العدد : ١٧٦٩٢ - الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٢ - الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

حين تموّل المصارف الاقتصاد الاستهلاكي الخليجي

{ بقلم: عدنان أحمد يوسف.

الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تعد‭ ‬القروض‭ ‬الشخصية‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬لتمويل‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الاستثنائية،‭ ‬كشراء‭ ‬منزل‭ ‬أو‭ ‬سيارة،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬جزءاً‭ ‬مؤثراً‭ ‬في‭ ‬تمويل‭ ‬نمط‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية‭ ‬للأسر‭. ‬ومع‭ ‬توسع‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬السفر‭ ‬والترفيه‭ ‬والتقنيات‭ ‬الحديثة‭ ‬والمطاعم‭ ‬والمناسبات،‭ ‬تحوّل‭ ‬الائتمان‭ ‬المصرفي‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬أحد‭ ‬المحركات‭ ‬الأساسية‭ ‬للاستهلاك‭ ‬الخاص،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬آثار‭ ‬إيجابية‭ ‬في‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬ومخاطر‭ ‬على‭ ‬الادخار‭ ‬والميزان‭ ‬التجاري‭.‬

وتشير‭ ‬أحدث‭ ‬البيانات‭ ‬المتاحة‭ ‬للمصارف‭ ‬المركزية‭ ‬الخليجية،‭ ‬مع‭ ‬اختلاف‭ ‬تعريف‭ ‬القروض‭ ‬الشخصية‭ ‬بين‭ ‬دولة‭ ‬وأخرى،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إجمالي‭ ‬الائتمان‭ ‬الممنوح‭ ‬للأفراد‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬يتجاوز‭ ‬400‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭. ‬ففي‭ ‬السعودية‭ ‬يقترب‭ ‬رصيد‭ ‬القروض‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬وبطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬من‭ ‬530‭ ‬مليار‭ ‬ريال،‭ ‬بينما‭ ‬تجاوزت‭ ‬القروض‭ ‬المقدمة‭ ‬للأفراد‭ ‬في‭ ‬الإمارات‭ ‬500‭ ‬مليار‭ ‬درهم‭. ‬وفي‭ ‬الكويت‭ ‬تبلغ‭ ‬التسهيلات‭ ‬الشخصية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬القروض‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬والإسكانية،‭ ‬قرابة‭ ‬19‭ ‬مليار‭ ‬دينار،‭ ‬وفي‭ ‬قطر‭ ‬تقترب‭ ‬القروض‭ ‬الاستهلاكية‭ ‬الممنوحة‭ ‬للمواطنين‭ ‬والمقيمين‭ ‬من‭ ‬180‭ ‬مليار‭ ‬ريال‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬تتجاوز‭ ‬التسهيلات‭ ‬الشخصية‭ ‬6‭ ‬مليارات‭ ‬دينار،‭ ‬وفي‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬تتجاوز‭ ‬القروض‭ ‬الشخصية‭ ‬9‭ ‬مليارات‭ ‬ريال‭ ‬عُماني‭.‬

ولا‭ ‬يمكن‭ ‬جمع‭ ‬هذه‭ ‬الأرقام‭ ‬ومقارنتها‭ ‬بصورة‭ ‬مطلقة،‭ ‬لأن‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬تدرج‭ ‬التمويل‭ ‬السكني‭ ‬ضمن‭ ‬قروض‭ ‬الأفراد،‭ ‬بينما‭ ‬تفصله‭ ‬دول‭ ‬أخرى‭ ‬عن‭ ‬القروض‭ ‬الاستهلاكية‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تكشف‭ ‬الأرقام‭ ‬عن‭ ‬الحجم‭ ‬الكبير‭ ‬والمتنامي‭ ‬للائتمان‭ ‬الشخصي،‭ ‬وعن‭ ‬استمراره‭ ‬في‭ ‬الارتفاع‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الماضية،‭ ‬وإن‭ ‬تفاوتت‭ ‬معدلات‭ ‬نموه‭ ‬من‭ ‬دولة‭ ‬إلى‭ ‬أخرى‭.‬

ويستحوذ‭ ‬السكن‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬الحصة‭ ‬الكبرى‭ ‬من‭ ‬مديونية‭ ‬الأفراد،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬والكويت‭ ‬وعُمان،‭ ‬يليه‭ ‬تمويل‭ ‬السيارات،‭ ‬ثم‭ ‬الأثاث‭ ‬والسلع‭ ‬المعمرة‭ ‬وبطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬والتعليم‭ ‬والعلاج‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬جانباً‭ ‬متزايداً‭ ‬من‭ ‬التمويل‭ ‬يندرج‭ ‬تحت‭ ‬بند‭ ‬‮«‬أغراض‭ ‬أخرى‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬تصنيف‭ ‬واسع‭ ‬يشمل‭ ‬السفر‭ ‬والمناسبات‭ ‬والخدمات‭ ‬والاستهلاك‭ ‬اليومي‭ ‬وإعادة‭ ‬جدولة‭ ‬الالتزامات‭ ‬السابقة‭. ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬بيانات‭ ‬أكثر‭ ‬تفصيلاً‭ ‬تكشف‭ ‬بدقة‭ ‬أين‭ ‬تذهب‭ ‬أموال‭ ‬القروض‭ ‬الشخصية‭.‬

ولا‭ ‬يعني‭ ‬نمو‭ ‬هذه‭ ‬القروض‭ ‬بالضرورة‭ ‬أن‭ ‬المواطن‭ ‬الخليجي‭ ‬أصبح‭ ‬أكثر‭ ‬إسرافاً‭ ‬بصورة‭ ‬مطلقة؛‭ ‬فالسكان‭ ‬ازدادوا،‭ ‬والأسعار‭ ‬ارتفعت،‭ ‬وتوسعت‭ ‬المدن‭ ‬وارتفعت‭ ‬تكاليف‭ ‬السكن‭ ‬والتعليم‭ ‬والنقل‭. ‬لكن‭ ‬استمرار‭ ‬نمو‭ ‬الائتمان‭ ‬الشخصي‭ ‬بوتيرة‭ ‬تفوق‭ ‬أحياناً‭ ‬نمو‭ ‬الدخول‭ ‬يعكس‭ ‬أيضاً‭ ‬تغيراً‭ ‬في‭ ‬العادات‭ ‬الاجتماعية‭. ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬السفر‭ ‬الدوري،‭ ‬والترفيه‭ ‬العائلي،‭ ‬واقتناء‭ ‬الهواتف‭ ‬والأجهزة‭ ‬الحديثة،‭ ‬وتناول‭ ‬الطعام‭ ‬خارج‭ ‬المنزل،‭ ‬والاشتراك‭ ‬في‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية،‭ ‬جزءاً‭ ‬طبيعياً‭ ‬من‭ ‬نمط‭ ‬الحياة،‭ ‬لا‭ ‬إنفاقاً‭ ‬استثنائياً‭ ‬كما‭ ‬كان‭ ‬قبل‭ ‬عقدين‭.‬

وقد‭ ‬عززت‭ ‬تطبيقات‭ ‬الدفع‭ ‬الرقمي‭ ‬وبطاقات‭ ‬الائتمان‭ ‬وبرامج‭ ‬‮«‬اشتر‭ ‬الآن‭ ‬وادفع‭ ‬لاحقاً‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬التحول،‭ ‬لأنها‭ ‬تفصل‭ ‬لحظة‭ ‬الاستهلاك‭ ‬عن‭ ‬لحظة‭ ‬الدفع،‭ ‬وتجعل‭ ‬قرار‭ ‬الشراء‭ ‬أسرع‭ ‬وأقل‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالنقد‭ ‬المتاح‭ ‬فعلياً‭. ‬وهكذا‭ ‬لا‭ ‬تمول‭ ‬القروض‭ ‬شراء‭ ‬الأصول‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬تمول‭ ‬بصورة‭ ‬متزايدة‭ ‬التجارب‭ ‬والخدمات‭ ‬وأنماط‭ ‬الحياة‭.‬

اقتصادياً،‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬الإنفاق‭ ‬إلى‭ ‬تنشيط‭ ‬التجارة‭ ‬والمطاعم‭ ‬والسياحة‭ ‬والنقل‭ ‬والخدمات،‭ ‬ويدعم‭ ‬أرباح‭ ‬المصارف‭ ‬والشركات‭ ‬ويوفر‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭. ‬ويمثل‭ ‬الاستهلاك‭ ‬العائلي‭ ‬في‭ ‬المتوسط‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬35‭% ‬إلى‭ ‬45‭% ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬في‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬وإن‭ ‬تنخفض‭ ‬النسبة‭ ‬في‭ ‬الاقتصادات‭ ‬التي‭ ‬يهيمن‭ ‬عليها‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭.‬

لكن‭ ‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬جزءاً‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬الطلب‭ ‬الاستهلاكي‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬سلع‭ ‬مستوردة،‭ ‬من‭ ‬السيارات‭ ‬والهواتف‭ ‬والأجهزة‭ ‬المنزلية‭ ‬إلى‭ ‬الملابس‭ ‬والأغذية‭. ‬ولذلك‭ ‬تمول‭ ‬القروض‭ ‬دورة‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬المصرف‭ ‬المحلي،‭ ‬لكنها‭ ‬تنتهي‭ ‬أحياناً‭ ‬لدى‭ ‬منتج‭ ‬أجنبي‭. ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬ذلك‭ ‬بالضرورة‭ ‬حدوث‭ ‬عجز‭ ‬في‭ ‬الميزان‭ ‬التجاري‭ ‬الكلي،‭ ‬لأن‭ ‬الصادرات‭ ‬النفطية‭ ‬تمنح‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭ ‬فوائض‭ ‬كبيرة،‭ ‬لكنه‭ ‬يوسع‭ ‬عجز‭ ‬التجارة‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬ويجعل‭ ‬الاستهلاك‭ ‬أكثر‭ ‬ارتباطاً‭ ‬بالاستيراد‭.‬

المطلوب‭ ‬ليس‭ ‬تقييد‭ ‬القروض‭ ‬أو‭ ‬حجر‭ ‬الترفيه،‭ ‬فقد‭ ‬أصبح‭ ‬الترفيه‭ ‬صناعة‭ ‬ضرورية‭ ‬لجودة‭ ‬الحياة‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الحديث،‭ ‬وإنما‭ ‬توجيه‭ ‬جانب‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬الإنفاق‭ ‬نحو‭ ‬منتجات‭ ‬وخدمات‭ ‬محلية،‭ ‬وتشديد‭ ‬ضوابط‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬السداد،‭ ‬ورفع‭ ‬الثقافة‭ ‬المالية،‭ ‬وتحسين‭ ‬الإفصاح‭ ‬عن‭ ‬أغراض‭ ‬القروض‭. ‬والأهم‭ ‬بناء‭ ‬قطاعات‭ ‬إنتاجية‭ ‬خليجية‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬القوة‭ ‬الشرائية‭ ‬المحلية؛‭ ‬حتى‭ ‬يتحول‭ ‬نمو‭ ‬الاستهلاك‭ ‬من‭ ‬قناة‭ ‬لزيادة‭ ‬الواردات‭ ‬والمديونية‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬للإنتاج‭ ‬والاستثمار‭ ‬وفرص‭ ‬العمل‭ ‬داخل‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا