زاوية غائمة
جعفـــــــر عبــــــــاس
jafasid09@hotmail.com
كالبعير في التفكير والتبرير
كان س. م ضيفا في حفل زواج في مدينة إقليمية في بلد عربي، عندما وقعت عيناه على «العدو»، فوضع خطة هجومية، واقترب منه ثم باغته بضربات خاطفة، جعلته يسقط أرضا وينهض، ثم يسقط وينهض، وفي اللحظة التي انتبه فيها بقية الحاضرين لما يحدث وتدخلوا لمنع العدوان، تمكن المجني عليه من الهرب من قاعة الحفل، وهو في حال بائس بسبب الضرب الذي تلقاه ولأنه كان – في الأصل جائعا – وكان يمني نفسه بعشاء كامل الدسم فوجد نفسه مصابا بكدمات وهو على لحم بطنه. لاحظ ان من هرب ليس هو المعتدي بل هو المعتدَى عليه، ما يشي بأنه أدرك ان الجاني وحشي ولا سبيل له بمقاومته او رد الصاع صاعين له.
العداوة بين الجاني، س م البالغ من العمر حاليا 37 سنة، والمجني عليه تعود الى ما قبل ثلاثين سنة، عندما كان الأول تلميذا بالمدرسة الابتدائية وكان الثاني مدرسا في تلك المدرسة. وعلى ذمة جريدة الحياة اللندنية وذمة ابن عم س م، فإن المدرس كان يعامل س م معاملة قاسية ويعاقبه مرارا باليد بالضرب وباللسان: يا حمار يا ثور يا غبي، فظل س م يختزن كرها وحقدا لذلك المعلم في سنام ذاكرته على مدى تلك السنوات الطويلة البعيدة، ولما رآه في الحفل صاح: التار يا ولداه. فكان ان هجم على معلمه السابق الذي تجاوز الخمسين، وأوجعه ضربا وركلا بالبوكس والشلوت، بطريقة مباريات يو إف سي الأمريكية حيث يباح الضرب بالأيدي والأرجل (ويسمون ذلك رياضة).
اعتقد أن فينا، حكومات وأفرادا، روح بداوة «جاهلية» تجعلنا مثل البعير نختزن المرارات ولا نتخلى عن فكرة الانتقام والثأر عند تعرضنا ولو لقدر يسير من الأذى المعنوي او الجسماني.. ووالله أعرف على الأقل ثلاث حالات زواج انتهت بالطلاق لأن والدي هذا الزوج أو ذاك أو أحدهما خطط للزواج بخبث من عائلة يضمر لها عداوة قديمة، ويتكتك حتى يتم الزواج، ثم تصدر الأوامر للزوج بعد ثلاثة أو سبعة أيام: طلق بنت ال... !! كيف أطلقها وانا لم أجد فيها عيبا بل لا أكاد أعرفها جيدا!! يقول الأب: طلقها وبس. أبوها رفض تسليفي مبلغا من المال لفك رهن بيتي وتم بيع البيت عن طريق المحكمة. احمد الله يا أبي فها هو بيتنا ملك حلال لنا! اسكت يا غبي. المهم أن والدها رفض تسليفي المبلغ المطلوب! وتقول الأم: طلقها لأن أمها تهكمت على الملابس التي قدمها لي أبوك عند زواجه بي (قبل 27 سنة). وقد تنقلب حكومة عربية على أخرى بعد ان كانا سمنا على عسل، لأن تلك الأخرى عينت فلانا وزيرا لشؤون الحدائق العامة والبطيخ، وقد سبق للوزير هذا ان كتب مقالا عندما كان طالبا في الجامعة يهاجم فيه الجد التاسع عشر لرئيس الوزراء الحالي بسبب استفراده بالغنائم في معركة عين جالوت.
كنت قبل نحو خمس سنوات في أبردين في اسكتلندا، ووجدت تمثالا لتشارلس غوردن الذي كان الحاكم العام في السودان، نيابة عن الخديوي التركي اسماعيل باشا وقتله ثوار سودانيون عام 1885. أتعرفون كيف قرر أهله تكريمه: أسسوا صندوقا لتقديم العون والمنح المالية للطلاب، الطلاب السودانيين فقطGordon Memorial Foundation.. وبالتحديد الساعين لنيل الدرجات فوق الجامعية، ولكن هناك شرط واحد للفوز بمنحة: أن يعود المستفيد منها الى السودان ليفيد بلاده.. لم يقولوا إن السودانيين «ملاعين» قتلوا فارسنا المقدام ونحن «وراهم والزمن طويل»، بل فكروا في طريقة يغسلون بها المرارات والأحقاد فكان ذلك الصندوق.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك