العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧١١ - السبت ١٩ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٨هـ

زاوية غائمة

جعفـــــــر عبــــــــاس

jafasid09@hotmail.com

كالبعير في التفكير والتبرير

كان‭ ‬س‭. ‬م‭ ‬ضيفا‭ ‬في‭ ‬حفل‭ ‬زواج‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬إقليمية‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬عربي،‭ ‬عندما‭ ‬وقعت‭ ‬عيناه‭ ‬على‭ ‬‮«‬العدو‮»‬،‭ ‬فوضع‭ ‬خطة‭ ‬هجومية،‭ ‬واقترب‭ ‬منه‭ ‬ثم‭ ‬باغته‭ ‬بضربات‭ ‬خاطفة،‭ ‬جعلته‭ ‬يسقط‭ ‬أرضا‭ ‬وينهض،‭ ‬ثم‭ ‬يسقط‭ ‬وينهض،‭ ‬وفي‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬انتبه‭ ‬فيها‭ ‬بقية‭ ‬الحاضرين‭ ‬لما‭ ‬يحدث‭ ‬وتدخلوا‭ ‬لمنع‭ ‬العدوان،‭ ‬تمكن‭ ‬المجني‭ ‬عليه‭ ‬من‭ ‬الهرب‭ ‬من‭ ‬قاعة‭ ‬الحفل،‭ ‬وهو‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬بائس‭ ‬بسبب‭ ‬الضرب‭ ‬الذي‭ ‬تلقاه‭ ‬ولأنه‭ ‬كان‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬جائعا‭ ‬–‭ ‬وكان‭ ‬يمني‭ ‬نفسه‭ ‬بعشاء‭ ‬كامل‭ ‬الدسم‭ ‬فوجد‭ ‬نفسه‭ ‬مصابا‭ ‬بكدمات‭ ‬وهو‭ ‬على‭ ‬لحم‭ ‬بطنه‭. ‬لاحظ‭ ‬ان‭ ‬من‭ ‬هرب‭ ‬ليس‭ ‬هو‭ ‬المعتدي‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬المعتدَى‭ ‬عليه،‭ ‬ما‭ ‬يشي‭ ‬بأنه‭ ‬أدرك‭ ‬ان‭ ‬الجاني‭ ‬وحشي‭ ‬ولا‭ ‬سبيل‭ ‬له‭ ‬بمقاومته‭ ‬او‭ ‬رد‭ ‬الصاع‭ ‬صاعين‭ ‬له‭.‬

العداوة‭ ‬بين‭ ‬الجاني،‭ ‬س‭ ‬م‭ ‬البالغ‭ ‬من‭ ‬العمر‭ ‬حاليا‭ ‬37‭ ‬سنة،‭ ‬والمجني‭ ‬عليه‭ ‬تعود‭ ‬الى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬ثلاثين‭ ‬سنة،‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬الأول‭ ‬تلميذا‭ ‬بالمدرسة‭ ‬الابتدائية‭ ‬وكان‭ ‬الثاني‭ ‬مدرسا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة‭. ‬وعلى‭ ‬ذمة‭ ‬جريدة‭ ‬الحياة‭ ‬اللندنية‭ ‬وذمة‭ ‬ابن‭ ‬عم‭ ‬س‭ ‬م،‭ ‬فإن‭ ‬المدرس‭ ‬كان‭ ‬يعامل‭ ‬س‭ ‬م‭ ‬معاملة‭ ‬قاسية‭ ‬ويعاقبه‭ ‬مرارا‭ ‬باليد‭ ‬بالضرب‭ ‬وباللسان‭: ‬يا‭ ‬حمار‭ ‬يا‭ ‬ثور‭ ‬يا‭ ‬غبي،‭ ‬فظل‭ ‬س‭ ‬م‭ ‬يختزن‭ ‬كرها‭ ‬وحقدا‭ ‬لذلك‭ ‬المعلم‭ ‬في‭ ‬سنام‭ ‬ذاكرته‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬تلك‭ ‬السنوات‭ ‬الطويلة‭ ‬البعيدة،‭ ‬ولما‭ ‬رآه‭ ‬في‭ ‬الحفل‭ ‬صاح‭: ‬التار‭ ‬يا‭ ‬ولداه‭. ‬فكان‭ ‬ان‭ ‬هجم‭ ‬على‭ ‬معلمه‭ ‬السابق‭ ‬الذي‭ ‬تجاوز‭ ‬الخمسين،‭ ‬وأوجعه‭ ‬ضربا‭ ‬وركلا‭ ‬بالبوكس‭ ‬والشلوت،‭ ‬بطريقة‭ ‬مباريات‭ ‬يو‭ ‬إف‭ ‬سي‭ ‬الأمريكية‭ ‬حيث‭ ‬يباح‭ ‬الضرب‭ ‬بالأيدي‭ ‬والأرجل‭ (‬ويسمون‭ ‬ذلك‭ ‬رياضة‭).‬

اعتقد‭ ‬أن‭ ‬فينا،‭ ‬حكومات‭ ‬وأفرادا،‭ ‬روح‭ ‬بداوة‭ ‬‮«‬جاهلية‮»‬‭ ‬تجعلنا‭ ‬مثل‭ ‬البعير‭ ‬نختزن‭ ‬المرارات‭ ‬ولا‭ ‬نتخلى‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬الانتقام‭ ‬والثأر‭ ‬عند‭ ‬تعرضنا‭ ‬ولو‭ ‬لقدر‭ ‬يسير‭ ‬من‭ ‬الأذى‭ ‬المعنوي‭ ‬او‭ ‬الجسماني‭.. ‬ووالله‭ ‬أعرف‭ ‬على‭ ‬الأقل‭ ‬ثلاث‭ ‬حالات‭ ‬زواج‭ ‬انتهت‭ ‬بالطلاق‭ ‬لأن‭ ‬والدي‭ ‬هذا‭ ‬الزوج‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬أو‭ ‬أحدهما‭ ‬خطط‭ ‬للزواج‭ ‬بخبث‭ ‬من‭ ‬عائلة‭ ‬يضمر‭ ‬لها‭ ‬عداوة‭ ‬قديمة،‭ ‬ويتكتك‭ ‬حتى‭ ‬يتم‭ ‬الزواج،‭ ‬ثم‭ ‬تصدر‭ ‬الأوامر‭ ‬للزوج‭ ‬بعد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أو‭ ‬سبعة‭ ‬أيام‭: ‬طلق‭ ‬بنت‭ ‬ال‭... !! ‬كيف‭ ‬أطلقها‭ ‬وانا‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬فيها‭ ‬عيبا‭ ‬بل‭ ‬لا‭ ‬أكاد‭ ‬أعرفها‭ ‬جيدا‭!! ‬يقول‭ ‬الأب‭: ‬طلقها‭ ‬وبس‭. ‬أبوها‭ ‬رفض‭ ‬تسليفي‭ ‬مبلغا‭ ‬من‭ ‬المال‭ ‬لفك‭ ‬رهن‭ ‬بيتي‭ ‬وتم‭ ‬بيع‭ ‬البيت‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬المحكمة‭. ‬احمد‭ ‬الله‭ ‬يا‭ ‬أبي‭ ‬فها‭ ‬هو‭ ‬بيتنا‭ ‬ملك‭ ‬حلال‭ ‬لنا‭! ‬اسكت‭ ‬يا‭ ‬غبي‭. ‬المهم‭ ‬أن‭ ‬والدها‭ ‬رفض‭ ‬تسليفي‭ ‬المبلغ‭ ‬المطلوب‭! ‬وتقول‭ ‬الأم‭: ‬طلقها‭ ‬لأن‭ ‬أمها‭ ‬تهكمت‭ ‬على‭ ‬الملابس‭ ‬التي‭ ‬قدمها‭ ‬لي‭ ‬أبوك‭ ‬عند‭ ‬زواجه‭ ‬بي‭ (‬قبل‭ ‬27‭ ‬سنة‭). ‬وقد‭ ‬تنقلب‭ ‬حكومة‭ ‬عربية‭ ‬على‭ ‬أخرى‭ ‬بعد‭ ‬ان‭ ‬كانا‭ ‬سمنا‭ ‬على‭ ‬عسل،‭ ‬لأن‭ ‬تلك‭ ‬الأخرى‭ ‬عينت‭ ‬فلانا‭ ‬وزيرا‭ ‬لشؤون‭ ‬الحدائق‭ ‬العامة‭ ‬والبطيخ،‭ ‬وقد‭ ‬سبق‭ ‬للوزير‭ ‬هذا‭ ‬ان‭ ‬كتب‭ ‬مقالا‭ ‬عندما‭ ‬كان‭ ‬طالبا‭ ‬في‭ ‬الجامعة‭ ‬يهاجم‭ ‬فيه‭ ‬الجد‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬لرئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬الحالي‭ ‬بسبب‭ ‬استفراده‭ ‬بالغنائم‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬عين‭ ‬جالوت‭.‬

كنت‭ ‬قبل‭ ‬نحو‭ ‬خمس‭ ‬سنوات‭ ‬في‭ ‬أبردين‭ ‬في‭ ‬اسكتلندا،‭ ‬ووجدت‭ ‬تمثالا‭ ‬لتشارلس‭ ‬غوردن‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬الحاكم‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬السودان،‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬الخديوي‭ ‬التركي‭ ‬اسماعيل‭ ‬باشا‭ ‬وقتله‭ ‬ثوار‭ ‬سودانيون‭ ‬عام‭ ‬1885‭. ‬أتعرفون‭ ‬كيف‭ ‬قرر‭ ‬أهله‭ ‬تكريمه‭: ‬أسسوا‭ ‬صندوقا‭ ‬لتقديم‭ ‬العون‭ ‬والمنح‭ ‬المالية‭ ‬للطلاب،‭ ‬الطلاب‭ ‬السودانيين‭ ‬فقطGordon‭ ‬Memorial‭ ‬Foundation‭..  ‬وبالتحديد‭ ‬الساعين‭ ‬لنيل‭ ‬الدرجات‭ ‬فوق‭ ‬الجامعية،‭ ‬ولكن‭ ‬هناك‭ ‬شرط‭ ‬واحد‭ ‬للفوز‭ ‬بمنحة‭: ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬المستفيد‭ ‬منها‭ ‬الى‭ ‬السودان‭ ‬ليفيد‭ ‬بلاده‭..‬‭ ‬لم‭ ‬يقولوا‭ ‬إن‭ ‬السودانيين‭ ‬‮«‬ملاعين‮»‬‭ ‬قتلوا‭ ‬فارسنا‭ ‬المقدام‭ ‬ونحن‭ ‬‮«‬وراهم‭ ‬والزمن‭ ‬طويل‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬فكروا‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬يغسلون‭ ‬بها‭ ‬المرارات‭ ‬والأحقاد‭ ‬فكان‭ ‬ذلك‭ ‬الصندوق‭.‬

إقرأ أيضا لـ"جعفـــــــر عبــــــــاس"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا