تُعد البلديات إحدى أهم الجهات المرتبطة بالحياة اليومية للمواطنين والمقيمين، فهي ليست مجرد جهة لإصدار التراخيص أو متابعة المخالفات، بل هي شريك أساسي في تنظيم المدن والمحافظة على جمالها وهويتها العمرانية وجودة الحياة فيها. ومن هنا تأتي أهمية وضوح القوانين والإجراءات، لأن القانون عندما يكون معروفاً للجميع يصبح تطبيقه أكثر عدلاً وفاعلية.
إن الخطوة التي تقوم بها بلدية المحرق مشكورة في نشر القوانين والاشتراطات والأنظمة للناس تمثل توجهاً إيجابياً وحضارياً، فالمواطن والمستثمر يحتاجان إلى معرفة ما هو مسموح وما هو مخالف قبل البدء بأي مشروع أو تغيير في استخدام العقار. فالشفافية في نشر الأنظمة لا تحمي فقط الجهة الحكومية، بل تحمي أيضاً أصحاب العقارات والمستثمرين من الوقوع في مخالفات غير مقصودة.
ومن الأمثلة المهمة على ذلك نشر الاشتراطات المتعلقة باستخدام الكراجات وعدم تحويلها إلى استخدامات أخرى تخالف الغرض الأساسي منها، مثل تحويلها إلى مجالس، أو ورش صيانة، أو جلسات خارجية، أو مخازن، على حساب الوظيفة الأساسية للكراج وهي توفير مواقف للمركبات داخل حدود العقار.
إن هذه الممارسات أصبحت تؤثر بشكل مباشر على الحياة اليومية في العديد من المناطق السكنية، حيث تحولت بعض الشوارع إلى ساحات لوقوف السيارات بسبب فقدان المواقف الخاصة بالمنازل. فالشارع الذي صُمم بمسارين قد يتحول عملياً إلى مسار واحد بسبب وقوف المركبات على الأرصفة أو أمام منازل الجيران، ما يسبب ازدحاماً ومشكلات اجتماعية بين الأهالي.
وقد أصبحت هذه الظاهرة سبباً في زيادة الخلافات والشكاوى بين الجيران بسبب إغلاق المداخل أو الاستحواذ على المواقف العامة، ووصلت بعض الخلافات في مجتمعات مختلفة إلى مستويات مؤسفة بسبب النزاع على مواقف السيارات، مما يؤكد أن الموضوع ليس مجرد مخالفة بل أصبح مرتبطاً بجودة الحياة والسلم المجتمعي.
وفي مناطق عديدة، ومنها بعض المجمعات السكنية في المحافظة الشمالية والمناطق ذات الكثافة السكانية العالية، نرى الحاجة إلى رقابة مستمرة على تحويل الكراجات إلى استخدامات أخرى، خصوصاً عندما يؤدي ذلك إلى خروج عدد كبير من المركبات إلى الشارع العام.
فبعض المنازل التي صُممت بحيث توفر مواقف داخلية لسيارتين أو أكثر، يتم تغيير استخدام هذه المساحات، ثم تُنقل المركبات إلى الأرصفة والطرق العامة. ومع زيادة عدد أفراد الأسرة وامتلاك كل فرد مركبة، قد يصل الأمر إلى وجود أربع أو خمس سيارات أمام منزل واحد، مما يضغط على البنية التحتية للشوارع ويؤثر على حق الآخرين في استخدام المرافق العامة.
كما أن بعض الممارسات الأخرى، مثل زراعة أجزاء من الأرصفة العامة أو استغلالها كمساحات خاصة أمام المنازل، تحتاج إلى توعية ورقابة، لأن الرصيف حق عام مخصص للمشاة وليس امتداداً للعقار الخاص.
إن نشر القوانين يجب أن يكون مرتبطاً بتطبيقها على الجميع دون استثناء، لأن هيبة القانون تأتي من العدالة في التنفيذ. فعندما يرى المجتمع أن الأنظمة تطبق بشكل موحد على الجميع، فإن ذلك يعزز الثقة بالجهات التنظيمية ويقلل من المخالفات.
ولا يقتصر دور البلدية على تحرير المخالفات فقط، بل يبدأ بالتثقيف والتوعية، ثم المتابعة، وبعدها تطبيق الإجراءات القانونية عند الحاجة. فالكثير من المخالفات قد تكون نتيجة عدم معرفة البعض بالأنظمة، ولذلك فإن نشر القوانين عبر المنصات الإلكترونية ووسائل التواصل أصبح ضرورة في العصر الحالي.
إن المرحلة القادمة تتطلب استمرار نهج نشر القوانين وتحديثها إلكترونياً، خصوصاً في زمن أصبحت فيه التقنية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي توفر المعلومات القانونية بسرعة كبيرة. فكلما كانت الأنظمة واضحة ومتاحة للجميع، قلت مساحة الاجتهادات الخاطئة وزادت كفاءة العمل البلدي.
إن بلدية المحرق، وكذلك البلديات الأخرى في مملكة البحرين، أمام مسؤولية مهمة في المحافظة على النظام العمراني وتحقيق التوازن بين احتياجات السكان والمحافظة على المظهر الحضري للمدن. فالقانون عندما يُنشر بوضوح ويُطبق بعدالة لا يكون عائقاً أمام التطوير، بل يكون أساساً لمدينة منظمة وآمنة وجاذبة للعيش والاستثمار.
فالمجتمع لا يحتاج فقط إلى قوانين جيدة، بل يحتاج إلى معرفة هذه القوانين والثقة بأن تطبيقها سيكون عادلاً على الجميع.
* الرئيس التنفيذي لمجموعة الفاتح.
Jasim@alfateh.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك