ماتت ابنة نجلاء فتحي، فانشغلت منصات التواصل الاجتماعي بوجه أمها.
هذه ليست قسوة الصورة وحدها، بل قسوة أن نصل إلى لحظة يصبح فيها موت إنسان أقل إثارة من تجعيدة على وجه إنسان آخر.
وقفت نجلاء فتحي في عزاء ابنتها الوحيدة، وكان يفترض أن نرى أمًا مفجوعة، لا نجمةً نعيد إخضاعها لامتحان الزمن. لكن العدسات التقطت وجهها، والمنصات التقطت الصورة، ثم بدأ تشريح الجمهور المعتاد: كيف كانت؟ وكيف أصبحت؟ ماذا فعل العمر بملامحها؟
وكأن الفقد لم يكن كافيًا، فأضفنا إليه محاكمة العمر.
وكأن التجاعيد فضيحة، وكأن السنوات جريمة، وكأن النجوم وحدهم ممنوعون من أن يكبروا.
لكن ماذا لو توقفنا لحظة واحدة عن النظر إلى نجلاء فتحي باعتبارها «نجمة»؟
ماذا لو رأيناها كما كانت في تلك اللحظة: أمًا فقدت ابنتها؟
لا أحد يعرف ماذا تخفي الملامح خلفها. لا أحد يعرف كم من الوجع مرّ على ذلك الوجه، وكم من السنوات التي تركت آثارها عليه. ولا أحد يعرف ماذا يعني أن تعود أم إلى بيتٍ غابت عنه ابنتها الوحيدة.
ومع ذلك، وجدنا في لحظة الفقد مادة للمقارنة بين الأمس واليوم.
متى أصبح حزن الإنسان المشهور ملكًا للجمهور؟ ومتى تحولت الشهرة إلى إذنٍ بانتهاك أكثر لحظاته هشاشة؟
هنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الصحافة.
فالصحافة ليست سباقًا إلى اللقطة الأكثر تداولًا، ولا يجوز أن تتحول الكاميرا إلى عين تقتحم ما يجب أن يبقى مصانًا. حق الجمهور في المعرفة لا يعني حقه في امتلاك وجع الآخرين.
هناك لحظات يجب أن تتراجع فيها العدسة خطوة إلى الوراء.
لحظات يكون فيها احترام الإنسان أهم من السبق، والرحمة أهم من المشاهدة، وحرمة الموت أقدس من فضول المتابعين.
أما مقارنة نجلاء فتحي اليوم بنجلاء فتحي الأمس، فهي في حقيقتها ليست مقارنة بين صورتين؛ إنها مقارنة بين حياة كاملة ولحظة واحدة، ثم محاكمة للزمن.
وأي زمن نحاكم؟
ذلك الذي مرّ بنا جميعًا؟
ذلك الذي أخذ من وجوهنا شبابها، وترك عليها آثار الفرح والخسارة والحب والفقد؟
سيأتي يوم نقف فيه أمام المرآة، فنكتشف أن صور الأمس لم تعد تشبهنا تمامًا. وحينها سنعرف أن التجاعيد ليست عيبًا ينبغي إخفاؤه، بل شهادة صامتة على أننا عشنا.
هذا العمر ليس مُلكًا لأحد، وما يتركه الزمن على وجوهنا سيتركه علينا جميعًا؛ فالعمر ماضٍ بنا جميعًا ،ولندع للحزن حرمته، وللفقد صمته، وللإنسان حقه في أن ينكسر دون أن يتحول انكساره إلى صورة متداولة ولتكن نجلاء فتحي في تلك اللحظة أمًا قبل أن تكون فنانة، وإنسانة قبل أن تكون نجمة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك