هكذا أثبتت الأحداث صوابية موقف البحرين من الاجتماع المشترك الخليجي الإيراني الذي كان مقرراً أن يلتئم في مدينة صلالة العمانية لبحث فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية حيث تأجل الاجتماع أو ألغي؛ إذ إن البحرين عندما اتخذت القرار لم يكن لمجرد امتناع عن المشاركة، ولكن كانت لديها الأسباب الموضوعية والوجيهة التي دفعتها إلى ذلك. إذ كيف لها أن تجلس على طاولة واحدة وجهاً لوجه مع إيران والأخيرة لا تزال تطلق صواريخها ومسيراتها على دول الخليج؟ إن موضوع هرمز لا يمكن فصله عن الاعتداءات الإيرانية المتكررة على البحرين ودول الخليج.
إن قرار المنامة بالتحفظ يرتكز على أربعة أسس استراتيجية لا تقبل التجزئة: احترام السيادة الكاملة، وحسن الجوار الفعلي القائم على الأفعال، والالتزام بالمواثيق الدولية، والأمن الجماعي الشامل الذي يرفض الحلول الترقيعية للملفات الأمنية.
لقد جاءت التطورات الميدانية المتسارعة لتكشف الأبعاد الخطيرة للمخطط الإيراني في المنطقة؛ فبينما كانت طهران تعلن رغبتها في التهدئة بمضيق هرمز، كانت أذرعها في اليمن تشن هجوماً خاطفاً أسفر عن سيطرة الحوثيين على مدينة المخا الاستراتيجية وبقية الجزر اليمنية الحيوية المطلة على البحر الأحمر مثل: جزيرة ميون المعروفة بـ(بريم) وتقع في قلب مضيق باب المندب وتقسم الممر إلى قناتين، ما يمنح السيطرة عليها أهمية بالغة في التحكم بحركة الملاحة، وجزيرة زقر، وجزر حنيش (الكبرى والصغرى) وتقع في جنوب البحر الأحمر بالقرب من الخطوط الملاحية الدولية.
هذا التطور العسكري الخطير يعني ببساطة أن إيران تعمل على تهديد شبه الجزيرة العربية والممرات المائية الدولية بالكامل؛ حيث باتت تعرقل حركة التجارة العالمية من مضيق هرمز شرقاً عبر التهديد المباشر، ومن مضيق باب المندب غرباً عبر مليشيات الحوثي.
إن هذا الواقع يمثل تهديداً وجودياً لتجارة الطاقة الخليجية؛ إذ إن الخطط الخليجية البديلة لضخ النفط عبر الموانئ الغربية على البحر الأحمر (مثل أنبوب شرق – غرب السعودي) تتعرض أيضا لهجمات الصواريخ والمسيرات من أذرع إيران في العراق واليمن.
أمام هذا التحدي المصيري، يبرز موقف البحرين كدعوة ملحة لتوحيد الموقف والصف الخليجي؛ فالجلوس المنفرد أو السعي وراء تفاهمات مجزأة مع طهران (مثل نقاش أمن هرمز وحده) لم يعد مجدياً.
إن إلغاء أو تأجيل اجتماع صلالة أثبت بالدليل القاطع أن الخطر الإيراني لا يمكن تفكيكه إلا برؤية خليجية موحدة وصلبة، تعامل السلوك الإيراني ككتلة واحدة؛ فلا يعقل القبول بالتهدئة في الخليج العربي بينما يتم الاضرار بالاقتصاد والسيادة الخليجية في البحر الأحمر.
من ناحية أخرى، تثير المقاربة الأمريكية الحالية إزاء التصعيد المستمر في منطقة البحر الأحمر تساؤلات عميقة لدى المراقبين والمحللين السياسيين؛ فالتحركات الأخيرة لجماعة الحوثي وتهديداتها المتصاعدة للملاحة الدولية تعكس بوضوح اتساع نفوذ الأذرع الإيرانية في المنطقة، وهو الأمر الذي يمس بشكل مباشر الأمن القومي لدول الخليج العربي، في مقدمتها المملكة العربية السعودية.
ورغم أن واشنطن تفرض حصاراً بحرياً وتقود عمليات عسكرية لتوجيه ضربات في المنطقة، فإن هذه الاستراتيجية تبدو في نظر كثير من الخبراء مجرد «إدارة للأزمة» وليست حلا ً لها. هذا الموقف الذي يتسم بالتحفظ ومحاولة تجنب مواجهة مباشرة وشاملة مع طهران جعل الرد الأمريكي يقتصر في كثير من الأحيان على تكثيف المراقبة وتأمين مسارات بديلة للسفن التجارية، من دون القدرة على تحييد الخطر من جذوره.
أمام هذا الحرج والانشغال الاستراتيجي الأمريكي يصبح من الضروري ألا ترتهن عواصم المنطقة للحسابات الدولية المتغيرة، وهو ما يفرض على دول الخليج العربي المضي قدماً في الاعتماد على قدراتها الذاتية، وصياغة موقف دفاعي وسياسي موحد وقادر على حماية أمنها القومي واستقرار ممراتها المائية الاستراتيجية.
وفي ظل الأنباء المؤكدة حول سقوط مدينة المخا ومينائها الاستراتيجي مؤخراً تحت سيطرة جماعة الحوثي واقترابهم من المضيق بالسيطرة على جزيرة بريم، بات التهديد المباشر لعائدات قناة السويس وللأمن القومي العربي أمرا واقعا.
وهذا التحدي المتصاعد سرعان ما دفع بالقاهرة والرياض نحو حراك استراتيجي مهم، تمثل في زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان للقاهرة، ومباحثاته المكثفة مع الرئيس عبدالفتاح السيسي؛ حيث أسفرت القمة عن تأكيد الجانبين التزامهما الراسخ بضمان أمن الملاحة الدولية وحريتها في مضيقي هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، ممهدين الطريق لتنسيق سياسي وعسكري متكامل من اجل حماية جبهة الأمن القومي العربي المشترك.
ختاماً، نرى أن موقف البحرين من اجتماع صلالة لم يكن مجرد تحفظ دبلوماسي، بل كان استشرافاً دقيقاً لواقع إقليمي معقد لا ينفع معه الحوار المجتزأ؛ فبينما تحاول طهران توظيف «التهدئة المؤقتة» في مضيق هرمز كغطاء سياسي، فإن تقدم أذرعها الميداني وسيطرتها على المخا والجزر اليمنية يثبت نيتها في الاضرار بالملاحة وتجارة الطاقة الخليجية.
وأمام الانشغال الاستراتيجي الأمريكي والحظر البحري المحدود من جهة، وخطر الاضرار بعائدات قناة السويس من جهة أخرى، برزت الحاجة الملحة إلى تحرك عربي مغاير؛ ومن هنا تبرز ملامح مرحلة جديدة من التنسيق السعودي-المصري المشترك لترميم جبهة الأمن القومي.
وبناء على هذه المعطيات يبعث الموقف البحريني الحازم رسالة واضحة وجلية: إن أي تقارب مستقبلي أو حوار مع إيران يجب أن ينطلق من جبهة خليجية وعربية موحدة وصلبة ترفض الحلول الترقيعية، وتجبر طهران على كف أذرعها التخريبية كشرط أساسي لا غنى عنه لتحقيق سلام حقيقي واستقرار مستدام في المنطقة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك