العدد : ١٧٦٩٢ - الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٢ - الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

نجوم تحت الأضواء:
أردت أن أصبح مشهورة..

{ بقلم: فاطمة اليوسف.Fatema.y.Alyusuf@gmail.com

الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

كانت‭ ‬الشهرة‭ ‬يومًا‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أمنياتي‭ ‬الجميلة‭ ‬والعظيمة‭ ‬وأقولها‭ ‬اليوم‭ ‬بلا‭ ‬خجل،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬أراها‭ ‬من‭ ‬بعيد‭ ‬كحلم‭ ‬واسع،‭ ‬لا‭ ‬كأضواء‭ ‬وعدسات‭ ‬وتصفيق‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كفرصة‭ ‬لأن‭ ‬يصل‭ ‬صوتي‭ ‬إلى‭ ‬أبعد‭ ‬مما‭ ‬تستطيع‭ ‬خطواتي‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬إليه‭.‬

رأيتني‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬فنانة،‭ ‬أقف‭ ‬أمام‭ ‬جمهور‭ ‬كبير،‭ ‬وأشعر‭ ‬أنني‭ ‬أقول‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬داخلي‭ ‬فيصغي‭ ‬إليه‭ ‬الآخرون‭. ‬ورأيتني‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬كاتبة،‭ ‬أضع‭ ‬اسمي‭ ‬على‭ ‬غلاف‭ ‬كتاب،‭ ‬وأترك‭ ‬بين‭ ‬صفحاته‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬قلبي‭ ‬وعقلي‭. ‬ورأيتني‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬أخرى‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرا،‭ ‬أحاور‭ ‬الناس،‭ ‬وأبحث‭ ‬خلف‭ ‬إجاباتهم‭ ‬عن‭ ‬حكاياتهم‭ ‬الحقيقية‭.‬

كانت‭ ‬أحلامي‭ ‬كثيرة،‭ ‬وكانت‭ ‬الشهرة‭ ‬تبدو‭ ‬لي‭ ‬يومها‭ ‬كأنها‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬سيجمعها‭ ‬كلها‭.‬

ثم‭ ‬مضت‭ ‬السنوات،‭ ‬وتبدلت‭ ‬الأشياء‭.‬

لم‭ ‬أصبح‭ ‬تلك‭ ‬الفنانة‭ ‬التي‭ ‬تخيلتها،‭ ‬ولم‭ ‬أقف‭ ‬في‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬رسمته‭ ‬لنفسي‭ ‬وأنا‭ ‬صغيرة،‭ ‬لكنني‭ ‬وجدتني‭ ‬أكتب‭. ‬ثم‭ ‬وجدتني‭ ‬أحاور‭. ‬وجدتني‭ ‬أقترب‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬بطريقة‭ ‬أخرى؛‭ ‬أفتش‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬خلف‭ ‬الصورة،‭ ‬وعن‭ ‬الحكاية‭ ‬خلف‭ ‬الخبر،‭ ‬وعن‭ ‬الخوف‭ ‬الذي‭ ‬يخفيه‭ ‬المشهور‭ ‬خلف‭ ‬ابتسامته،‭ ‬وعن‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تقولها‭ ‬الكاميرا‭.‬

واكتشفت‭ ‬أنني‭ ‬ربما‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أريد‭ ‬الشهرة‭ ‬لذاتها‭.‬

كنت‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬شيء‭ ‬مني‭.‬

كنت‭ ‬أريد‭ ‬للكلمة‭ ‬أن‭ ‬تصل،‭ ‬وللفكرة‭ ‬أن‭ ‬تعبر،‭ ‬وللحكاية‭ ‬أن‭ ‬تجد‭ ‬من‭ ‬يصغي‭ ‬إليها‭. ‬كنت‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أترك‭ ‬شيئًا‭ ‬يشبهني‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬الآخرين،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬صغيرًا‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬بدأت‭ ‬علاقتي‭ ‬بالشهرة‭ ‬تتغير‭.‬

لم‭ ‬أعد‭ ‬أسأل‭ ‬فقط‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬أصبحت‭ ‬مشهورة؟

بل‭ ‬صرت‭ ‬أتساءل‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬أصبحت‭ ‬مشهورة‭ ‬فعلًا،‭ ‬ثم‭ ‬لم‭ ‬أترك‭ ‬أثرًا؟

أخشى‭ ‬تلك‭ ‬الشهرة‭ ‬التي‭ ‬تجعل‭ ‬الناس‭ ‬يعرفون‭ ‬اسمي،‭ ‬ويتذكرون‭ ‬وجهي،‭ ‬ويتابعون‭ ‬أخباري،‭ ‬ثم‭ ‬يعجزون‭ ‬بعد‭ ‬سنوات‭ ‬عن‭ ‬تذكر‭ ‬شيء‭ ‬واحد‭ ‬تركته‭ ‬لهم‭.‬

كم‭ ‬من‭ ‬مشهور‭ ‬ملأ‭ ‬الدنيا‭ ‬حضورًا،‭ ‬ثم‭ ‬غاب‭ ‬حين‭ ‬جاء‭ ‬غيره؟

وكم‭ ‬من‭ ‬وجه‭ ‬تصدّر‭ ‬الشاشات،‭ ‬واحتل‭ ‬العناوين،‭ ‬وامتلأت‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬بصوره،‭ ‬ثم‭ ‬تراجع‭ ‬إلى‭ ‬هامش‭ ‬الذاكرة،‭ ‬حتى‭ ‬أصبح‭ ‬الناس‭ ‬يتذكرون‭ ‬شكله‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يتذكرون‭ ‬ما‭ ‬قدمه؟

لا‭ ‬أقول‭ ‬ذلك‭ ‬انتقاصًا‭ ‬من‭ ‬أحد‭. ‬فالشهرة‭ ‬ليست‭ ‬عيبًا،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الغياب‭ ‬عن‭ ‬الضوء‭ ‬ليس‭ ‬فضيلة‭.‬

لكن‭ ‬الشهرة‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تجيب‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يهمني‭.‬

ماذا‭ ‬تركت؟

فقد‭ ‬يعرفك‭ ‬الملايين‭ ‬ولا‭ ‬يعرفونك‭ ‬حقًا‭. ‬وقد‭ ‬يحفظ‭ ‬الناس‭ ‬اسمك‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يحملوا‭ ‬فكرة‭ ‬واحدة‭ ‬منك‭. ‬وقد‭ ‬تكون‭ ‬حاضرًا‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬شاشاتهم،‭ ‬ثم‭ ‬تمر‭ ‬سنوات‭ ‬على‭ ‬غيابك‭ ‬فلا‭ ‬يشعر‭ ‬أحد‭ ‬بأن‭ ‬شيئًا‭ ‬جوهريًا‭ ‬قد‭ ‬غاب‭.‬

وهنا‭ ‬تحديدًا‭ ‬أخشى‭ ‬الشهرة‭.‬

أخشى‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬معروفة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬أكون‭ ‬مؤثرة‭. ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬صورتي‭ ‬أشهر‭ ‬من‭ ‬كلمتي،‭ ‬وأن‭ ‬يصبح‭ ‬اسمي‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬العمل‭ ‬الذي‭ ‬أقدمه‭.‬

لذلك،‭ ‬إن‭ ‬أصبحت‭ ‬مشهورة‭ ‬يومًا،‭ ‬أتمنى‭ ‬ألا‭ ‬تكون‭ ‬الشهرة‭ ‬هي‭ ‬الحكاية‭ ‬كلها‭.‬

أتمنى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬شهرتي‭ ‬وسيلة‭ ‬تصل‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬كلماتي‭ ‬إلى‭ ‬الناس‭.‬

أن‭ ‬يتذكرني‭ ‬قارئ‭ ‬لأنه‭ ‬وجد‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬كتبته‭ ‬شيئًا‭ ‬يشبهه‭. ‬وأن‭ ‬يتذكرني‭ ‬شخص‭ ‬لأن‭ ‬حوارًا‭ ‬معي‭ ‬فتح‭ ‬له‭ ‬سؤالًا‭ ‬جديدًا‭. ‬وأن‭ ‬يتذكرني‭ ‬آخر‭ ‬لأنني‭ ‬منحته،‭ ‬ولو‭ ‬للحظة،‭ ‬شعورًا‭ ‬بأنه‭ ‬مفهوم‭ ‬ومسموع‭.‬

ربما‭ ‬عندها‭ ‬فقط‭ ‬سأشعر‭ ‬أن‭ ‬أمنيتي‭ ‬القديمة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬يراني‭ ‬الناس‭.‬

كنت‭ ‬أريد‭ ‬أن‭ ‬أُرى،‭ ‬نعم‭.‬

لكنني‭ ‬كنت‭ ‬أريد‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬أترك‭ ‬شيئًا‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يروني‭.‬

فالشهرة‭ ‬تجعل‭ ‬اسمك‭ ‬معروفًا،‭ ‬أما‭ ‬الأثر‭ ‬فيمنح‭ ‬هذا‭ ‬الاسم‭ ‬معنى‭.‬

ولهذا‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬أقول‭:‬

أردت‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬مشهورة‭..‬

لكنني‭ ‬أخشى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬أن‭ ‬أصبح‭ ‬مشهورة،‭ ‬ثم‭ ‬أكتشف‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬مني‭ ‬هو‭ ‬اسمي‭.‬

ما‭ ‬أقسى‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬الناس‭ ‬من‭ ‬كنت،‭ ‬ولا‭ ‬يعرفون‭ ‬ماذا‭ ‬تركت‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا