن‭ ‬يأمن‭ ‬الغريب‭ ‬من‭ ‬صاحبها،‭ ‬وأن‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬وجهه‭ ‬وكلامه‭ ‬ما‭ ‬يطمئنه‭ ‬إليه‭. ‬ولهذا‭ ‬يدخل‭ ‬الغريب‭ ‬مجلساً‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬أحداً‭ ‬فيه‭ ‬فيلقي‭ ‬السلام،‭ ‬فيأتيه‭ ‬الرد‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ناحية‭ ‬كأنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬غريباً‭. ‬والمجالس‭ ‬تُحسن‭ ‬هذا‭ ‬مع‭ ‬الغريب،‭ ‬وتضيق‭ ‬به‭ ‬أحياناً‭ ‬مع‭ ‬القريب‭.‬

وفي‭ ‬الحادي‭ ‬والعشرين‭ ‬من‭ ‬سبتمبر‭ ‬ستُلقى‭ ‬كلمات‭ ‬كثيرة‭ ‬عن‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬قاعات‭ ‬مجلس‭ ‬العالم‭ ‬وفي‭ ‬اجتماعات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتصدر‭ ‬البيانات‭ ‬وتُرفع‭ ‬الشعارات‭. ‬وفي‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬امرأة‭ ‬جالسة‭ ‬في‭ ‬بيتها‭ ‬تنصت‭ ‬إلى‭ ‬صوت‭ ‬الطائرات‭ ‬فوق‭ ‬مدينتها‭. ‬السلام‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليها‭ ‬ليس‭ ‬فكرة‭ ‬كبيرة؛‭ ‬هو‭ ‬ليلة‭ ‬لا‭ ‬تسمع‭ ‬فيها‭ ‬ذلك‭ ‬الصوت‭.‬

والسلام‭ ‬اسم‭ ‬من‭ ‬أسماء‭ ‬الله‭ ‬الحسنى‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى،‭ ‬والجنة‭ ‬دار‭ ‬السلام،‭ ‬وتحية‭ ‬أهلها‭ ‬سلام‭. ‬وفي‭ ‬الحديث‭ ‬الشريف‭: ‬‮«‬المسلم‭ ‬من‭ ‬سلم‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬لسانه‭ ‬ويده،‭ ‬والمؤمن‭ ‬من‭ ‬أمنه‭ ‬الناس‭ ‬على‭ ‬دمائهم‭ ‬وأموالهم‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُطلب‭ ‬من‭ ‬الدول‭.‬

ونحن‭ ‬ندعو‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬ونكتب‭ ‬فيه‭ ‬ونجتمع‭ ‬من‭ ‬أجله،‭ ‬ونتمنى‭ ‬لأهل‭ ‬الحروب‭ ‬أن‭ ‬يناموا‭ ‬ليلة‭ ‬واحدة‭ ‬بغير‭ ‬خوف‭. ‬غير‭ ‬أننا‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يأمنّا‭ ‬أخونا‭ ‬ولا‭ ‬جارنا‭ ‬ولا‭ ‬من‭ ‬يعمل‭ ‬معنا،‭ ‬ثم‭ ‬رفعنا‭ ‬أصواتنا‭ ‬نطالب‭ ‬به‭ ‬الأمم،‭ ‬فقد‭ ‬طلبنا‭ ‬من‭ ‬غيرنا‭ ‬ما‭ ‬عجزنا‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬بيوتنا‭. ‬والسلام‭ ‬في‭ ‬أصله‭ ‬ليس‭ ‬مطلباً‭ ‬يُرفع‭ ‬إلى‭ ‬القاعات،‭ ‬وإنما‭ ‬حال‭ ‬يسكن‭ ‬الإنسان‭ ‬فيصدر‭ ‬عنه،‭ ‬فيُقيم‭ ‬عهده‭ ‬بالأمان‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬كل‭ ‬صباح،‭ ‬ويأمن‭ ‬الناس‭ ‬منه‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يُطالِب‭ ‬أحداً‭ ‬بأمان‭.‬

فالسلام‭ ‬تعهّد‭ ‬بأن‭ ‬يأمن‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬قائله،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬تحية‭ ‬تُقال‭.‬

 

{ قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا