العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٨ - الأحد ٠٦ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء:
أليس العمر ماضٍ بنا جميعًا؟

{ بقلم: فاطمة اليوسف. Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

الجمعة ٠٤ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

ماتت‭ ‬ابنة‭ ‬نجلاء‭ ‬فتحي،‭ ‬فانشغلت‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بوجه‭ ‬أمها‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬قسوة‭ ‬الصورة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬قسوة‭ ‬أن‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬لحظة‭ ‬يصبح‭ ‬فيها‭ ‬موت‭ ‬إنسان‭ ‬أقل‭ ‬إثارة‭ ‬من‭ ‬تجعيدة‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬إنسان‭ ‬آخر‭.‬

وقفت‭ ‬نجلاء‭ ‬فتحي‭ ‬في‭ ‬عزاء‭ ‬ابنتها‭ ‬الوحيدة،‭ ‬وكان‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬نرى‭ ‬أمًا‭ ‬مفجوعة،‭ ‬لا‭ ‬نجمةً‭ ‬نعيد‭ ‬إخضاعها‭ ‬لامتحان‭ ‬الزمن‭. ‬لكن‭ ‬العدسات‭ ‬التقطت‭ ‬وجهها،‭ ‬والمنصات‭ ‬التقطت‭ ‬الصورة،‭ ‬ثم‭ ‬بدأ‭ ‬تشريح‭ ‬الجمهور‭ ‬المعتاد‭: ‬كيف‭ ‬كانت؟‭ ‬وكيف‭ ‬أصبحت؟‭ ‬ماذا‭ ‬فعل‭ ‬العمر‭ ‬بملامحها؟

وكأن‭ ‬الفقد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كافيًا،‭ ‬فأضفنا‭ ‬إليه‭ ‬محاكمة‭ ‬العمر‭.‬

وكأن‭ ‬التجاعيد‭ ‬فضيحة،‭ ‬وكأن‭ ‬السنوات‭ ‬جريمة،‭ ‬وكأن‭ ‬النجوم‭ ‬وحدهم‭ ‬ممنوعون‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يكبروا‭.‬

لكن‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬توقفنا‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬عن‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬نجلاء‭ ‬فتحي‭ ‬باعتبارها‭ ‬‮«‬نجمة»؟

ماذا‭ ‬لو‭ ‬رأيناها‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭: ‬أمًا‭ ‬فقدت‭ ‬ابنتها؟

لا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬ماذا‭ ‬تخفي‭ ‬الملامح‭ ‬خلفها‭. ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬الوجع‭ ‬مرّ‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬الوجه،‭ ‬وكم‭ ‬من‭ ‬السنوات‭ ‬التي‭ ‬تركت‭ ‬آثارها‭ ‬عليه‭. ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬يعرف‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تعود‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬بيتٍ‭ ‬غابت‭ ‬عنه‭ ‬ابنتها‭ ‬الوحيدة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬وجدنا‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬الفقد‭ ‬مادة‭ ‬للمقارنة‭ ‬بين‭ ‬الأمس‭ ‬واليوم‭.‬

متى‭ ‬أصبح‭ ‬حزن‭ ‬الإنسان‭ ‬المشهور‭ ‬ملكًا‭ ‬للجمهور؟‭ ‬ومتى‭ ‬تحولت‭ ‬الشهرة‭ ‬إلى‭ ‬إذنٍ‭ ‬بانتهاك‭ ‬أكثر‭ ‬لحظاته‭ ‬هشاشة؟

هنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬تبدأ‭ ‬مسؤولية‭ ‬الصحافة‭.‬

فالصحافة‭ ‬ليست‭ ‬سباقًا‭ ‬إلى‭ ‬اللقطة‭ ‬الأكثر‭ ‬تداولًا،‭ ‬ولا‭ ‬يجوز‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الكاميرا‭ ‬إلى‭ ‬عين‭ ‬تقتحم‭ ‬ما‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬مصانًا‭. ‬حق‭ ‬الجمهور‭ ‬في‭ ‬المعرفة‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬امتلاك‭ ‬وجع‭ ‬الآخرين‭.‬

هناك‭ ‬لحظات‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬تتراجع‭ ‬فيها‭ ‬العدسة‭ ‬خطوة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭.‬

لحظات‭ ‬يكون‭ ‬فيها‭ ‬احترام‭ ‬الإنسان‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬السبق،‭ ‬والرحمة‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬المشاهدة،‭ ‬وحرمة‭ ‬الموت‭ ‬أقدس‭ ‬من‭ ‬فضول‭ ‬المتابعين‭.‬

أما‭ ‬مقارنة‭ ‬نجلاء‭ ‬فتحي‭ ‬اليوم‭ ‬بنجلاء‭ ‬فتحي‭ ‬الأمس،‭ ‬فهي‭ ‬في‭ ‬حقيقتها‭ ‬ليست‭ ‬مقارنة‭ ‬بين‭ ‬صورتين؛‭ ‬إنها‭ ‬مقارنة‭ ‬بين‭ ‬حياة‭ ‬كاملة‭ ‬ولحظة‭ ‬واحدة،‭ ‬ثم‭ ‬محاكمة‭ ‬للزمن‭.‬

وأي‭ ‬زمن‭ ‬نحاكم؟

ذلك‭ ‬الذي‭ ‬مرّ‭ ‬بنا‭ ‬جميعًا؟

ذلك‭ ‬الذي‭ ‬أخذ‭ ‬من‭ ‬وجوهنا‭ ‬شبابها،‭ ‬وترك‭ ‬عليها‭ ‬آثار‭ ‬الفرح‭ ‬والخسارة‭ ‬والحب‭ ‬والفقد؟

سيأتي‭ ‬يوم‭ ‬نقف‭ ‬فيه‭ ‬أمام‭ ‬المرآة،‭ ‬فنكتشف‭ ‬أن‭ ‬صور‭ ‬الأمس‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تشبهنا‭ ‬تمامًا‭. ‬وحينها‭ ‬سنعرف‭ ‬أن‭ ‬التجاعيد‭ ‬ليست‭ ‬عيبًا‭ ‬ينبغي‭ ‬إخفاؤه،‭ ‬بل‭ ‬شهادة‭ ‬صامتة‭ ‬على‭ ‬أننا‭ ‬عشنا‭.‬

هذا‭ ‬العمر‭ ‬ليس‭ ‬مُلكًا‭ ‬لأحد،‭ ‬وما‭ ‬يتركه‭ ‬الزمن‭ ‬على‭ ‬وجوهنا‭ ‬سيتركه‭ ‬علينا‭ ‬جميعًا؛‭ ‬فالعمر‭ ‬ماضٍ‭ ‬بنا‭ ‬جميعًا‭ ‬،ولندع‭ ‬للحزن‭ ‬حرمته،‭ ‬وللفقد‭ ‬صمته،‭ ‬وللإنسان‭ ‬حقه‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ينكسر‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬انكساره‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬متداولة‭ ‬ولتكن‭ ‬نجلاء‭ ‬فتحي‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬أمًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬فنانة،‭ ‬وإنسانة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬نجمة‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا