كانت الشهرة يومًا واحدة من بين أمنياتي الجميلة والعظيمة وأقولها اليوم بلا خجل، فقد كنت أراها من بعيد كحلم واسع، لا كأضواء وعدسات وتصفيق فقط، بل كفرصة لأن يصل صوتي إلى أبعد مما تستطيع خطواتي أن تصل إليه.
رأيتني ذات يوم فنانة، أقف أمام جمهور كبير، وأشعر أنني أقول شيئًا من داخلي فيصغي إليه الآخرون. ورأيتني ذات يوم كاتبة، أضع اسمي على غلاف كتاب، وأترك بين صفحاته شيئًا من قلبي وعقلي. ورأيتني في أحيان أخرى أمام الكاميرا، أحاور الناس، وأبحث خلف إجاباتهم عن حكاياتهم الحقيقية.
كانت أحلامي كثيرة، وكانت الشهرة تبدو لي يومها كأنها الطريق الذي سيجمعها كلها.
ثم مضت السنوات، وتبدلت الأشياء.
لم أصبح تلك الفنانة التي تخيلتها، ولم أقف في المكان الذي رسمته لنفسي وأنا صغيرة، لكنني وجدتني أكتب. ثم وجدتني أحاور. وجدتني أقترب من الناس بطريقة أخرى؛ أفتش عن الإنسان خلف الصورة، وعن الحكاية خلف الخبر، وعن الخوف الذي يخفيه المشهور خلف ابتسامته، وعن الأشياء التي لا تقولها الكاميرا.
واكتشفت أنني ربما لم أكن أريد الشهرة لذاتها.
كنت أريد أن يصل شيء مني.
كنت أريد للكلمة أن تصل، وللفكرة أن تعبر، وللحكاية أن تجد من يصغي إليها. كنت أريد أن أترك شيئًا يشبهني في حياة الآخرين، حتى لو كان صغيرًا.
ومن هنا بدأت علاقتي بالشهرة تتغير.
لم أعد أسأل فقط: ماذا لو أصبحت مشهورة؟
بل صرت أتساءل: ماذا لو أصبحت مشهورة فعلًا، ثم لم أترك أثرًا؟
أخشى تلك الشهرة التي تجعل الناس يعرفون اسمي، ويتذكرون وجهي، ويتابعون أخباري، ثم يعجزون بعد سنوات عن تذكر شيء واحد تركته لهم.
كم من مشهور ملأ الدنيا حضورًا، ثم غاب حين جاء غيره؟
وكم من وجه تصدّر الشاشات، واحتل العناوين، وامتلأت منصات التواصل بصوره، ثم تراجع إلى هامش الذاكرة، حتى أصبح الناس يتذكرون شكله أكثر مما يتذكرون ما قدمه؟
لا أقول ذلك انتقاصًا من أحد. فالشهرة ليست عيبًا، كما أن الغياب عن الضوء ليس فضيلة.
لكن الشهرة وحدها لا تجيب عن السؤال الذي يهمني.
ماذا تركت؟
فقد يعرفك الملايين ولا يعرفونك حقًا. وقد يحفظ الناس اسمك دون أن يحملوا فكرة واحدة منك. وقد تكون حاضرًا كل يوم في شاشاتهم، ثم تمر سنوات على غيابك فلا يشعر أحد بأن شيئًا جوهريًا قد غاب.
وهنا تحديدًا أخشى الشهرة.
أخشى أن أصبح معروفة أكثر مما أكون مؤثرة. أن تصبح صورتي أشهر من كلمتي، وأن يصبح اسمي أكبر من العمل الذي أقدمه.
لذلك، إن أصبحت مشهورة يومًا، أتمنى ألا تكون الشهرة هي الحكاية كلها.
أتمنى أن تكون شهرتي وسيلة تصل من خلالها كلماتي إلى الناس.
أن يتذكرني قارئ لأنه وجد في مقال كتبته شيئًا يشبهه. وأن يتذكرني شخص لأن حوارًا معي فتح له سؤالًا جديدًا. وأن يتذكرني آخر لأنني منحته، ولو للحظة، شعورًا بأنه مفهوم ومسموع.
ربما عندها فقط سأشعر أن أمنيتي القديمة لم تكن مجرد رغبة في أن يراني الناس.
كنت أريد أن أُرى، نعم.
لكنني كنت أريد أيضًا أن أترك شيئًا بعد أن يروني.
فالشهرة تجعل اسمك معروفًا، أما الأثر فيمنح هذا الاسم معنى.
ولهذا ما زلت أقول:
أردت أن أصبح مشهورة..
لكنني أخشى أكثر من أي شيء آخر أن أصبح مشهورة، ثم أكتشف أن كل ما بقي مني هو اسمي.
ما أقسى أن يعرف الناس من كنت، ولا يعرفون ماذا تركت.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك