العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

التربية الخاصة.. بين التكنولوجيا والاختصاصي

بقلم: رجاء الجشي

الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

ثمة‭ ‬ظلم‭ ‬صغير‭ ‬قد‭ ‬يحدث‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬داخل‭ ‬قاعة‭ ‬دراسية،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقصده‭ ‬أحد‭.‬

أن‭ ‬نضع‭ ‬أمام‭ ‬عشرين‭ ‬طفلًا‭ ‬النشاط‭ ‬نفسه،‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬ثم‭ ‬نندهش‭ ‬لأن‭ ‬بعضهم‭ ‬لم‭ ‬يتعلّم‭.‬

وفي‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة،‭ ‬يصبح‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬أكثر‭ ‬إلحاحًا؛‭ ‬لأن‭ ‬الطفل‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يستجيب‭ ‬للطريقة‭ ‬التي‭ ‬اخترناها‭ ‬قد‭ ‬يُوصف‭ ‬سريعًا‭ ‬بأنه‭ ‬مشتت،‭ ‬أو‭ ‬ضعيف‭ ‬الدافعية،‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬إكمال‭ ‬المهمة،‭ ‬بينما‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬الحقيقة‭ ‬أبسط‭ ‬وأكثر‭ ‬إحراجًا‭ ‬لنا‭ ‬نحن‭ ‬الكبار‭: ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬نقدّم‭ ‬له‭ ‬المعرفة‭ ‬بالطريقة‭ ‬التي‭ ‬يستطيع‭ ‬استقبالها‭.‬

لسنوات‭ ‬طويلة،‭ ‬كان‭ ‬التعليم‭ ‬يملك‭ ‬رفاهية‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬للطفل‭: ‬هذه‭ ‬طريقتنا،‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬تتكيف‭ ‬معها‭.‬

اليوم،‭ ‬يقلب‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬المعادلة‭ ‬بهدوء‭.‬

فالمحتوى‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يُصمم‭ ‬مرة‭ ‬واحدة‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬الجميع،‭ ‬يمكن‭ ‬الآن‭ ‬أن‭ ‬يُعاد‭ ‬تشكيله‭ ‬مرات‭ ‬عديدة‭ ‬ليصل‭ ‬إلى‭ ‬طفل‭ ‬واحد‭. ‬والمعلومة‭ ‬ذاتها‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬ترتدي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬وجه؛‭ ‬تصبح‭ ‬صورة‭ ‬لمن‭ ‬يفهم‭ ‬بالصورة،‭ ‬وقصة‭ ‬لمن‭ ‬تجذبه‭ ‬الحكاية،‭ ‬ولعبة‭ ‬لمن‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬الحركة‭ ‬والتحدي،‭ ‬وتسلسلًا‭ ‬بصريًا‭ ‬بسيطًا‭ ‬لمن‭ ‬يربكه‭ ‬ازدحام‭ ‬التفاصيل‭.‬

وهذا‭ ‬التحول،‭ ‬في‭ ‬تقديري،‭ ‬أكبر‭ ‬بكثير‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬استخدام‭ ‬تقنية‭ ‬حديثة‭ ‬داخل‭ ‬التعليم‭.‬

إنه‭ ‬انتقال‭ ‬من تعليم‭ ‬الطفل‭ ‬الموجود‭ ‬أمامنا،‭ ‬كما‭ ‬اعتدنا‭ ‬أن‭ ‬نعلّم،‭ ‬إلى‭ ‬تعليم‭ ‬الطفل‭ ‬كما‭ ‬يستطيع‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬يتعلّم‭.‬

ومن‭ ‬داخل‭ ‬قاعات‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة،‭ ‬تبدو‭ ‬المسألة‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحًا‭. ‬فالطفل‭ ‬قد‭ ‬يمنحنا‭ ‬مفتاحه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يقول‭ ‬كلمة‭ ‬واحدة‭. ‬قد‭ ‬يخبرنا،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬اهتمامه‭ ‬بشخصية‭ ‬معينة‭ ‬أو‭ ‬لون‭ ‬أو‭ ‬حيوان‭ ‬أو‭ ‬لعبة،‭ ‬عن‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نعبر‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬انتباهه‭. ‬وما‭ ‬كان‭ ‬يتطلب‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬وقتًا‭ ‬طويلًا‭ ‬لإعادة‭ ‬إنتاج‭ ‬المحتوى،‭ ‬بات‭ ‬بالإمكان‭ ‬تشكيله‭ ‬بصورة‭ ‬أسرع‭ ‬وأكثر‭ ‬مرونة‭ ‬باستخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

وقد‭ ‬رأيت‭ ‬بنفسي‭ ‬كيف‭ ‬يتغير‭ ‬المشهد‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬الطفل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المادة‭ ‬التعليمية،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬متلقٍ‭ ‬لها‭.‬

ذلك‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬بعيدًا‭ ‬يبدأ‭ ‬بالاقتراب‭. ‬والذي‭ ‬كان‭ ‬ينتظر‭ ‬انتهاء‭ ‬النشاط‭ ‬يبدأ‭ ‬بالسؤال‭ ‬عما‭ ‬سيأتي‭ ‬بعده‭. ‬والطفل‭ ‬الذي‭ ‬يصعب‭ ‬استدراجه‭ ‬إلى‭ ‬التفاعل‭ ‬قد‭ ‬يمنح‭ ‬الاختصاصي‭ ‬مساحة‭ ‬أكبر‭ ‬للتواصل،‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬شيئًا‭ ‬على‭ ‬الشاشة‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬القصة‭ ‬قال‭ ‬له‭ ‬بطريقة‭ ‬ما‭:‬‮ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬يعرفك‭.‬

وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬ينبغي‭ ‬ألا‭ ‬ننخدع‭ ‬ببريق‭ ‬التقنية‭.‬

فالآلة‭ ‬لم‭ ‬تفهم‭ ‬الطفل‭.‬

الاختصاصي‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬فهمه‭ ‬أولًا،‭ ‬ثم‭ ‬استخدم‭ ‬الآلة‭ ‬ليترجم‭ ‬ذلك‭ ‬الفهم‭ ‬إلى‭ ‬تجربة‭ ‬تعليمية‭.‬

وهذا‭ ‬الفارق‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬سيحدد،‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة،‭ ‬إن‭ ‬كنا‭ ‬أمام‭ ‬تحول‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭ ‬أم‭ ‬أمام‭ ‬موجة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬الانبهار‭ ‬بالتكنولوجيا‭.‬

فالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬في‭ ‬دقائق‭ ‬قصة‭ ‬ووسيلة‭ ‬وصورة‭ ‬ونشاطًا،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يقرر‭ ‬وحده‭ ‬لماذا‭ ‬يحتاج‭ ‬هذا‭ ‬الطفل‭ ‬إلى‭ ‬قصة،‭ ‬ولماذا‭ ‬تضر‭ ‬كثرة‭ ‬المثيرات‭ ‬بطفل‭ ‬آخر،‭ ‬ولماذا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬نتوقف‭ ‬اليوم‭ ‬عن‭ ‬هدف‭ ‬أكاديمي‭ ‬لنمنح‭ ‬طالبًا‭ ‬مرتبكًا‭ ‬مساحة‭ ‬من‭ ‬الأمان‭.‬

تلك‭ ‬ليست‭ ‬قرارات‭ ‬تقنية‭.‬

إنها‭ ‬قرارات‭ ‬إنسانية،‭ ‬يصنعها‭ ‬متخصص‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬خلف‭ ‬كل‭ ‬سلوك‭ ‬معنى،‭ ‬وخلف‭ ‬كل‭ ‬استجابة‭ ‬قصة،‭ ‬وأن‭ ‬الطفل‭ ‬لا‭ ‬يأتي‭ ‬إلى‭ ‬الجلسة‭ ‬التعليمية‭ ‬بعقله‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬بمشاعره‭ ‬ومخاوفه‭ ‬وذاكرته‭ ‬وتجربته‭ ‬مع‭ ‬النجاح‭ ‬والفشل‭.‬

ولهذا،‭ ‬فإن‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬يثيرني‭ ‬في‭ ‬مستقبل‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬داخل‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭ ‬ليس‭ ‬عدد‭ ‬الأدوات‭ ‬التي‭ ‬ستظهر،‭ ‬ولا‭ ‬الصور‭ ‬الأكثر‭ ‬واقعية‭ ‬التي‭ ‬سنستطيع‭ ‬إنتاجها،‭ ‬ولا‭ ‬السرعة‭ ‬التي‭ ‬سننجز‭ ‬بها‭ ‬أعمالنا‭.‬

ما‭ ‬يثيرني‭ ‬حقًا‭ ‬هو‭ ‬أننا‭ ‬نقترب،‭ ‬ربما‭ ‬للمرة‭ ‬الأولى‭ ‬بهذا‭ ‬الحجم،‭ ‬من‭ ‬امتلاك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تفصيل‭ ‬المعرفة‭ ‬على‭ ‬مقاس‭ ‬متعلم‭ ‬واحد‭.‬

طفل‭ ‬واحد‭ ‬فقط‭.‬

وقد‭ ‬يبدو‭ ‬ذلك‭ ‬قليلًا‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتحدث‭ ‬بلغة‭ ‬الملايين،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬العالم‭ ‬كله‭.‬

لقد‭ ‬أمضينا‭ ‬عقودًا‭ ‬نسأل‭: ‬كيف‭ ‬نجعل‭ ‬الطفل‭ ‬المختلف‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬التعليم؟

ربما‭ ‬حان‭ ‬الوقت‭ ‬لأن‭ ‬نقلب‭ ‬السؤال‭:‬

كيف‭ ‬نجعل‭ ‬التعليم‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬مواكبة‭ ‬الطفل‭ ‬المختلف؟

 

‭ ‬اختصاصية‭ ‬التربية‭ ‬الخاصة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا