في اليوم الدولي للعمل الخيري.. لا يكفي أن نسأل: كم أعطينا؟ بل علينا أن نسأل: لمن أعطينا؟ وما الأثر الذي تركناه؟
العملُ الخيريُّ قيمةٌ إنسانيَّة وإسلاميَّة عظيمة، ولا خلاف على أن المحتاجَ في أي مكانٍ يستحقُ المساعدةَ. لكن حين تكونُ بيننا أسرٌ متعففة، وأرامل وأيتام، وأسر تكافحُ من أجلِ احتياجاتها الأساسيَّة، فإن السؤالَ المشروع هو: ألا ينبغي أن تكونَ لهم الأولويَّةُ؟
لقد وضع الإسلامُ لنا ميزانًا واضحًا في فعل الخير، فقال تعالى: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ)، وجاءت السنةُ النبويَّةُ مؤكدة فضل الصدقة على الأقربين. فالقرب ليس وحده معيارًا، وإنما تجتمعُ معه الحاجةُ والأولويَّة والعدل.
ومن هنا، فإن توجيهَ الجهودِ الخيريَّة إلى الخارج، مع وجود محتاجين في الداخل، يستحقُ أن يكونَ محلَ مراجعةٍ هادئة ومسؤولة. لسنا ضد إغاثة المحتاج خارج الوطن، ولكننا مع أن يبدأَ الخيرُ بمن حولنا، وبمن هو أشد حاجة.
وفي الوقت نفسه، فإن جمعَ التبرعاتِ والأموال الخيرية مسؤوليَّةٌ وأمانة، تستوجبُ الالتزامَ بالقوانين والأنظمة التي تنظمُ العملَ الخيري وجمع المال، حفاظًا على أموال المتبرعين، وضمانًا لوصولها إلى مستحقيها، وتعزيزًا للثقة والشفافية. فحسن النية وحده لا يكفي؛ بل يجب أن يقترنَ العملُ الخيري بالمسؤولية، والحوكمة، والوضوح، واحترام الأنظمة.
والأهم من ذلك أن علينا أن نعيدَ تعريفَ العمل الخيري نفسه.
فليس الهدف أن نبقى نقدم للمحتاج المساعدة عامًا بعد عام، وإنما أن نساعدَه على الخروج من دائرة الحاجة. نبدأ بالإغاثة، ثم ننتقل إلى التمكين.
نساعده في التعليم والتدريب، ونفتح أمامه فرص العمل، وندعم مشروعًا صغيرًا قادرًا على إعالة أسرته، ونمنحه الأدوات التي تجعله منتجًا وقادرًا على الاعتماد على نفسه.
الإغاثة تطفئ ألمَ اليوم، أما التمكين فيصنع أملَ الغد.
وهنا يتحول العمل الخيري من مجرد توزيع للمساعدات إلى استثمار في الإنسان، ومن معالجة مؤقتة للحاجة إلى بناء حياة كريمة ومستدامة.
كما ينبغي أن يبقى العمل الخيري بعيدًا عن التسييس والمحاباة، وأن تحكمه معايير واضحة وشفافة، أساسها الحاجة والعدالة وحفظ كرامة الإنسان.
فالخير لا ينبغي أن يكون له لون سياسي أو حسابات أخرى؛ الخير الحقيقي هو الذي يصل إلى مستحقه، ويصنع أثرًا حقيقيًّا في حياته.
نحتاج اليوم إلى ثقافة خير جديدة: تبدأ بالأقرب والأشد حاجة، وتغيث عند الضرورة، وتمكّن عند القدرة، وتلتزم بالقانون، وتحفظ للإنسان كرامته واستقلاله.
فأجمل ما يمكن أن نتركه وراءنا ليس عدد المساعدات التي قدمناها، وإنما عدد الأشخاص الذين ساعدناهم على الوقوف على أقدامهم والاستغناء عن المساعدة.
ذلك هو العمل الخيري الذي يبني الإنسان، والأسرة، والمجتمع، والوطن.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك