العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

العمل الخيري.. لمن تكون الأولوية؟ ومن الإغاثة إلى التمكين

بقلم: علي بن الشيخ عبدالحسين العصفور

الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬اليوم‭ ‬الدولي‭ ‬للعمل‭ ‬الخيري‭.. ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬كم‭ ‬أعطينا؟‭ ‬بل‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نسأل‭: ‬لمن‭ ‬أعطينا؟‭ ‬وما‭ ‬الأثر‭ ‬الذي‭ ‬تركناه؟

العملُ‭ ‬الخيريُّ‭ ‬قيمةٌ‭ ‬إنسانيَّة‭ ‬وإسلاميَّة‭ ‬عظيمة،‭ ‬ولا‭ ‬خلاف‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المحتاجَ‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مكانٍ‭ ‬يستحقُ‭ ‬المساعدةَ‭. ‬لكن‭ ‬حين‭ ‬تكونُ‭ ‬بيننا‭ ‬أسرٌ‭ ‬متعففة،‭ ‬وأرامل‭ ‬وأيتام،‭ ‬وأسر‭ ‬تكافحُ‭ ‬من‭ ‬أجلِ‭ ‬احتياجاتها‭ ‬الأساسيَّة،‭ ‬فإن‭ ‬السؤالَ‭ ‬المشروع‭ ‬هو‭: ‬ألا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكونَ‭ ‬لهم‭ ‬الأولويَّةُ؟

لقد‭ ‬وضع‭ ‬الإسلامُ‭ ‬لنا‭ ‬ميزانًا‭ ‬واضحًا‭ ‬في‭ ‬فعل‭ ‬الخير،‭ ‬فقال‭ ‬تعالى‭: (‬وَآتِ‭ ‬ذَا‭ ‬الْقُرْبَى‭ ‬حَقَّهُ‭ ‬وَالْمِسْكِينَ‭ ‬وَابْنَ‭ ‬السَّبِيلِ‭)‬،‭ ‬وجاءت‭ ‬السنةُ‭ ‬النبويَّةُ‭ ‬مؤكدة‭ ‬فضل‭ ‬الصدقة‭ ‬على‭ ‬الأقربين‭. ‬فالقرب‭ ‬ليس‭ ‬وحده‭ ‬معيارًا،‭ ‬وإنما‭ ‬تجتمعُ‭ ‬معه‭ ‬الحاجةُ‭ ‬والأولويَّة‭ ‬والعدل‭.‬

ومن‭ ‬هنا،‭ ‬فإن‭ ‬توجيهَ‭ ‬الجهودِ‭ ‬الخيريَّة‭ ‬إلى‭ ‬الخارج،‭ ‬مع‭ ‬وجود‭ ‬محتاجين‭ ‬في‭ ‬الداخل،‭ ‬يستحقُ‭ ‬أن‭ ‬يكونَ‭ ‬محلَ‭ ‬مراجعةٍ‭ ‬هادئة‭ ‬ومسؤولة‭. ‬لسنا‭ ‬ضد‭ ‬إغاثة‭ ‬المحتاج‭ ‬خارج‭ ‬الوطن،‭ ‬ولكننا‭ ‬مع‭ ‬أن‭ ‬يبدأَ‭ ‬الخيرُ‭ ‬بمن‭ ‬حولنا،‭ ‬وبمن‭ ‬هو‭ ‬أشد‭ ‬حاجة‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬فإن‭ ‬جمعَ‭ ‬التبرعاتِ‭ ‬والأموال‭ ‬الخيرية‭ ‬مسؤوليَّةٌ‭ ‬وأمانة،‭ ‬تستوجبُ‭ ‬الالتزامَ‭ ‬بالقوانين‭ ‬والأنظمة‭ ‬التي‭ ‬تنظمُ‭ ‬العملَ‭ ‬الخيري‭ ‬وجمع‭ ‬المال،‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬المتبرعين،‭ ‬وضمانًا‭ ‬لوصولها‭ ‬إلى‭ ‬مستحقيها،‭ ‬وتعزيزًا‭ ‬للثقة‭ ‬والشفافية‭. ‬فحسن‭ ‬النية‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي؛‭ ‬بل‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يقترنَ‭ ‬العملُ‭ ‬الخيري‭ ‬بالمسؤولية،‭ ‬والحوكمة،‭ ‬والوضوح،‭ ‬واحترام‭ ‬الأنظمة‭.‬

والأهم‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬علينا‭ ‬أن‭ ‬نعيدَ‭ ‬تعريفَ‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬نفسه‭.‬

فليس‭ ‬الهدف‭ ‬أن‭ ‬نبقى‭ ‬نقدم‭ ‬للمحتاج‭ ‬المساعدة‭ ‬عامًا‭ ‬بعد‭ ‬عام،‭ ‬وإنما‭ ‬أن‭ ‬نساعدَه‭ ‬على‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬دائرة‭ ‬الحاجة‭. ‬نبدأ‭ ‬بالإغاثة،‭ ‬ثم‭ ‬ننتقل‭ ‬إلى‭ ‬التمكين‭.‬

نساعده‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والتدريب،‭ ‬ونفتح‭ ‬أمامه‭ ‬فرص‭ ‬العمل،‭ ‬وندعم‭ ‬مشروعًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬إعالة‭ ‬أسرته،‭ ‬ونمنحه‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬منتجًا‭ ‬وقادرًا‭ ‬على‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬نفسه‭.‬

الإغاثة‭ ‬تطفئ‭ ‬ألمَ‭ ‬اليوم،‭ ‬أما‭ ‬التمكين‭ ‬فيصنع‭ ‬أملَ‭ ‬الغد‭.‬

وهنا‭ ‬يتحول‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬توزيع‭ ‬للمساعدات‭ ‬إلى‭ ‬استثمار‭ ‬في‭ ‬الإنسان،‭ ‬ومن‭ ‬معالجة‭ ‬مؤقتة‭ ‬للحاجة‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭ ‬ومستدامة‭.‬

 

كما‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التسييس‭ ‬والمحاباة،‭ ‬وأن‭ ‬تحكمه‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭ ‬وشفافة،‭ ‬أساسها‭ ‬الحاجة‭ ‬والعدالة‭ ‬وحفظ‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان‭.‬

فالخير‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬لون‭ ‬سياسي‭ ‬أو‭ ‬حسابات‭ ‬أخرى؛‭ ‬الخير‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬مستحقه،‭ ‬ويصنع‭ ‬أثرًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬في‭ ‬حياته‭.‬

نحتاج‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬ثقافة‭ ‬خير‭ ‬جديدة‭: ‬تبدأ‭ ‬بالأقرب‭ ‬والأشد‭ ‬حاجة،‭ ‬وتغيث‭ ‬عند‭ ‬الضرورة،‭ ‬وتمكّن‭ ‬عند‭ ‬القدرة،‭ ‬وتلتزم‭ ‬بالقانون،‭ ‬وتحفظ‭ ‬للإنسان‭ ‬كرامته‭ ‬واستقلاله‭.‬

فأجمل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نتركه‭ ‬وراءنا‭ ‬ليس‭ ‬عدد‭ ‬المساعدات‭ ‬التي‭ ‬قدمناها،‭ ‬وإنما‭ ‬عدد‭ ‬الأشخاص‭ ‬الذين‭ ‬ساعدناهم‭ ‬على‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬أقدامهم‭ ‬والاستغناء‭ ‬عن‭ ‬المساعدة‭.‬

ذلك‭ ‬هو‭ ‬العمل‭ ‬الخيري‭ ‬الذي‭ ‬يبني‭ ‬الإنسان،‭ ‬والأسرة،‭ ‬والمجتمع،‭ ‬والوطن‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا