العدد : ١٧٦٩٢ - الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٢ - الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

في عهد ملك قلوبنا حمد
الرسالة المحمدية تُتلى.. وبيوت الله تُعمَر.. وللعالم السلام يُنشَر

بقلم: عيسى بن عبدالرحمن الحمادي

الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

ليست‭ ‬ذكرى‭ ‬المولد‭ ‬النبوي‭ ‬الشريف،‭ ‬مولد‭ ‬سيدنا‭ ‬محمد،‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬في‭ ‬وجدان‭ ‬البحرين‭ ‬يومًا‭ ‬يعبر‭ ‬في‭ ‬التقويم،‭ ‬ولا‭ ‬مناسبةً‭ ‬تُستدعى‭ ‬لها‭ ‬الكلمات‭ ‬ثم‭ ‬تُطوى،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬عهدٌ‭ ‬يتجدّد،‭ ‬ونورٌ‭ ‬يمتدّ،‭ ‬ورسالةٌ‭ ‬تُقرأ‭ ‬في‭ ‬السيرة،‭ ‬وتُرى‭ ‬في‭ ‬المسيرة،‭ ‬وتُسمع‭ ‬في‭ ‬القول،‭ ‬وتُلمس‭ ‬في‭ ‬الفعل‭.‬

ومن‭ ‬هنا‭ ‬جاءت‭ ‬الكلمة‭ ‬السامية‭ ‬لحضرة‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ملك‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬المعظم،‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه،‭ ‬لا‭ ‬خطابًا‭ ‬عابرًا‭ ‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬عطرة،‭ ‬بل‭ ‬بيانًا‭ ‬جامعًا‭ ‬لمعنى‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬حين‭ ‬تكون‭ ‬هديًا‭ ‬لبناء‭ ‬الإنسان،‭ ‬وميزانًا‭ ‬للعدل،‭ ‬ومشكاةً‭ ‬للأخلاق،‭ ‬وسبيلاً‭ ‬إلى‭ ‬السلام‭ ‬والتعايش‭ ‬والتراحم‭. ‬فسيرة‭ ‬المصطفى،‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬كما‭ ‬استحضرها‭ ‬جلالته،‭ ‬ليست‭ ‬حكايةً‭ ‬تُروى،‭ ‬بل‭ ‬قيمةٌ‭ ‬تُعاش؛‭ ‬وليست‭ ‬ذكرى‭ ‬تُستعاد،‭ ‬بل‭ ‬نهجٌ‭ ‬يُقتدى‭ ‬به،‭ ‬وميزانٌ‭ ‬تُقاس‭ ‬به‭ ‬صلة‭ ‬الإنسان‭ ‬بربه،‭ ‬وصلته‭ ‬بوطنه،‭ ‬وصلته‭ ‬بأخيه‭ ‬الإنسان‭.‬

وفي‭ ‬العهد‭ ‬الزاهر‭ ‬لجلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬لم‭ ‬تبقَ‭ ‬هذه‭ ‬المعاني‭ ‬في‭ ‬فضاء‭ ‬الوجدان‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬نزلت‭ ‬إلى‭ ‬أرض‭ ‬العمل،‭ ‬فكان‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم‭ ‬في‭ ‬صدر‭ ‬العناية،‭ ‬وحفظته‭ ‬في‭ ‬موضع‭ ‬التكريم،‭ ‬وعلومه‭ ‬في‭ ‬رحاب‭ ‬الرعاية‭. ‬فمن‭ ‬جائزة‭ ‬البحرين‭ ‬الكبرى‭ ‬للقرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬إلى‭ ‬مصحف‭ ‬البحرين،‭ ‬إلى‭ ‬معهد‭ ‬القراءات‭ ‬وإعداد‭ ‬معلمي‭ ‬القرآن‭ ‬الكريم،‭ ‬إلى‭ ‬المسابقات‭ ‬ومراكز‭ ‬التحفيظ،‭ ‬يتبيّن‭ ‬أن‭ ‬خدمة‭ ‬كتاب‭ ‬الله‭ ‬ليست‭ ‬عملاً‭ ‬موسميًا،‭ ‬بل‭ ‬بناءٌ‭ ‬متصل،‭ ‬وسقيٌ‭ ‬دائم‭ ‬لشجرة‭ ‬الإيمان،‭ ‬حتى‭ ‬ينهض‭ ‬الجيل‭ ‬على‭ ‬تلاوةٍ‭ ‬تُهذّب‭ ‬اللسان،‭ ‬وحفظٍ‭ ‬يُنير‭ ‬الجنان،‭ ‬وفهمٍ‭ ‬يُقوّم‭ ‬السلوك،‭ ‬وعملٍ‭ ‬يُزكي‭ ‬العمران‭.‬

وإذا‭ ‬كان‭ ‬القرآن‭ ‬كتاب‭ ‬هداية،‭ ‬فإن‭ ‬بيوت‭ ‬الله‭ ‬مواضع‭ ‬هذه‭ ‬الهداية‭ ‬ومنائرها؛‭ ‬ولذلك‭ ‬شهدت‭ ‬البحرين‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬وبتوجيهات‭ ‬صاحب‭ ‬السمو‭ ‬الملكي‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬عنايةً‭ ‬ظاهرةً‭ ‬بالمساجد‭ ‬والجوامع،‭ ‬بناءً‭ ‬وترميمًا‭ ‬وتأهيلًا‭. ‬وحسبك‭ ‬من‭ ‬شاهدٍ‭ ‬أن‭ ‬البحرين،‭ ‬تحتضن‭ ‬نحو‭ ‬1389‭ ‬مسجدًا‭ ‬وجامعًا؛‭ ‬بما‭ ‬يناهز‭ ‬مسجدين‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬كيلومتر‭ ‬مربع،‭ ‬حتى‭ ‬غدت‭ ‬بيوت‭ ‬الله‭ ‬في‭ ‬ربوعها‭ ‬مناراتِ‭ ‬ذكرٍ‭ ‬لا‭ ‬تنقطع،‭ ‬وشواهدَ‭ ‬عمرانٍ‭ ‬لا‭ ‬تخبو،‭ ‬ودليلًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العهد‭ ‬الزاهر‭ ‬لم‭ ‬تبقَ‭ ‬معنىً‭ ‬في‭ ‬الصدور،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬نورًا‭ ‬في‭ ‬المساجد،‭ ‬وطمأنينةً‭ ‬في‭ ‬القلوب،‭ ‬ووحدةً‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭.‬

ولم‭ ‬تكن‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬تسامحها،‭ ‬صفحةً‭ ‬مستحدثةً‭ ‬تُكتب‭ ‬على‭ ‬عجل،‭ ‬ولا‭ ‬روايةً‭ ‬تُنسج‭ ‬لتبني‭ ‬تاريخًا‭ ‬لا‭ ‬عمق‭ ‬له؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬منارةٌ‭ ‬أصيلة،‭ ‬عتيقة‭ ‬الجذر،‭ ‬راسخة‭ ‬الأثر،‭ ‬يعرفها‭ ‬الفريج‭ ‬قبل‭ ‬الوثيقة،‭ ‬ويشهد‭ ‬بها‭ ‬الشارع‭ ‬قبل‭ ‬المنبر‭. ‬ففي‭ ‬ربوعها‭ ‬ترى‭ ‬المسجد‭ ‬والكنيسة‭ ‬والكنيس‭ ‬في‭ ‬جوارٍ‭ ‬لا‭ ‬يتنافر،‭ ‬وقربٍ‭ ‬لا‭ ‬يتكلف،‭ ‬وألفةٍ‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إعلان؛‭ ‬كأن‭ ‬المكان‭ ‬يقول‭ ‬لأهله‭ ‬وللعالم‭: ‬هنا‭ ‬تُرفع‭ ‬العبادة‭ ‬إلى‭ ‬الله،‭ ‬وتُحفظ‭ ‬كرامة‭ ‬الإنسان،‭ ‬ويُصان‭ ‬اختلاف‭ ‬الناس‭ ‬بالمحبة‭ ‬لا‭ ‬بالمنازعة،‭ ‬وبالاحترام‭ ‬لا‭ ‬بالمكابرة‭.‬

ومن‭ ‬أجل‭ ‬ذلك‭ ‬امتد‭ ‬النهج‭ ‬الملكي‭ ‬من‭ ‬رعاية‭ ‬القرآن‭ ‬وعمارة‭ ‬المساجد‭ ‬إلى‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬تحمل‭ ‬قيم‭ ‬التعايش‭ ‬إلى‭ ‬العالم‭. ‬فكان‭ ‬مركز‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬العالمي‭ ‬للتعايش‭ ‬والتسامح،‭ ‬وكان‭ ‬إعلان‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬وكانت‭ ‬جائزة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬للتعايش‭ ‬والتسامح،‭ ‬وكان‭ ‬كرسي‭ ‬الحوار‭ ‬بين‭ ‬الأديان،‭ ‬وكانت‭ ‬المبادرات‭ ‬التي‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬البحرين‭ ‬صوتًا‭ ‬للسلام‭ ‬لا‭ ‬صدى،‭ ‬ومنبرًا‭ ‬للحوار‭ ‬لا‭ ‬شعارًا،‭ ‬ورسالةً‭ ‬إنسانيةً‭ ‬لا‭ ‬عبارةً‭ ‬منمقة‭.‬

وهكذا‭ ‬يكتمل‭ ‬المعنى‭: ‬قرآنٌ‭ ‬يُتلى‭ ‬في‭ ‬الصدور،‭ ‬وبيوتٌ‭ ‬تُعمَر‭ ‬بالذكر،‭ ‬وقيمٌ‭ ‬تُبنى‭ ‬بها‭ ‬الجسور‭. ‬إنها‭ ‬ثلاثية‭ ‬الرسالة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭: ‬هدايةٌ‭ ‬تُنير،‭ ‬وعبادةٌ‭ ‬تُطهّر،‭ ‬وتعايشٌ‭ ‬يُثمر‭. ‬ومن‭ ‬جمع‭ ‬هذه‭ ‬الثلاث،‭ ‬فقد‭ ‬أخذ‭ ‬من‭ ‬هدي‭ ‬المصطفى‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬قبسًا‭ ‬لا‭ ‬يخبو،‭ ‬ومن‭ ‬سنته‭ ‬طريقًا‭ ‬لا‭ ‬يضل،‭ ‬ومن‭ ‬أخلاقه‭ ‬ميزانًا‭ ‬لا‭ ‬يجور‭.‬

لقد‭ ‬أراد‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ ‬السامية‭ ‬أن‭ ‬يردّنا‭ ‬إلى‭ ‬أصلٍ‭ ‬جامع‭: ‬أن‭ ‬السيرة‭ ‬النبوية‭ ‬لا‭ ‬تُعظّم‭ ‬بالتغني‭ ‬بها‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬بالاقتداء‭ ‬بها؛‭ ‬وأن‭ ‬حب‭ ‬النبي‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم‭ ‬لا‭ ‬يُصان‭ ‬بالقول‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬بأن‭ ‬نصون‭ ‬الإنسان،‭ ‬ونحفظ‭ ‬الوطن،‭ ‬ونطهّر‭ ‬الكلمة‭ ‬من‭ ‬الفتنة،‭ ‬ونجعل‭ ‬الرحمة‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬الكراهية،‭ ‬والوسطية‭ ‬أرسخ‭ ‬من‭ ‬الغلو،‭ ‬والوحدة‭ ‬أعز‭ ‬من‭ ‬الفرقة‭.‬

وما‭ ‬البحرين،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النهج،‭ ‬إلا‭ ‬شاهدٌ‭ ‬حيّ‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬إذا‭ ‬رسّختها‭ ‬القيادة‭ ‬الراشدة‭ ‬حق‭ ‬رسوخها،‭ ‬صارت‭ ‬أمنًا‭ ‬في‭ ‬الوطن،‭ ‬وطمأنينةً‭ ‬في‭ ‬المجتمع،‭ ‬وعدلًا‭ ‬في‭ ‬التعامل،‭ ‬ورحمةً‭ ‬في‭ ‬الخطاب،‭ ‬وتسامحًا‭ ‬في‭ ‬العالم‭. ‬فهنيئًا‭ ‬لبحرينٍ‭ ‬استلهمت‭ ‬من‭ ‬السيرة‭ ‬هديها،‭ ‬ومن‭ ‬الرسالة‭ ‬قيمها،‭ ‬ومن‭ ‬الإيمان‭ ‬عمرانها،‭ ‬ومن‭ ‬التعايش‭ ‬سلامها،‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬المعنى‭ ‬فيها‭ ‬فعلًا‭ ‬مشهودًا،‭ ‬لا‭ ‬قولًا‭ ‬مردودًا،‭ ‬وأثرًا‭ ‬باقيًا،‭ ‬لا‭ ‬شعارًا‭ ‬عابرًا‭.‬

بتوفيقٍ‭ ‬من‭ ‬الله‭ ‬جلّ‭ ‬شأنه‭ ‬وعظم‭ ‬سلطانه،‭ ‬سيبقى‭ ‬نور‭ ‬رسالة‭ ‬محمد،‭ ‬صلى‭ ‬الله‭ ‬عليه‭ ‬وسلم،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬المباركة‭ ‬هاديًا‭ ‬للقلوب،‭ ‬جامعًا‭ ‬للصفوف،‭ ‬رافعًا‭ ‬للكلمة‭ ‬الطيبة،‭ ‬وبفضل‭ ‬قيادة‭ ‬سيدي‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم‭ ‬ورؤيته،‭ ‬ستظل‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين‭ ‬تقتبس‭ ‬من‭ ‬نور‭ ‬هداية‭ ‬الرسالة‭ ‬المحمدية‭ ‬صفاءَ‭ ‬مقصدها،‭ ‬وسماحةَ‭ ‬نهجها،‭ ‬وعدلَ‭ ‬ميزانها؛‭ ‬فتجعل‭ ‬من‭ ‬الإيمان‭ ‬عمرانًا،‭ ‬ومن‭ ‬الأخلاق‭ ‬أمانًا،‭ ‬ومن‭ ‬الرحمة‭ ‬سبيلًا،‭ ‬ومن‭ ‬التعايش‭ ‬دليلًا،‭ ‬حتى‭ ‬تبقى‭ ‬البحرين‭ ‬كما‭ ‬أرادها‭ ‬جلالته‭ ‬دارَ‭ ‬محبةٍ‭ ‬وسلام،‭ ‬وموطنَ‭ ‬هُدًى‭ ‬ووئامٍ،‭ ‬وواحةَ‭ ‬خيرٍ‭ ‬لا‭ ‬ينقطع‭ ‬مددُها،‭ ‬ولا‭ ‬يخبو‭ ‬سراجُها،‭ ‬ولا‭ ‬يضعف‭ ‬في‭ ‬القلوب‭ ‬عهدُها‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا