في عالم تتزايد فيه التوترات الجيوسياسية، تحولت العقوبات الاقتصادية إلى أحد أبرز أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، وخاصة في التعامل مع دول مثل إيران. تعتمد هذه الأداة على السيطرة شبه المطلقة للولايات المتحدة على النظام المالي العالمي المرتكز على الدولار، لقطع تدفق الأموال والتكنولوجيا والطاقة عن الخصوم. ومع تصاعد استخدامها، تبرز دول الخليج، وفي مقدمتها البحرين، كنموذج للتكيف الناجح عبر بنوك قوية ومتوافقة مع المعايير الدولية.
كيف تُدار العقوبات الأمريكية؟
تُدار العقوبات بشكل أساسي عبر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية. وتشمل أدواتها الرئيسية:
• العقوبات الأولية: تستهدف مباشرة الكيانات والأفراد والبنوك والشركات في الدولة المستهدفة، بتجميد أصولها داخل الولايات المتحدة ومنع التعامل معها.
• العقوبات الثانوية: وهي الأكثر تأثيراً، إذ تهدد أي بنك أو شركة أجنبية (حتى غير أمريكية) بالعقوبات إذا تعاملت مع الجهات المدرجة، ما يحرمها من الوصول إلى النظام المالي الأمريكي وحسابات المراسلة بالدولار.
• قطع الوصول إلى نظام سويفت (SWIFT) الذي يربط أكثر من 11 ألف مؤسسة مالية، ما يعزل البنوك فعلياً عن التحويلات الدولية.
• تجميد الاحتياطيات الأجنبية وفرض قيود على صادرات النفط والتكنولوجيا والتأمين والشحن.
وتعتمد آلية منع تدفق الأموال على حقيقة أن معظم المعاملات الدولية بالدولار تمر عبر بنوك مراسلة أمريكية أو مرتبطة بالنظام الأمريكي. وبمجرد إدراج بنك على قوائم العقوبات، تُجمد حساباته المراسلة ويشل قدرته على التجارة العالمية.
وتطورت هذه الأداة تاريخياً مثلا التصعيد الأخير: «عملية المنبوذ الاقتصادي» ونهج «صفر تسرب».
وفي 24 أغسطس 2026، أعلن وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت إطلاق عملية (Operation Economic Outcast) ضد إيران، واصفاً إياها بـ«يوم النصر الاقتصادي» حيث يتبنى النهج الجديد مبدأ (Zero Leakage)، وتشمل الإجراءات:
• خمسة مجالات حيوية: الأصول الرقمية، والتكنولوجيا، والذهب، والطيران، والشحن.
• إدراج كيانات أكثر على قائمة SDN بتهم تتعلق بتمويل البرنامج النووي والصاروخي وتهريب النفط.
• تهديد صريح بالعقوبات الثانوية وفصل أي جهة تسهل أنشطة إيران عن النظام المالي القائم على الدولار، مع منح جداول زمنية محددة للدول والشركات لوقف التعاملات.
هذا التصعيد يعكس نقلة نوعية تمتد فيها الضغوط إلى الشركاء التجاريين والماليين حول العالم.
من أين تأتي هيمنة الدولار؟
بدأت الهيمنة فعلياً باتفاقية بريتون وودز عام 1944، واستمرت بعد فك الارتباط بالذهب عام 1971 بفضل عوامل هيكلية: حجم الاقتصاد الأمريكي وعمق أسواقه، نظام البترودولار منذ السبعينيات، الثقة في المؤسسات الأمريكية وسيادة القانون، السيطرة على بنية المدفوعات (سويفت وأنظمة التسوية مثل CHIPS وحسابات المراسلة)، ودور الدولار كعملة احتياطية رئيسية (نحو 58% من الاحتياطيات العالمية) ووسيط في معظم التجارة والديون الدولية. هذا يجعل أي عقوبة أمريكية ذات تأثير عالمي فوري.
البنوك الخليجية والبحرينية.. ملاءمة وقوة في النظام المصرفي:
تتميز بنوك الخليج بدرجة عالية من التوافق مع النظام المالي العالمي. وتُطبق معايير بازل 3 لكفاية رأس المال والسيولة والرافعة المالية، بنسب رأسمال قوية وسيولة مرتفعة (نسب تغطية السيولة LCR أعلى من متوسط الأسواق المتقدمة في كثير من الحالات)، وإدارة مخاطر محافظة. وتنبع هذه القوة من رقابة مركزية صارمة، ودعم حكومي، وتركيز على الامتثال لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وفق معايير مجموعة العمل المالي (FATF)، والحفاظ على علاقات مراسلة قوية مع البنوك الدولية الكبرى.
البحرين نموذجاً بارزاً: يُعد القطاع المصرفي البحريني أحد أعمدة الاقتصاد غير النفطي، بأصول تتجاوز 250 مليار دولار (أكثر من خمسة أضعاف الناتج المحلي). ويشرف البنك المركزي البحريني (CBB) على نظام رقابي متقدم يطبق معايير بازل 3، مع نسب كفاية رأس مال مرتفعة (تجاوزت 20% في فترات حديثة للقطاع ككل)، ونسب قروض متعثرة منخفضة. وتستضيف البحرين مؤسسات مالية إسلامية ودولية، وتُعتبر بيئة تنظيمية جاذبة بفضل الشفافية والالتزام بالمعايير العالمية، ما يعزز ثقة البنوك العالمية في التعامل معها.
أفق المستقبل:
تثبت تجربة الخليج أن الاندماج الذكي في النظام العالمي، مع الحفاظ على احتياطيات قوية وتنويع اقتصادي والتزام صارم بالمعايير الدولية، يوفر استقراراً ومرونة. وتبقى العقوبات سلاحاً اقتصادياً فعالاً بفضل الدولار، لكنها ليست سحراً سياسياً مطلقاً. أما البنوك الخليجية والبحرينية فتظل شاهداً على أن الالتزام بالمعايير الدولية والحصافة المالية هما أفضل ضمان للسلامة والنفوذ في عالم مالي مترابط عالميا.
خبير مصرفي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك