لم تعد القروض الشخصية في دول الخليج العربي مجرد وسيلة لتمويل الاحتياجات الاستثنائية، كشراء منزل أو سيارة، بل أصبحت جزءاً مؤثراً في تمويل نمط الحياة اليومية للأسر. ومع توسع الإنفاق على السفر والترفيه والتقنيات الحديثة والمطاعم والمناسبات، تحوّل الائتمان المصرفي تدريجياً إلى أحد المحركات الأساسية للاستهلاك الخاص، بما يحمله ذلك من آثار إيجابية في النشاط الاقتصادي، ومخاطر على الادخار والميزان التجاري.
وتشير أحدث البيانات المتاحة للمصارف المركزية الخليجية، مع اختلاف تعريف القروض الشخصية بين دولة وأخرى، إلى أن إجمالي الائتمان الممنوح للأفراد في دول مجلس التعاون يتجاوز 400 مليار دولار. ففي السعودية يقترب رصيد القروض الاستهلاكية وبطاقات الائتمان من 530 مليار ريال، بينما تجاوزت القروض المقدمة للأفراد في الإمارات 500 مليار درهم. وفي الكويت تبلغ التسهيلات الشخصية، بما فيها القروض الاستهلاكية والإسكانية، قرابة 19 مليار دينار، وفي قطر تقترب القروض الاستهلاكية الممنوحة للمواطنين والمقيمين من 180 مليار ريال. أما في البحرين تتجاوز التسهيلات الشخصية 6 مليارات دينار، وفي سلطنة عُمان تتجاوز القروض الشخصية 9 مليارات ريال عُماني.
ولا يمكن جمع هذه الأرقام ومقارنتها بصورة مطلقة، لأن بعض الدول تدرج التمويل السكني ضمن قروض الأفراد، بينما تفصله دول أخرى عن القروض الاستهلاكية. ومع ذلك، تكشف الأرقام عن الحجم الكبير والمتنامي للائتمان الشخصي، وعن استمراره في الارتفاع خلال السنوات الماضية، وإن تفاوتت معدلات نموه من دولة إلى أخرى.
ويستحوذ السكن عادة على الحصة الكبرى من مديونية الأفراد، وخاصة في البحرين والكويت وعُمان، يليه تمويل السيارات، ثم الأثاث والسلع المعمرة وبطاقات الائتمان والتعليم والعلاج. غير أن جانباً متزايداً من التمويل يندرج تحت بند «أغراض أخرى»، وهو تصنيف واسع يشمل السفر والمناسبات والخدمات والاستهلاك اليومي وإعادة جدولة الالتزامات السابقة. ومن هنا تظهر الحاجة إلى نشر بيانات أكثر تفصيلاً تكشف بدقة أين تذهب أموال القروض الشخصية.
ولا يعني نمو هذه القروض بالضرورة أن المواطن الخليجي أصبح أكثر إسرافاً بصورة مطلقة؛ فالسكان ازدادوا، والأسعار ارتفعت، وتوسعت المدن وارتفعت تكاليف السكن والتعليم والنقل. لكن استمرار نمو الائتمان الشخصي بوتيرة تفوق أحياناً نمو الدخول يعكس أيضاً تغيراً في العادات الاجتماعية. فقد أصبح السفر الدوري، والترفيه العائلي، واقتناء الهواتف والأجهزة الحديثة، وتناول الطعام خارج المنزل، والاشتراك في المنصات الرقمية، جزءاً طبيعياً من نمط الحياة، لا إنفاقاً استثنائياً كما كان قبل عقدين.
وقد عززت تطبيقات الدفع الرقمي وبطاقات الائتمان وبرامج «اشتر الآن وادفع لاحقاً» هذا التحول، لأنها تفصل لحظة الاستهلاك عن لحظة الدفع، وتجعل قرار الشراء أسرع وأقل ارتباطاً بالنقد المتاح فعلياً. وهكذا لا تمول القروض شراء الأصول فقط، بل تمول بصورة متزايدة التجارب والخدمات وأنماط الحياة.
اقتصادياً، يؤدي هذا الإنفاق إلى تنشيط التجارة والمطاعم والسياحة والنقل والخدمات، ويدعم أرباح المصارف والشركات ويوفر فرص عمل. ويمثل الاستهلاك العائلي في المتوسط ما يقارب 35% إلى 45% من الناتج المحلي في معظم دول الخليج العربي، وإن تنخفض النسبة في الاقتصادات التي يهيمن عليها النفط والغاز.
لكن المشكلة أن جزءاً كبيراً من الطلب الاستهلاكي يتجه نحو سلع مستوردة، من السيارات والهواتف والأجهزة المنزلية إلى الملابس والأغذية. ولذلك تمول القروض دورة تبدأ من المصرف المحلي، لكنها تنتهي أحياناً لدى منتج أجنبي. ولا يعني ذلك بالضرورة حدوث عجز في الميزان التجاري الكلي، لأن الصادرات النفطية تمنح عدداً من الدول الخليجية فوائض كبيرة، لكنه يوسع عجز التجارة غير النفطية ويجعل الاستهلاك أكثر ارتباطاً بالاستيراد.
المطلوب ليس تقييد القروض أو حجر الترفيه، فقد أصبح الترفيه صناعة ضرورية لجودة الحياة والاقتصاد الحديث، وإنما توجيه جانب أكبر من الإنفاق نحو منتجات وخدمات محلية، وتشديد ضوابط القدرة على السداد، ورفع الثقافة المالية، وتحسين الإفصاح عن أغراض القروض. والأهم بناء قطاعات إنتاجية خليجية تستفيد من القوة الشرائية المحلية؛ حتى يتحول نمو الاستهلاك من قناة لزيادة الواردات والمديونية إلى محرك للإنتاج والاستثمار وفرص العمل داخل الخليج العربي.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك