كلنا قرأنا الكلمة السامية لحضرة سيدي صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة، ملك البلاد المعظم، حفظه الله ورعاه، بمناسبة بدء العام الدراسي والأكاديمي الجديد 2026/2027. وعندما جلست لكتابة هذا المقال، لم أحتج إلى البحث طويلاً عن فكرته؛ فالكلمة وضعت أمامنا أكثر من معنى يستحق الوقوف عنده، من التعليم والجاهزية إلى الطالب والمعلم، وصولاً إلى السؤال الأبعد: أي مستقبل نعد له أبناءنا؟
ومن هذه الزاوية قرأت أمنية جلالته لأبنائه الطلبة بأن يكون عامهم «مميزاً حافلاً بالتفوق والإنجاز». وحين يتطلع قائد الوطن إلى أبنائه بهذه الثقة، فإن ذلك يضع مسؤولية أمامنا جميعاً؛ فالتفوق لا يصنعه الطالب وحده، والإنجاز لا يبدأ يوم إعلان النتائج. وراءهما مدرسة ومعلم وأسرة ومنظومة كاملة تهيئ للطالب الطريق قبل أن تطلب منه الوصول.
ثم جاءت إشارة جلالته إلى تجربة البحرين الرائدة في «مدارس المستقبل»، التي انطلقت عام 2005، لتمنح الكلمة بعداً آخر. فبعد أكثر من عشرين عاماً، نستطيع أن نرى قيمة ذلك الاستثمار بصورة أوضح. ما بدأ مشروعاً لتطوير التعليم والاستفادة من التقنية، أصبح جزءاً من قدرة المنظومة التعليمية على الاستمرار عندما فرضت جائحة كورونا واقعاً أربك العالم، وعادت هذه الجاهزية لتؤدي دورها في الظروف الأمنية الاستثنائية، مع اتخاذ ما يلزم للمحافظة على سلامة الطلبة واستمرار تعليمهم.
وبفضل ما تحظى به المنظومة التعليمية من دعم ومتابعة من صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، نملك اليوم مرونة تبعث على الاطمئنان؛ فحين تستدعي سلامة أبنائنا بقاءهم في منازلهم يستمر تعليمهم، وحين تسمح الظروف يعودون إلى مدارسهم آمنين مطمئنين. وهذا مكسب يتجاوز استمرار الحصة الدراسية إلى قدرة الدولة على حماية المسار التعليمي من أن يتعطل كلما طرأ ظرف استثنائي.
وعند إطلاق «مدارس المستقبل»، لم يكن أحد مطالباً بمعرفة شكل الجائحة القادمة أو طبيعة تحدٍّ أمني لم يحدث بعد. كان الأهم بناء منظومة لا تبدأ من الصفر كلما تبدلت الظروف. وفي هذا تكمن قيمة الاستباقية: أن نبني خياراتنا في زمن الاستقرار حتى نجدها جاهزة عندما نحتاج إليها.
ومن الإنصاف ألا نختزل هذه الجاهزية في منصة أو جهاز. وراءها أبناء وطن مخلصون؛ قيادات آمنت بالرؤية، وكفاءات وطنية خططت وطورت، ومعلمون وإداريون وفنيون حملوا مسؤولية التنفيذ والمتابعة عاماً بعد عام. وقد لا تحفظ الذاكرة أسماء كل من شارك، لكن الوطن يحفظ أثرهم حين يجد ما بنوه حاضراً وقت الحاجة.
وهنا ينتقل السؤال من جاهزية النظام إلى جاهزية الإنسان نفسه: إذا كان استثمار الأمس قد ساعد على حماية استمرار التعليم، فما الذي نحتاج أن نستثمر فيه اليوم داخل الطالب؟
فالطالب لا يدخل الفصل حاملاً حقيبته وكتبه فقط؛ يدخل بما رآه وسمعه، وبمشاعر وأسئلة قد لا يعرف كيف يعبّر عنها. وهذا الجيل عاش خلال سنوات قليلة جائحة عالمية، وتسارعاً تقنياً غير مسبوق، وتوسعاً سريعاً في استخدام الذكاء الاصطناعي، وأحداثاً استثنائية تصل تفاصيلها إليه لحظة وقوعها. لذلك أصبحت صحته النفسية وشعوره بالأمان وقدرته على التعامل مع القلق والتغيير جزءاً أصيلاً من جودة التعليم.
وهنا تزداد مسؤولية المعلم، وتزداد معها حاجته إلى الدعم. نطمح إلى معلم يمنح الطالب الأولوية؛ يلاحظ تغير سلوكه قبل أن يسجل تراجع درجته، ويبحث عن قدرته قبل أن يحصي أخطاءه، ويمنحه مساحة ليسأل ويجرب ويخطئ ويتعلم. فالطالب قد ينسى كثيراً مما ورد في كتاب، لكنه يصعب أن ينسى معلماً اكتشف فيه شيئاً لم يكن يراه في نفسه.
وفي المقابل، لا يمكن أن ننتظر من المعلم حضوراً كاملاً مع طلبته إذا استنزفت الإجراءات والمتطلبات وقته وطاقته. وكل تدريب نوعي نقدمه له، وكل أداة تساعده على فهم احتياجات طلبته، وكل مساحة نعيدها إليه ليكون أقرب منهم، يصل أثرها في النهاية إلى الطالب.
والمسؤولية لا تقف عند المدرسة والمعلم؛ فالأسرة هي الحاضن الأول والأطول أثراً. وربما حان الوقت لأن يتغير حتى السؤال الذي نستقبل به أبناءنا بعد عودتهم من المدرسة. بدلاً من أن يكون سؤالنا الأول دائماً: كم حصلت؟ لماذا لا نسأل: ماذا تعلمت اليوم؟ ماذا فهمت؟ وما الذي جعلك تفكر بطريقة مختلفة؟
فأحياناً، يكشف تغيير السؤال عن تغيير أعمق في فهمنا للتعليم نفسه؛ من الانشغال بالنتيجة إلى الاهتمام بما يحدث داخل عقل الطالب وشخصيته.
ويستحق مفهوم التفوق أن يتسع هو الآخر. فالعالم الذي سيدخله أبناؤنا لن يكافئ الحفظ وحده. سيحتاج إلى عقول تعرف كيف تسأل وتتحقق، وتميز بين المعلومة والادعاء، وتستخدم الذكاء الاصطناعي من دون أن تسلمه مهمة التفكير، وتتعامل مع الفشل من دون أن تنكسر أمامه، وتختلف من دون أن تفقد احترامها للآخر، وتحمل هويتها وقيمها وانتماءها إلى الوطن وسط عالم سريع التغير.
لذلك، ربما لا يكون السؤال الأهم كيف ستكون نتائج طلبة البحرين في نهاية هذا العام، وإنما: من سيكون هؤلاء الأبناء في عام 2046؟
يومها سيهمنا الإنسان الذي أسهم تعليم اليوم في تكوينه؛ هل سيكون مستقلاً في تفكيره، متوازناً في شخصيته، قادراً على التكيف وصناعة الحلول، راسخاً في قيمه وانتمائه لوطنه؟
وهنا أعود إلى تطلع جلالة الملك الى أبنائه بعام «مميز حافل بالتفوق والإنجاز». فالتطلع كبير، ومسؤولية تحويله إلى واقع لا تقع على الطالب وحده.
إنها مسؤوليتنا جميعاً؛ أن نصنع اليوم تعليماً يهيئ أبناء البحرين لا لاختبار نهاية العام فقط، وإنما لمستقبل وطن كامل.
فالتفوق الذي يتطلع إليه جلالة الملك يبدأ من إنسان نبنيه اليوم ليكون غداً على قدر البحرين وطموحها.
مهتمة بالحوكمة وتطوير الأداء المؤسسي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك