العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١٢ - الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

المعرفة والحرية المعرفية في الإسلام والمذاهب الفكرية المعاصرة

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ٢٠ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

منذ‭ ‬أن‭ ‬خلق‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬سيدنا‭ ‬آدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬ميزه‭ ‬بالمعرفة‭ ‬والعلم‭ ‬‮«‬وَعَلَّمَ‭ ‬آدَمَ‭ ‬الْأَسْمَاءَ‭ ‬كُلَّهَا‮»‬،‭ ‬فالأسماء‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تعني‭ ‬–‭ ‬كما‭ ‬تشير‭ ‬الأدبيات‭ ‬–‭ ‬كل‭ ‬أنواع‭ ‬المعرفة،‭ ‬وبهذه‭ ‬المعرفة‭ ‬فضل‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬آدم‭ ‬عليه‭ ‬السلام‭ ‬والبشرية‭ ‬على‭ ‬الملائكة‭ ‬عليهم‭ ‬السلام‭.‬

فالمعرفة‭ ‬في‭ ‬التصور‭ ‬الإسلامي؛‭ ‬هي‭: ‬إدراك‭ ‬الحقائق‭ ‬بواسطة‭ ‬وسائل‭ ‬الإدراك‭ ‬التي‭ ‬أودعها‭ ‬الله‭ ‬سبحانه‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الوحي‭ ‬والعقل‭ ‬والحس‭ ‬والخبرة‭ ‬والتجربة،‭ ‬وتتميز‭ ‬بأنها‭:‬

{‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الوحي‭ ‬والعقل‭ ‬ولا‭ ‬يفصل‭ ‬بينهما‭.‬

{‭ ‬تعد‭ ‬المعرفة‭ ‬وسيلة‭ ‬للهداية‭ ‬والإعمار‭ ‬لا‭ ‬غاية‭ ‬مجردة‭.‬

{‭ ‬تربط‭ ‬المعرفة‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬الأخلاقية‭ ‬ومفهوم‭ ‬الاستخلاف‭.‬

{‭ ‬ترفض‭ ‬الخرافة‭ ‬والتقليد‭ ‬الأعمى،‭ ‬وتدعو‭ ‬إلى‭ ‬البرهان‭ ‬والنظر‭ ‬والتفكر‭.‬

وهذا‭ ‬يعني‭ ‬ببساطة‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬تراكم‭ ‬للمعلومات‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عملية‭ ‬واعية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحقيقة‭ ‬وتحقيق‭ ‬مقاصد‭ ‬الاستخلاف‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬الأرض،‭ ‬وهو‭ ‬التعمير‭ ‬والبناء‭ ‬ونشر‭ ‬الحضارة‭.‬

أما‭ ‬الحق‭ ‬المعرفي؛‭ ‬فهو‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬أنزل‭ ‬من‭ ‬قرآن‭ ‬كريم‭ ‬حيث‭ ‬قال‭ ‬تعالى‭ ‬‮«‬اقْرَأْ‭ ‬بِاسْمِ‭ ‬رَبِّكَ‭ ‬الَّذِي‭ ‬خَلَقَ‮»‬،‭ ‬هذه‭ ‬الآية‭ ‬في‭ ‬حد‭ ‬ذاتها‭ ‬لم‭ ‬تعط‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬فحسب،‭ ‬وإنما‭ ‬فرضت‭ ‬المعرفة‭ ‬على‭ ‬الإنسان‭ ‬فرضًا،‭ ‬فهذا‭ ‬الحق‭ ‬ليس‭ ‬اختيارًا‭ ‬وإنما‭ ‬واجبًا‭ ‬يجب‭ ‬تحقيقه‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬ظرف‭ ‬من‭ ‬الظروف‭.‬

وهذا‭ ‬الواجب‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬للإنسان‭ ‬–بوصفه‭ ‬كائنا‭ ‬عاقلا–‮ ‬له‭ ‬حقوق تتعلق‭ ‬بممارسة‭ ‬قدراته‭ ‬المعرفية،‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭:‬

{‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬والبحث؛‭ ‬أي‭ ‬حق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬استخدام‭ ‬عقله‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬منع‭ ‬تعسفي‭.‬

{‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومة؛‭ ‬أي‭ ‬عدم‭ ‬حجب‭ ‬المعطيات‭ ‬التي‭ ‬يحتاج‭ ‬إليها‭ ‬الفرد‭ ‬لتكوين‭ ‬رأي‭ ‬أو‭ ‬اعتقاد‭ ‬صحيح‭.‬

{‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬الاعتقاد؛‭ ‬أي‭ ‬حق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬الإفصاح‭ ‬عمّا‭ ‬توصل‭ ‬إليه‭ ‬عقله،‭ ‬ضمن‭ ‬الحدود‭ ‬التي‭ ‬يقرّها‭ ‬كل‭ ‬نظام‭ ‬فكري‭ ‬أو‭ ‬قانوني‭.‬

{‭ ‬الحق‭ ‬في‭ ‬عدم‭ ‬الإكراه‭ ‬على‭ ‬اعتقاد‭ ‬بعينه؛‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يقابل‭ ‬في‭ ‬الآية‭ ‬الكريمة‭ ‬‮«‬لَا‭ ‬إِكْرَاهَ‭ ‬فِي‭ ‬الدِّينِ‮»‬‭. ‬

ولكن‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬معلومًا‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬المذاهب‭ ‬هنا‭ ‬هو؛ هل‭ ‬هذا‭ ‬الحق‭ ‬مطلق‭ ‬أم‭ ‬مقيّد؟ فالمذاهب‭ ‬الفكرية‭ ‬المعاصرة‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬اعتباره‭ ‬حقًا‭ ‬مطلقًا‭ ‬لا‭ ‬تحدّه‭ ‬حقوق‭ ‬الآخرين‭ ‬المماثلة،‭ ‬بينما‭ ‬تربطه‭ ‬الرؤية‭ ‬الإسلامية‭ ‬بغاية‭ ‬معرفية‭ ‬–‭ ‬أخلاقية‭ ‬هي‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬الحق‭ ‬والانقياد‭ ‬له،‭ ‬فلا‭ ‬يكون‭ ‬الحق‭ ‬المعرفي‭ ‬عندها‭ ‬غاية‭ ‬مجردة‭ ‬من‭ ‬المسؤولية‭ ‬تجاه‭ ‬الحقيقة‭ ‬والمجتمع‭ ‬والوطن‭ ‬معًا‭.‬

الحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬المقارنة‭ ‬والمقاربة

تُعرّف‭ ‬الحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬بأنها‭ ‬قدرة‭ ‬الفرد‭ ‬على‭ ‬ممارسة‭ ‬التفكير‭ ‬الإنساني،‭ ‬واختيار‭ ‬المناهج‭ ‬والأفكار،‭ ‬وتوليد‭ ‬المعرفة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قيود‭ ‬قسرية‭ ‬خفية‭ ‬أو‭ ‬ظاهرة،‭ ‬وهذا‭ ‬الحق‭ ‬يُمثّل‭ ‬أحد‭ ‬أركان‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬والفاعلية‭ ‬الحضارية؛‭ ‬فهو‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬خيار‭ ‬ثقافي‭ ‬أو‭ ‬امتياز‭ ‬اجتماعي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬شرط‭ ‬أساسي‭ ‬لتحقيق‭ ‬الكرامة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬وممارسة‭ ‬الحرية،‭ ‬وبناء‭ ‬المجتمعات‭ ‬المستنيرة‭. ‬ومع‭ ‬تسارع‭ ‬التحولات‭ ‬الرقمية‭ ‬وانفجار‭ ‬المعلومات‭ ‬في‭ ‬عصرنا‭ ‬الراهن،‭ ‬أصبحت‭ ‬قضية‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة،‭ ‬وامتلاك‭ ‬أدوات‭ ‬تمحيصها،‭ ‬وحمايتها‭ ‬من‭ ‬التزييف‭ ‬والاحتكار،‭ ‬في‭ ‬صدارة‭ ‬اهتمامات‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني‭.‬

وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬فإن‭ ‬قضية‭ ‬الحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬تُعد‭ ‬–‭ ‬بوصفها‭ ‬حق‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬النظر‭ ‬والبحث‭ ‬والاعتقاد‭ ‬والتعبير‭ ‬عن‭ ‬نتائج‭ ‬عقله‭ ‬–‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬القضايا‭ ‬حضورًا‭ ‬في‭ ‬الفكر‭ ‬الإنساني‭ ‬قديمًا‭ ‬وحديثًا،‭ ‬ومن‭ ‬أكثرها‭ ‬إثارة‭ ‬للجدل‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بمقارنة‭ ‬الرؤية‭ ‬الدينية،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬الرؤية‭ ‬الإسلامية،‭ ‬بالرؤى‭ ‬الفلسفية‭ ‬والفكرية‭ ‬المعاصرة‭ ‬التي‭ ‬أنتجتها‭ ‬الحداثة‭ ‬وما‭ ‬بعدها‭. ‬فبينما‭ ‬تنطلق‭ ‬أغلب‭ ‬المذاهب‭ ‬الفكرية‭ ‬المعاصرة‭ ‬من‭ ‬مسلّمة‭ ‬استقلال‭ ‬العقل‭ ‬الإنساني‭ ‬المطلق‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬مرجعية‭ ‬خارجة‭ ‬عنه،‭ ‬ينطلق‭ ‬التصور‭ ‬الإسلامي‭ ‬من‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬العقل‭ ‬مناط‭ ‬التكليف‭ ‬وأداة‭ ‬النظر،‭ ‬لكنه‭ ‬يعمل‭ ‬ضمن‭ ‬إطار‭ ‬من‭ ‬الوحي‭ ‬يمنحه‭ ‬غايته‭ ‬ولا‭ ‬يُلغي‭ ‬فاعليته‭. ‬لنحاول‭ ‬أن‭ ‬نفصل‭ ‬نوعًا‭ ‬ما‭:‬

أولاً‭: ‬مفهوم‭ ‬الحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬التصور‭ ‬الإسلامي

تقوم‭ ‬الحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسس‭ ‬متكاملة،‭ ‬وهي‭:‬

1‭. ‬التكريم‭ ‬الإلهي‭ ‬للعقل؛‭ ‬فالعقل‭ ‬في‭ ‬التصور‭ ‬الإسلامي‭ ‬مناط‭ ‬التكليف،‭ ‬ولا‭ ‬تكليف‭ ‬بلا‭ ‬عقل،‭ ‬وقد‭ ‬تكرر‭ ‬في‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬الحثّ‭ ‬على‭ ‬التفكر‭ ‬والتدبر‭ ‬والنظر‭ ‬في‭ ‬آيات‭ ‬الكون‭ ‬والأنفس،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬النظر‭ ‬العقلي‭ ‬عبادة‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬نشاط‭ ‬معرفي‭ ‬محايد‭.‬

2‭. ‬رفض‭ ‬التقليد‭ ‬الأعمى؛‭ ‬فقد‭ ‬أنكر‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬يتبع‭ ‬آباءه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تبصّر‭ ‬أو‭ ‬دليل،‭ ‬وجعل‭ ‬الاتباع‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬حجة‭ ‬عقلية‭ ‬مذمومًا،‭ ‬مما‭ ‬يؤسس‭ ‬لمبدأ‭ ‬استقلالية‭ ‬النظر‭ ‬عن‭ ‬سلطة‭ ‬الموروث‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المجرد‭.‬

3‭. ‬مبدأ‭ ‬لا‭ ‬إكراه‭ ‬في‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الباطن؛‭ ‬فالإيمان‭ ‬القلبي‭ ‬فعل‭ ‬اختياري‭ ‬لا‭ ‬يصح‭ ‬بالإكراه،‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬ضابط‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الفعل‭ ‬والقول‭ ‬الاجتماعي‭.‬

انعكست‭ ‬هذه‭ ‬الأسس‭ ‬تاريخيًا‭ ‬على‭ ‬اتساع‭ ‬مساحة‭ ‬الاجتهاد‭ ‬الفقهي،‭ ‬وتعدد‭ ‬المذاهب‭ ‬الكلامية‭ ‬والفلسفية‭ ‬داخل‭ ‬الحضارة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وقيام‭ ‬تراث‭ ‬علمي‭ ‬هائل‭ ‬في‭ ‬الطبيعيات‭ ‬والرياضيات‭ ‬والطب،‭ ‬نشأ‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬لم‭ ‬تُغلق‭ ‬فيها‭ ‬أبواب‭ ‬السؤال‭ ‬والنظر،‭ ‬بل‭ ‬عُدّ‭ ‬الاجتهاد‭ ‬وسيلة‭ ‬لتجدد‭ ‬الفهم‭ ‬الديني‭ ‬عبر‭ ‬العصور‭.‬

لذلك‭ ‬نجد‭ ‬أن‭ ‬التصور‭ ‬الإسلامي‭ ‬للحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬يتميز‭ ‬بأنه‭ ‬لا‭ ‬يجعله‭ ‬غاية‭ ‬مطلقة‭ ‬في‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭ ‬إلى‭ ‬الحق‭ ‬ولتحقيق‭ ‬الحق،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬ترد‭ ‬عليها‭ ‬حدود‭ ‬منها‭:‬

{‭ ‬ثوابت‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الكلية؛‭ ‬كوجود‭ ‬الله‭ ‬ووحدانيته‭ ‬وصدق‭ ‬الرسالة،‭ ‬وهي‭ ‬أصول‭ ‬لا‭ ‬تخضع‭ ‬للمراجعة‭ ‬بالمعنى‭ ‬الذي‭ ‬يُراجَع‭ ‬به‭ ‬الفرع‭ ‬والاجتهاد‭.‬

{‭ ‬الضوابط‭ ‬الأخلاقية‭ ‬والاجتماعية؛‭ ‬فحرية‭ ‬النظر‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬إباحة‭ ‬كل‭ ‬قول‭ ‬أو‭ ‬نشر‭ ‬لكل‭ ‬فكرة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬اعتبار‭ ‬لأثرها‭ ‬على‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭.‬

{‭ ‬التمييز‭ ‬بين‭ ‬حرية‭ ‬الاعتقاد‭ ‬الباطن‭ ‬وحرية‭ ‬الفعل‭ ‬الظاهر؛‭ ‬فالأول‭ ‬أوسع‭ ‬مجالًا‭ ‬من‭ ‬الثاني‭ ‬الذي‭ ‬تحكمه‭ ‬اعتبارات‭ ‬المصلحة‭ ‬العامة‭ ‬والنظام‭ ‬الاجتماعي‭.‬

ثانيًا‭: ‬مفهوم‭ ‬الحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬المذاهب‭ ‬الفكرية‭ ‬المعاصرة

1‭. ‬الليبرالية‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬والمعاصرة؛‭ ‬تقوم‭ ‬الليبرالية‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬استقلال‭ ‬الفرد‭ ‬المطلق‭ ‬في‭ ‬التفكير‭ ‬والاعتقاد‭ ‬والتعبير،‭ ‬باعتبار‭ ‬العقل‭ ‬الفردي‭ ‬مصدر‭ ‬الحقيقة‭ ‬والقيمة،‭ ‬وسوق‭ ‬الأفكار‭ ‬الحرة‭ ‬كفيلة‭ ‬بفرز‭ ‬الصواب‭ ‬من‭ ‬الخطأ‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وصاية‭ ‬خارجية،‭ ‬دينية‭ ‬كانت‭ ‬أو‭ ‬سياسية‭. ‬وقد‭ ‬تطور‭ ‬هذا‭ ‬المبدأ‭ ‬من‭ ‬صيغته‭ ‬الكلاسيكية‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الحياد‭ ‬تجاه‭ ‬المعتقد،‭ ‬إلى‭ ‬صيغ‭ ‬معاصرة‭ ‬أكثر‭ ‬تشددًا‭ ‬في‭ ‬رفض‭ ‬أي‭ ‬مرجعية‭ ‬معيارية‭ ‬خارج‭ ‬إرادة‭ ‬الفرد‭.‬

2‭. ‬الوضعية‭ ‬المنطقية؛‭ ‬ترى‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة‭ ‬أن‭ ‬المعرفة‭ ‬الصحيحة‭ ‬تنحصر‭ ‬فيما‭ ‬يخضع‭ ‬للتجربة‭ ‬والتحقق‭ ‬الحسي،‭ ‬وتستبعد‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬المعنى‭ ‬كل‭ ‬قضية‭ ‬ميتافيزيقية‭ ‬أو‭ ‬غيبية،‭ ‬فتضع‭ ‬بذلك‭ ‬حدودًا‭ ‬معرفية‭ ‬صارمة‭ ‬تُخرج‭ ‬الوحي‭ ‬والغيب‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬القول‭ ‬ذي‭ ‬المعنى‭ ‬أصلًا،‭ ‬وهو‭ ‬موقف‭ ‬يبدو‭ ‬متناقضًا‭ ‬مع‭ ‬دعوى‭ ‬الحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬المطلقة،‭ ‬إذ‭ ‬يمارس‭ ‬إقصاءً‭ ‬منهجيًا‭ ‬لحقل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬التفكير‭ ‬الإنساني‭.‬

3‭. ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحداثة؛‭ ‬فكّكت‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة‭ ‬فكرة‭ ‬الحقيقة‭ ‬الكبرى‭ ‬ذاتها،‭ ‬ورأت‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬خطاب‭ ‬معرفي،‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الخطاب‭ ‬العلمي‭ ‬والديني،‭ ‬محكوم‭ ‬بعلاقات‭ ‬قوة‭ ‬ومصالح،‭ ‬فانتهت‭ ‬إلى‭ ‬نسبية‭ ‬معرفية‭ ‬شاملة‭ ‬تسوّي‭ ‬بين‭ ‬الروايات‭ ‬كلها‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬المبدأ،‭ ‬وهو‭ ‬موقف‭ ‬يفتح‭ ‬الباب‭ ‬نظريًا‭ ‬لأقصى‭ ‬درجات‭ ‬الحرية‭ ‬المعرفية،‭ ‬لكنه‭ ‬يضعف‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬إمكان‭ ‬القول‭ ‬بحقيقة‭ ‬موضوعية‭ ‬يُحتكم‭ ‬إليها‭.‬

4‭. ‬الماركسية؛‭ ‬جعلت‭ ‬الحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬تابعة‭ ‬للصراع‭ ‬الطبقي‭ ‬والبنية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬واعتبرت‭ ‬الأفكار‭ ‬–‭ ‬ومنها‭ ‬الدين‭ ‬–‭ ‬انعكاسًا‭ ‬لعلاقات‭ ‬الإنتاج،‭ ‬فقيّدت‭ ‬حرية‭ ‬النظر‭ ‬بمرجعية‭ ‬مادية‭ ‬تاريخية‭ ‬صارمة،‭ ‬وأخضعت‭ ‬الفكر‭ ‬الديني‭ ‬خاصة‭ ‬لنقد‭ ‬أيديولوجي‭ ‬مسبق‭ ‬باعتباره‭ ‬وعيًا‭ ‬زائفًا،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمثل‭ ‬تقييدًا‭ ‬فعليًا‭ ‬للحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬باسم‭ ‬تحريرها‭.‬

5‭. ‬الوجودية؛‭ ‬ركّزت‭ ‬على‭ ‬حرية‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬صنع‭ ‬معناه‭ ‬الخاص‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬منظومة‭ ‬قيمية‭ ‬سابقة‭ ‬عليه،‭ ‬فجعلت‭ ‬الحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬امتدادًا‭ ‬للحرية‭ ‬الوجودية‭ ‬المطلقة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بمعيار‭ ‬خارج‭ ‬الذات‭.‬

تختلف‭ ‬الحرية‭ ‬المعرفية‭ ‬في‭ ‬الإسلام‭ ‬عن‭ ‬نظيراتها‭ ‬في‭ ‬المذاهب‭ ‬المعاصرة‭ ‬اختلافا‭ ‬جذريًا‭ ‬في‭ ‬الغاية‭ ‬والمرجعية؛‭ ‬فبينما‭ ‬تتجه‭ ‬المذاهب‭ ‬المعاصرة‭ ‬نحو‭ ‬الفردانية‭ ‬المطلقة‭ ‬أو‭ ‬النسبية‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬تفقد‭ ‬المعرفة‭ ‬قيمتها،‭ ‬يقدم‭ ‬الإسلام‭ ‬أنموذجًا‭ ‬متوازنًا‭ ‬يرفع‭ ‬من‭ ‬قيمة‭ ‬العقل‭ ‬والبحث،‭ ‬ويضبطهما‭ ‬بمرجعية‭ ‬أخلاقية‭ ‬وشرعية‭ ‬تحول‭ ‬دون‭ ‬الانزلاق‭ ‬إلى‭ ‬الفوضى‭ ‬والعدمية‭ ‬المعرفية‭.‬

 

‭ ‬Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا