العدد : ١٧٧٠٠ - الثلاثاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٧٠٠ - الثلاثاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

العقوبات الأمريكية والاقتصاد العالمي

بقلم: علي موسى

الثلاثاء ٠٨ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬عالم‭ ‬تتزايد‭ ‬فيه‭ ‬التوترات‭ ‬الجيوسياسية،‭ ‬تحولت‭ ‬العقوبات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬أدوات‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬الأمريكية،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬مثل‭ ‬إيران‭. ‬تعتمد‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬على‭ ‬السيطرة‭ ‬شبه‭ ‬المطلقة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬على‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭ ‬المرتكز‭ ‬على‭ ‬الدولار،‭ ‬لقطع‭ ‬تدفق‭ ‬الأموال‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والطاقة‭ ‬عن‭ ‬الخصوم‭. ‬ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬استخدامها،‭ ‬تبرز‭ ‬دول‭ ‬الخليج،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬البحرين،‭ ‬كنموذج‭ ‬للتكيف‭ ‬الناجح‭ ‬عبر‭ ‬بنوك‭ ‬قوية‭ ‬ومتوافقة‭ ‬مع‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭.‬

كيف‭ ‬تُدار‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية؟

تُدار‭ ‬العقوبات‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬عبر‭ ‬مكتب‭ ‬مراقبة‭ ‬الأصول‭ ‬الأجنبية‭ (‬OFAC‭) ‬التابع‭ ‬لوزارة‭ ‬الخزانة‭ ‬الأمريكية‭. ‬وتشمل‭ ‬أدواتها‭ ‬الرئيسية‭:‬

•‭ ‬العقوبات‭ ‬الأولية‭: ‬تستهدف‭ ‬مباشرة‭ ‬الكيانات‭ ‬والأفراد‭ ‬والبنوك‭ ‬والشركات‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬المستهدفة،‭ ‬بتجميد‭ ‬أصولها‭ ‬داخل‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ومنع‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭.‬

•‭ ‬العقوبات‭ ‬الثانوية‭: ‬وهي‭ ‬الأكثر‭ ‬تأثيراً،‭ ‬إذ‭ ‬تهدد‭ ‬أي‭ ‬بنك‭ ‬أو‭ ‬شركة‭ ‬أجنبية‭ (‬حتى‭ ‬غير‭ ‬أمريكية‭) ‬بالعقوبات‭ ‬إذا‭ ‬تعاملت‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬المدرجة،‭ ‬ما‭ ‬يحرمها‭ ‬من‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬الأمريكي‭ ‬وحسابات‭ ‬المراسلة‭ ‬بالدولار‭.‬

•‭ ‬قطع‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬سويفت‭ (‬SWIFT‭) ‬الذي‭ ‬يربط‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬11‭ ‬ألف‭ ‬مؤسسة‭ ‬مالية،‭ ‬ما‭ ‬يعزل‭ ‬البنوك‭ ‬فعلياً‭ ‬عن‭ ‬التحويلات‭ ‬الدولية‭.‬

•‭ ‬تجميد‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬الأجنبية‭ ‬وفرض‭ ‬قيود‭ ‬على‭ ‬صادرات‭ ‬النفط‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬والتأمين‭ ‬والشحن‭.‬

وتعتمد‭ ‬آلية‭ ‬منع‭ ‬تدفق‭ ‬الأموال‭ ‬على‭ ‬حقيقة‭ ‬أن‭ ‬معظم‭ ‬المعاملات‭ ‬الدولية‭ ‬بالدولار‭ ‬تمر‭ ‬عبر‭ ‬بنوك‭ ‬مراسلة‭ ‬أمريكية‭ ‬أو‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالنظام‭ ‬الأمريكي‭. ‬وبمجرد‭ ‬إدراج‭ ‬بنك‭ ‬على‭ ‬قوائم‭ ‬العقوبات،‭ ‬تُجمد‭ ‬حساباته‭ ‬المراسلة‭ ‬ويشل‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭.‬

وتطورت‭ ‬هذه‭ ‬الأداة‭ ‬تاريخياً‭ ‬مثلا‭ ‬التصعيد‭ ‬الأخير‭: ‬‮«‬عملية‭ ‬المنبوذ‭ ‬الاقتصادي‮»‬‭ ‬ونهج‭ ‬‮«‬صفر‭ ‬تسرب‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬24‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬أعلن‭ ‬وزير‭ ‬الخزانة‭ ‬الأمريكي‭ ‬سكوت‭ ‬بيسنت‭ ‬إطلاق‭ ‬عملية‭ (‬Operation‭ ‬Economic‭ ‬Outcast‭) ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬واصفاً‭ ‬إياها‭ ‬بـ‮«‬يوم‭ ‬النصر‭ ‬الاقتصادي‮»‬‭ ‬حيث‭ ‬يتبنى‭ ‬النهج‭ ‬الجديد‭ ‬مبدأ‭ (‬Zero‭ ‬Leakage‭)‬،‭ ‬وتشمل‭ ‬الإجراءات‭:‬

•‭ ‬خمسة‭ ‬مجالات‭ ‬حيوية‭: ‬الأصول‭ ‬الرقمية،‭ ‬والتكنولوجيا،‭ ‬والذهب،‭ ‬والطيران،‭ ‬والشحن‭.‬

•‭ ‬إدراج‭ ‬كيانات‭ ‬أكثر‭ ‬على‭ ‬قائمة‭ ‬SDN‭ ‬بتهم‭ ‬تتعلق‭ ‬بتمويل‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬والصاروخي‭ ‬وتهريب‭ ‬النفط‭.‬

•‭ ‬تهديد‭ ‬صريح‭ ‬بالعقوبات‭ ‬الثانوية‭ ‬وفصل‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬تسهل‭ ‬أنشطة‭ ‬إيران‭ ‬عن‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬القائم‭ ‬على‭ ‬الدولار،‭ ‬مع‭ ‬منح‭ ‬جداول‭ ‬زمنية‭ ‬محددة‭ ‬للدول‭ ‬والشركات‭ ‬لوقف‭ ‬التعاملات‭.‬

هذا‭ ‬التصعيد‭ ‬يعكس‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬تمتد‭ ‬فيها‭ ‬الضغوط‭ ‬إلى‭ ‬الشركاء‭ ‬التجاريين‭ ‬والماليين‭ ‬حول‭ ‬العالم‭. ‬

من‭ ‬أين‭ ‬تأتي‭ ‬هيمنة‭ ‬الدولار؟

بدأت‭ ‬الهيمنة‭ ‬فعلياً‭ ‬باتفاقية‭ ‬بريتون‭ ‬وودز‭ ‬عام‭ ‬1944،‭ ‬واستمرت‭ ‬بعد‭ ‬فك‭ ‬الارتباط‭ ‬بالذهب‭ ‬عام‭ ‬1971‭ ‬بفضل‭ ‬عوامل‭ ‬هيكلية‭: ‬حجم‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الأمريكي‭ ‬وعمق‭ ‬أسواقه،‭ ‬نظام‭ ‬البترودولار‭ ‬منذ‭ ‬السبعينيات،‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات‭ ‬الأمريكية‭ ‬وسيادة‭ ‬القانون،‭ ‬السيطرة‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬المدفوعات‭ (‬سويفت‭ ‬وأنظمة‭ ‬التسوية‭ ‬مثل‭ ‬CHIPS‭ ‬وحسابات‭ ‬المراسلة‭)‬،‭ ‬ودور‭ ‬الدولار‭ ‬كعملة‭ ‬احتياطية‭ ‬رئيسية‭ (‬نحو‭ ‬58‭% ‬من‭ ‬الاحتياطيات‭ ‬العالمية‭) ‬ووسيط‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬التجارة‭ ‬والديون‭ ‬الدولية‭. ‬هذا‭ ‬يجعل‭ ‬أي‭ ‬عقوبة‭ ‬أمريكية‭ ‬ذات‭ ‬تأثير‭ ‬عالمي‭ ‬فوري‭.‬

البنوك‭ ‬الخليجية‭ ‬والبحرينية‭.. ‬ملاءمة‭ ‬وقوة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬المصرفي‭:‬

تتميز‭ ‬بنوك‭ ‬الخليج‭ ‬بدرجة‭ ‬عالية‭ ‬من‭ ‬التوافق‭ ‬مع‭ ‬النظام‭ ‬المالي‭ ‬العالمي‭. ‬وتُطبق‭ ‬معايير‭ ‬بازل‭ ‬3‭ ‬لكفاية‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والسيولة‭ ‬والرافعة‭ ‬المالية،‭ ‬بنسب‭ ‬رأسمال‭ ‬قوية‭ ‬وسيولة‭ ‬مرتفعة‭ (‬نسب‭ ‬تغطية‭ ‬السيولة‭ ‬LCR‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬متوسط‭ ‬الأسواق‭ ‬المتقدمة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات‭)‬،‭ ‬وإدارة‭ ‬مخاطر‭ ‬محافظة‭. ‬وتنبع‭ ‬هذه‭ ‬القوة‭ ‬من‭ ‬رقابة‭ ‬مركزية‭ ‬صارمة،‭ ‬ودعم‭ ‬حكومي،‭ ‬وتركيز‭ ‬على‭ ‬الامتثال‭ ‬لمكافحة‭ ‬غسل‭ ‬الأموال‭ ‬وتمويل‭ ‬الإرهاب‭ ‬وفق‭ ‬معايير‭ ‬مجموعة‭ ‬العمل‭ ‬المالي‭ (‬FATF‭)‬،‭ ‬والحفاظ‭ ‬على‭ ‬علاقات‭ ‬مراسلة‭ ‬قوية‭ ‬مع‭ ‬البنوك‭ ‬الدولية‭ ‬الكبرى‭.‬

البحرين‭ ‬نموذجاً‭ ‬بارزاً‭: ‬يُعد‭ ‬القطاع‭ ‬المصرفي‭ ‬البحريني‭ ‬أحد‭ ‬أعمدة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬غير‭ ‬النفطي،‭ ‬بأصول‭ ‬تتجاوز‭ ‬250‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ (‬أكثر‭ ‬من‭ ‬خمسة‭ ‬أضعاف‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭). ‬ويشرف‭ ‬البنك‭ ‬المركزي‭ ‬البحريني‭ (‬CBB‭) ‬على‭ ‬نظام‭ ‬رقابي‭ ‬متقدم‭ ‬يطبق‭ ‬معايير‭ ‬بازل‭ ‬3،‭ ‬مع‭ ‬نسب‭ ‬كفاية‭ ‬رأس‭ ‬مال‭ ‬مرتفعة‭ (‬تجاوزت‭ ‬20‭% ‬في‭ ‬فترات‭ ‬حديثة‭ ‬للقطاع‭ ‬ككل‭)‬،‭ ‬ونسب‭ ‬قروض‭ ‬متعثرة‭ ‬منخفضة‭. ‬وتستضيف‭ ‬البحرين‭ ‬مؤسسات‭ ‬مالية‭ ‬إسلامية‭ ‬ودولية،‭ ‬وتُعتبر‭ ‬بيئة‭ ‬تنظيمية‭ ‬جاذبة‭ ‬بفضل‭ ‬الشفافية‭ ‬والالتزام‭ ‬بالمعايير‭ ‬العالمية،‭ ‬ما‭ ‬يعزز‭ ‬ثقة‭ ‬البنوك‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭.‬

أفق‭ ‬المستقبل‭:‬

تثبت‭ ‬تجربة‭ ‬الخليج‭ ‬أن‭ ‬الاندماج‭ ‬الذكي‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬العالمي،‭ ‬مع‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬احتياطيات‭ ‬قوية‭ ‬وتنويع‭ ‬اقتصادي‭ ‬والتزام‭ ‬صارم‭ ‬بالمعايير‭ ‬الدولية،‭ ‬يوفر‭ ‬استقراراً‭ ‬ومرونة‭. ‬وتبقى‭ ‬العقوبات‭ ‬سلاحاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬فعالاً‭ ‬بفضل‭ ‬الدولار،‭ ‬لكنها‭ ‬ليست‭ ‬سحراً‭ ‬سياسياً‭ ‬مطلقاً‭. ‬أما‭ ‬البنوك‭ ‬الخليجية‭ ‬والبحرينية‭ ‬فتظل‭ ‬شاهداً‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الالتزام‭ ‬بالمعايير‭ ‬الدولية‭ ‬والحصافة‭ ‬المالية‭ ‬هما‭ ‬أفضل‭ ‬ضمان‭ ‬للسلامة‭ ‬والنفوذ‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬مالي‭ ‬مترابط‭ ‬عالميا‭.‬

خبير‭ ‬مصرفي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا