العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

صوابُ المسار البحريني في أزمنة التحولات العربية

بقلم: عيسى بن عبد الرحمن الحمادي

الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

ما‭ ‬سار‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬منذ‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬على‭ ‬سَنَنٍ‭ ‬واحد،‭ ‬ولا‭ ‬استقرّ‭ ‬في‭ ‬طورٍ‭ ‬واحد؛‭ ‬بل‭ ‬تنازعته‭ ‬راياتٌ‭ ‬تتبدّل،‭ ‬وشعاراتٌ‭ ‬تتجمّل،‭ ‬وأحلامٌ‭ ‬تعلو‭ ‬ثم‭ ‬تأفل،‭ ‬حتى‭ ‬بدا‭ ‬تاريخه‭ ‬الحديث‭ ‬كبحرٍ‭ ‬تتدافع‭ ‬أمواجه‭: ‬انتدابٌ‭ ‬يقسّم،‭ ‬وانقلابٌ‭ ‬يهدم،‭ ‬وأيديولوجيا‭ ‬تَعِدُ‭ ‬ثم‭ ‬تُخلِف،‭ ‬وفوضى‭ ‬ترفع‭ ‬اسم‭ ‬الحرية‭ ‬ثم‭ ‬تكسر‭ ‬باب‭ ‬الدولة‭. ‬وبين‭ ‬هذا‭ ‬المدّ‭ ‬والجزر،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬العبرة‭ ‬بمن‭ ‬ملأ‭ ‬الفضاء‭ ‬هتافًا،‭ ‬بل‭ ‬بمن‭ ‬أقام‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬بنيانًا؛‭ ‬ولا‭ ‬بمن‭ ‬زيّن‭ ‬القول‭ ‬بالعدل‭ ‬والحرية،‭ ‬بل‭ ‬بمن‭ ‬جعل‭ ‬الأمن‭ ‬حصنًا،‭ ‬والقانون‭ ‬وزنًا،‭ ‬والإنسان‭ ‬قصدًا،‭ ‬والوطن‭ ‬أصلًا‭ ‬لا‭ ‬يعلو‭ ‬عليه‭ ‬أصل،‭ ‬وميثاقًا‭ ‬لا‭ ‬يزاحمه‭ ‬ولاء،‭ ‬وعهدًا‭ ‬لا‭ ‬تنقضه‭ ‬الأهواء‭.‬

فمنذ‭ ‬أن‭ ‬وضعت‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الأولى‭ ‬أوزارها،‭ ‬وسقطت‭ ‬السلطنة‭ ‬العثمانية،‭ ‬دخل‭ ‬العرب‭ ‬زمنًا‭ ‬تتزاحم‭ ‬فيه‭ ‬النهايات‭ ‬والبدايات؛‭ ‬انتدابٌ‭ ‬يرسم،‭ ‬واستعمارٌ‭ ‬يقسم،‭ ‬وحدودٌ‭ ‬تُخطّ،‭ ‬وكياناتٌ‭ ‬تُستولد‭ ‬من‭ ‬رحم‭ ‬القلق‭ ‬والاضطراب‭. ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬عهد‭ ‬قيام‭ ‬الدول‭ ‬وعدًا‭ ‬كبيرًا،‭ ‬فإذا‭ ‬بالطريق‭ ‬عسيرًا؛‭ ‬جيوشٌ‭ ‬تصعد،‭ ‬وانقلاباتٌ‭ ‬تتتابع،‭ ‬وجمهورياتٌ‭ ‬تُعلن‭ ‬باسم‭ ‬الشعب‭ ‬ثم‭ ‬تضيق‭ ‬بالشعب،‭ ‬وأحزابٌ‭ ‬تبشّر‭ ‬بالوحدة‭ ‬فتزيد‭ ‬الفرقة،‭ ‬وتنادي‭ ‬بالعدالة‭ ‬فتورث‭ ‬القسوة‭. ‬وتدافعت‭ ‬الأيديولوجيات‭: ‬قوميةٌ‭ ‬تُلهب‭ ‬ولا‭ ‬تبني،‭ ‬واشتراكيةٌ‭ ‬تَعِد‭ ‬ولا‭ ‬تُغني،‭ ‬وشيوعيةٌ‭ ‬تُنظّر‭ ‬ولا‭ ‬تُثمر،‭ ‬وبعثيةٌ‭ ‬تجمع‭ ‬الشعار‭ ‬ولا‭ ‬تجمع‭ ‬الدار،‭ ‬وإسلامٌ‭ ‬سياسيٌّ‭ ‬ينازع‭ ‬الدولة‭ ‬سلطانها،‭ ‬وثيوقراطيةٌ‭ ‬تجعل‭ ‬المرشد‭ ‬فوق‭ ‬المؤسسة،‭ ‬والفكرة‭ ‬فوق‭ ‬الوطن،‭ ‬والولاء‭ ‬فوق‭ ‬السيادة‭. ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬الهزائم‭ ‬والنكبات،‭ ‬والحروب‭ ‬والانتكاسات،‭ ‬حتى‭ ‬كان‭ ‬الخريف‭ ‬العربي‭ ‬محكًّا‭ ‬كاشفًا‭ ‬لا‭ ‬ساترًا؛‭ ‬فثبت‭ ‬أنّ‭ ‬الدولة‭ ‬إذا‭ ‬تهاوت‭ ‬تهاوت‭ ‬معها‭ ‬الحرية،‭ ‬وإذا‭ ‬انكسر‭ ‬الأمن‭ ‬انكسر‭ ‬معه‭ ‬الحق،‭ ‬وإذا‭ ‬ضاع‭ ‬الولاء‭ ‬الوطني‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬من‭ ‬الأيديولوجيا‭ ‬إلا‭ ‬صوتٌ‭ ‬بلا‭ ‬أثر،‭ ‬ووعدٌ‭ ‬بلا‭ ‬وفاء‭.‬

وفي‭ ‬تاريخ‭ ‬البحرين‭ ‬معنى‭ ‬لا‭ ‬يُقرأ‭ ‬في‭ ‬أسماء‭ ‬الحكام‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬البيعة‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬الحكم‭ ‬عهدًا،‭ ‬والسيادة‭ ‬ميثاقًا،‭ ‬والولاء‭ ‬صلةً‭ ‬بين‭ ‬القيادة‭ ‬والشعب‭ ‬لا‭ ‬تنفصم‭ ‬ولا‭ ‬تضطرب‭. ‬فمنذ‭ ‬بيعة‭ ‬المؤسس‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح،‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬حين‭ ‬فُتحت‭ ‬البحرين‭ ‬واستقام‭ ‬كيانها‭ ‬العربي‭ ‬المسلم،‭ ‬نشأ‭ ‬العهد‭ ‬الأول‭ ‬على‭ ‬قاعدة‭ ‬الفتح‭ ‬والبناء،‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬دعوى‭ ‬عابرة‭ ‬ولا‭ ‬راية‭ ‬مستعارة‭. ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬بيعة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير،‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬في‭ ‬زمنٍ‭ ‬كثرت‭ ‬فيه‭ ‬التحولات‭ ‬السياسية‭ ‬وتدافعت‭ ‬فيه‭ ‬المصالح‭ ‬والرياح،‭ ‬فكانت‭ ‬بيعة‭ ‬استقرارٍ‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬اضطراب،‭ ‬وثباتٍ‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬تبدّل،‭ ‬وحفظٍ‭ ‬لكيانٍ‭ ‬لم‭ ‬تُطفئه‭ ‬العواصف‭ ‬ولم‭ ‬تجرّه‭ ‬الشعارات‭. ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬بيعة‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬فكانت‭ ‬بيعة‭ ‬تثبيتٍ‭ ‬لعروبة‭ ‬البحرين‭ ‬وسيادتها‭ ‬المتصلة،‭ ‬وتأكيدٍ‭ ‬لحضورها‭ ‬العربي‭ ‬والدولي‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬اتفاقية‭ ‬الحماية،‭ ‬حتى‭ ‬قامت‭ ‬الدولة‭ ‬بحضورها‭ ‬ورايتها‭ ‬ومؤسساتها‭. ‬ثم‭ ‬جاءت‭ ‬بيعة‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬عبر‭ ‬ميثاق‭ ‬العمل‭ ‬الوطني،‭ ‬فارتقت‭ ‬البيعة‭ ‬من‭ ‬عهدٍ‭ ‬في‭ ‬القلوب‭ ‬إلى‭ ‬ميثاقٍ‭ ‬أقرّه‭ ‬الشعب،‭ ‬ومن‭ ‬ولاءٍ‭ ‬متوارث‭ ‬إلى‭ ‬قبولٍ‭ ‬دستوريٍّ‭ ‬جامع،‭ ‬فكان‭ ‬الميثاق‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الشرعية‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬ليست‭ ‬طارئةً‭ ‬تُصنع،‭ ‬بل‭ ‬أصيلةٌ‭ ‬تتجدد،‭ ‬ومتوارثةٌ‭ ‬تتأكد،‭ ‬وراسخةٌ‭ ‬كلما‭ ‬تبدّلت‭ ‬الأزمنة‭ ‬واشتدت‭ ‬التحولات‭.‬

وفي‭ ‬مقابل‭ ‬هذا‭ ‬الاضطراب،‭ ‬مضت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬نهجٍ‭ ‬أهدأ‭ ‬صوتًا‭ ‬وأبقى‭ ‬أثرًا؛‭ ‬نهجٍ‭ ‬لا‭ ‬يستعير‭ ‬شرعيته‭ ‬من‭ ‬شعارٍ‭ ‬عابر،‭ ‬ولا‭ ‬يعلّق‭ ‬مصيره‭ ‬بفكرٍ‭ ‬غامر،‭ ‬بل‭ ‬يستمدّ‭ ‬ثباته‭ ‬من‭ ‬تاريخ‭ ‬الحكم،‭ ‬ورسوخ‭ ‬العهد،‭ ‬واتصال‭ ‬القيادة‭ ‬بالناس‭ ‬اتصال‭ ‬الرعاية‭ ‬لا‭ ‬الدعاية‭. ‬فمنذ‭ ‬المؤسس‭ ‬أحمد‭ ‬الفاتح،‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬ثم‭ ‬ما‭ ‬تلاه‭ ‬من‭ ‬عهودٍ‭ ‬توارثت‭ ‬الأمانة‭ ‬وصانت‭ ‬الكيان،‭ ‬حتى‭ ‬عهد‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬الكبير،‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬تبيّن‭ ‬أصل‭ ‬المسار‭: ‬حكمٌ‭ ‬يحفظ‭ ‬السكينة،‭ ‬وتدرّجٌ‭ ‬يصون‭ ‬السفينة،‭ ‬وانفتاحٌ‭ ‬لا‭ ‬يخلع‭ ‬الهوية،‭ ‬وإدارةٌ‭ ‬تنمو‭ ‬ولا‭ ‬تقطع‭ ‬الجذور؛‭ ‬فقد‭ ‬ترسّخ‭ ‬في‭ ‬عهده‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وانتظم‭ ‬شأن‭ ‬المجتمع‭ ‬والغوص‭ ‬واللؤلؤ‭ ‬والتجارة،‭ ‬وبرزت‭ ‬ملامح‭ ‬التنظيم‭ ‬في‭ ‬مجالس‭ ‬تُصلح،‭ ‬وأطرٍ‭ ‬تضبط،‭ ‬وسوقٍ‭ ‬يتحرك‭ ‬في‭ ‬أمنٍ‭ ‬وائتمان،‭ ‬ورجالٍ‭ ‬يجمعون‭ ‬الرأي‭ ‬والوجاهة‭ ‬والعمران‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬عهد‭ ‬الشيخ‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬علي‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬فدخلت‭ ‬البحرين‭ ‬باب‭ ‬التحول‭ ‬الأكبر‭ ‬مع‭ ‬النفط؛‭ ‬اكتشافًا‭ ‬وإنتاجًا‭ ‬وتصديرًا‭ ‬وتكريرًا،‭ ‬فانتقلت‭ ‬من‭ ‬موردٍ‭ ‬يضيق‭ ‬إذا‭ ‬اضطرب‭ ‬البحر‭ ‬والسوق،‭ ‬إلى‭ ‬موردٍ‭ ‬يفتح‭ ‬العمل،‭ ‬ويوسّع‭ ‬الرزق،‭ ‬ويمهّد‭ ‬للخدمات‭ ‬والمرافق‭ ‬والبناء‭. ‬ثم‭ ‬تولى‭ ‬الشيخ‭ ‬سلمان‭ ‬بن‭ ‬حمد‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬في‭ ‬زمنٍ‭ ‬كثيرِ‭ ‬التبدّل‭ ‬والتحوّل‭ ‬عقب‭ ‬الحرب‭ ‬العالمية‭ ‬الثانية،‭ ‬ومضى‭ ‬في‭ ‬تثبيت‭ ‬الإدارة،‭ ‬وتوسيع‭ ‬العمران،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الخدمات،‭ ‬وتنمية‭ ‬مرافق‭ ‬النفط‭ ‬والعمل،‭ ‬حتى‭ ‬أخذت‭ ‬ملامح‭ ‬الدولة‭ ‬الحديثة‭ ‬تتبيّن،‭ ‬لا‭ ‬ضجيجًا‭ ‬في‭ ‬الشعار،‭ ‬بل‭ ‬رسوخًا‭ ‬في‭ ‬النظام،‭ ‬ونموًا‭ ‬في‭ ‬المرفق،‭ ‬واتساعًا‭ ‬في‭ ‬الرزق،‭ ‬واطرادًا‭ ‬في‭ ‬البناء‭.‬

ثم‭ ‬جاء‭ ‬عهد‭ ‬الشيخ‭ ‬عيسى‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬فكان‭ ‬عهدًا‭ ‬اتصلت‭ ‬فيه‭ ‬السيادة‭ ‬التاريخية،‭ ‬وتجلّى‭ ‬فيه‭ ‬الحضور‭ ‬الدولي‭ ‬بعد‭ ‬انتهاء‭ ‬اتفاقية‭ ‬الحماية؛‭ ‬فقامت‭ ‬دولة‭ ‬البحرين‭ ‬بحضورها‭ ‬العربي‭ ‬والدولي،‭ ‬وانضمت‭ ‬إلى‭ ‬محيطها‭ ‬ومجتمعها،‭ ‬وصدر‭ ‬دستورها،‭ ‬وتأسست‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬واتسعت‭ ‬نهضتها‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والصحة‭ ‬والإسكان‭ ‬والصناعة‭ ‬والمصارف‭ ‬والخدمات،‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬البحرين‭ ‬مركزًا‭ ‬ماليًا‭ ‬وتجاريًا‭ ‬ذا‭ ‬ثقةٍ‭ ‬في‭ ‬محيطه،‭ ‬وصلةٍ‭ ‬بالعالم،‭ ‬وجسرًا‭ ‬حيًا‭ ‬مع‭ ‬عمقها‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬

حتى‭ ‬إذا‭ ‬أشرق‭ ‬عهد‭ ‬حضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬بلغ‭ ‬المسار‭ ‬تمامه،‭ ‬وأدرك‭ ‬البناء‭ ‬مقامه،‭ ‬وانتقل‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬دولةٍ‭ ‬راسخة‭ ‬الأركان،‭ ‬إلى‭ ‬مملكةٍ‭ ‬دستورية‭ ‬البنيان؛‭ ‬ميثاقٌ‭ ‬جمع‭ ‬القلوب‭ ‬على‭ ‬العهد،‭ ‬ودستورٌ‭ ‬أقام‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الميزان،‭ ‬ومؤسساتٌ‭ ‬تُشرّع،‭ ‬وتُراقب‭ ‬فتُقوّم،‭ ‬ومشاركةٌ‭ ‬سياسيةٌ‭ ‬تتسع‭ ‬في‭ ‬وعي،‭ ‬وتترسخ‭ ‬في‭ ‬هدي،‭ ‬وحقوقٌ‭ ‬يصونها‭ ‬القانون،‭ ‬وتحرسها‭ ‬الدولة،‭ ‬فلا‭ ‬تعبث‭ ‬بها‭ ‬الفوضى،‭ ‬ولا‭ ‬يختطفها‭ ‬الادّعاء‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬العهد‭ ‬الزاهر،‭ ‬اتصل‭ ‬الماضي‭ ‬بالمستقبل،‭ ‬اتصال‭ ‬الأصل‭ ‬بالفرع،‭ ‬والجذر‭ ‬بالثمر،‭ ‬فكان‭ ‬الإصلاح‭ ‬أثرًا‭ ‬لا‭ ‬خبرًا،‭ ‬وبناءً‭ ‬لا‭ ‬صدى،‭ ‬ومؤسسةً‭ ‬لا‭ ‬وعدًا؛‭ ‬تعززت‭ ‬به‭ ‬دولة‭ ‬القانون،‭ ‬واتسعت‭ ‬به‭ ‬ميادين‭ ‬التعليم‭ ‬والعمل،‭ ‬وارتفعت‭ ‬به‭ ‬مكانة‭ ‬المرأة‭ ‬والشباب،‭ ‬وتنامى‭ ‬به‭ ‬الحضور‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والمالي،‭ ‬وبرزت‭ ‬البحرين‭ ‬وطنًا‭ ‬للسلام‭ ‬والوئام،‭ ‬ومنبرًا‭ ‬للتسامح‭ ‬والاحترام،‭ ‬ودارًا‭ ‬يجتمع‭ ‬فيها‭ ‬الأمن‭ ‬بالعمران،‭ ‬وتلتقي‭ ‬فيها‭ ‬الحرية‭ ‬بالاتزان‭. ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬المشروع‭ ‬الإصلاحي‭ ‬شعارًا‭ ‬يلمع‭ ‬ثم‭ ‬يخبو،‭ ‬ولا‭ ‬وعدًا‭ ‬يعلو‭ ‬ثم‭ ‬يذوي،‭ ‬بل‭ ‬نهجًا‭ ‬يبني‭ ‬ولا‭ ‬يهدم،‭ ‬ويجدد‭ ‬ولا‭ ‬يبدد،‭ ‬ويصون‭ ‬ولا‭ ‬يفرّط؛‭ ‬يمنح‭ ‬الحرية‭ ‬ميزانها،‭ ‬والتنمية‭ ‬أمانها،‭ ‬والسيادة‭ ‬سلطانها،‭ ‬والمواطن‭ ‬مقامه‭ ‬الأكرم‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬الحكم‭ ‬ومقصد‭ ‬الدولة‭.‬

وجاءت‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬بمناسبة‭ ‬بدء‭ ‬العام‭ ‬الدراسي‭ ‬والأكاديمي‭ ‬2026‭/‬2027م،‭ ‬نشيدَ‭ ‬عهدٍ‭ ‬لا‭ ‬ينقطع،‭ ‬وشاهدَ‭ ‬وطنٍ‭ ‬لا‭ ‬يتصدّع؛‭ ‬تعليمٌ‭ ‬صانته‭ ‬حكمةُ‭ ‬الدولة،‭ ‬وحرسَته‭ ‬الحكومةُ‭ ‬الرشيدة‭ ‬برئاسة‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬حفظه‭ ‬الله،‭ ‬وأمنٌ‭ ‬شدّ‭ ‬المسيرة،‭ ‬وولاءٌ‭ ‬أيقظ‭ ‬البصيرة،‭ ‬ومدارسُ‭ ‬مستقبلٍ‭ ‬بدأت‭ ‬رؤيةً،‭ ‬ثم‭ ‬غدت‭ ‬عند‭ ‬الامتحان‭ ‬قدرةً‭ ‬وجدارة،‭ ‬وثباتًا‭ ‬وريادة‭. ‬وهكذا‭ ‬تمضي‭ ‬البحرين‭: ‬علمٌ‭ ‬يصونه‭ ‬الأمن،‭ ‬وأمنٌ‭ ‬يرفده‭ ‬الولاء،‭ ‬وولاءٌ‭ ‬يثمر‭ ‬العمل،‭ ‬وعملٌ‭ ‬يرفع‭ ‬الوطن‭ ‬مقامًا،‭ ‬ويزيده‭ ‬رسوخًا‭ ‬وازدهارًا‭ ‬ومآلًا‭.‬

وليس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬انغلاقٌ‭ ‬يعطل‭ ‬حركة‭ ‬المجتمع،‭ ‬ولا‭ ‬انفلاتٌ‭ ‬يضعف‭ ‬هيبة‭ ‬الدولة؛‭ ‬بل‭ ‬حريةٌ‭ ‬مسؤولة،‭ ‬وسوقٌ‭ ‬منضبط،‭ ‬وملكيةٌ‭ ‬تُصان،‭ ‬ومبادرةٌ‭ ‬تُفتح،‭ ‬وقانونٌ‭ ‬يحكم،‭ ‬وسيادةٌ‭ ‬لا‭ ‬تُنازع‭. ‬فالدولة‭ ‬الرشيدة‭ ‬لا‭ ‬تخنق‭ ‬الفرد‭ ‬باسم‭ ‬النظام،‭ ‬ولا‭ ‬تترك‭ ‬الفوضى‭ ‬تعبث‭ ‬بالمجتمع‭ ‬باسم‭ ‬الحرية،‭ ‬وإنما‭ ‬تمسك‭ ‬الميزان‭ ‬من‭ ‬طرفيه‭: ‬حقٌّ‭ ‬محفوظ،‭ ‬وواجبٌ‭ ‬معروف،‭ ‬وعمرانٌ‭ ‬مأمون،‭ ‬ووطنٌ‭ ‬مصون‭.‬

وهكذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬البحرين‭ ‬بعيدةً‭ ‬عن‭ ‬عواصف‭ ‬زمانها،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬العاصفة‭ ‬ربّانها؛‭ ‬رأت‭ ‬التحولات‭ ‬فلم‭ ‬تنخدع‭ ‬ببريقها،‭ ‬وسمعت‭ ‬الشعارات‭ ‬فلم‭ ‬تستسلم‭ ‬لضجيجها،‭ ‬وأخذت‭ ‬من‭ ‬العصر‭ ‬أداته،‭ ‬ومن‭ ‬التاريخ‭ ‬شرعيته،‭ ‬ومن‭ ‬الدستور‭ ‬نظامه،‭ ‬ومن‭ ‬الدولة‭ ‬هيبتها،‭ ‬ومن‭ ‬الإنسان‭ ‬غايته‭. ‬فليست‭ ‬العبرة‭ ‬أن‭ ‬تُرفع‭ ‬الحرية‭ ‬شعارًا،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬تُصان‭ ‬أمنًا‭ ‬وحقًا؛‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يُعلن‭ ‬الدستور‭ ‬لفظًا،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يعمل‭ ‬مؤسسةً‭ ‬وحكمًا؛‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬يُفتح‭ ‬السوق‭ ‬بابًا،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬يُحاط‭ ‬بقانونٍ‭ ‬وعدلٍ‭ ‬واتزان‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬استقام‭ ‬نهج‭ ‬البحرين‭: ‬ملكيةٌ‭ ‬دستورية،‭ ‬وحريةٌ‭ ‬مسؤولة،‭ ‬وتنميةٌ‭ ‬مأمونة،‭ ‬ودولةٌ‭ ‬وطنيةٌ‭ ‬لا‭ ‬تعلو‭ ‬عليها‭ ‬أيديولوجيا،‭ ‬ولا‭ ‬يزاحم‭ ‬ولاءها‭ ‬ولاء‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا