في زمن تستطيع فيه التطبيقات أن تقرأ للطفل، وتشرح له معاني الكلمات، وتضيء النص أمامه، وتضيف إلى القصة أصواتاً وحركات مثيرة، قد يبدو أن القراءة للأطفال أصبحت تجربة يمكن للتكنولوجيا أن تؤديها بكفاءة مذهلة. وقد شعرت بذلك فعلاً عندما جربت بعض الكتب الإلكترونية الموجهة للأطفال. أعجبتني قدرتها على القراءة بطلاقة وتعبير صوتي واضح، وعلى نطق الكلمات بصورة صحيحة، وعلى تتبع النص، وعلى جعل الصور أكثر تفاعلاً. للحظة، بدا لي أن الكتاب الإلكتروني يستطيع أن يقدم للطفل أشياء كثيرة يصعب على القارئ البالغ أن يقدمها بالطريقة نفسها أو بالمستوى نفسه من الجودة.
لكنني بدأت أتساءل عن تجربة الطفل نفسها. ماذا يحدث للطفل حين يقرأ قصة مع شخص بالغ؟ وما الذي يختلف حين يكون هناك شخص يجلس إلى جانبه، لا ليقرأ الكلمات فقط، وإنما ليتابع كيف يستقبل الطفل القصة؟
حين يقرأ شخص بالغ لطفل، لا يكون الطفل وحده أمام القصة. هناك من يلاحظ متى فهم، ومتى تردد، وما الذي أثار فضوله، وما الذي أضحكه أو أقلقه. وإذا توقف عند صورة، يمكن أن تتوقف القراءة معه. وإذا سأل عن شيء لم يكن في الحسبان، يمكن أن تتغير المحادثة تبعاً لسؤاله.
وقد تبدأ القراءة بأسئلة تبدو إجاباتها واضحة. من فعل ذلك؟ ماذا حدث؟ أين ذهب؟ لكن أحياناً يقود الطفل القصة إلى أسئلة ليس لها إجابات واضحة. لماذا تصرفت الشخصية بهذه الطريقة؟ كيف حدث شيء يبدو غير منطقي؟ أين ومتى حدث ما لم نره؟ ماذا يوجد داخل صندوق لم تخبرنا القصة بما بداخله؟ هنا يمكن للطفل أن يتوقع، وأن يطرح احتمالاً، وأن يكتشف أن توقعه لم يكن صحيحاً، أو أن يغير رأيه، أو ببساطة أن يقول: «لا أعرف«.
وهذه ليست بالضرورة لحظة ينبغي أن نسارع إلى تجاوزها. يمكن أن نبقى مع السؤال قليلاً، وأن نبحث عن احتمال، أو نعود إلى صورة، أو نقرأ جملة مرة أخرى، أو نقرر أننا لا نعرف. فالطفل لا يحتاج إلى أن يتعلم أن لكل سؤال إجابة سريعة، ربما يحتاج أحياناً إلى أن يشعر بأن من الطبيعي ألا يعرف إجابة كل سؤال، وأن يبحث عنها في القصة، وأن يمضي مع السؤال دون أن يعرف إلى أين سيقوده.
وما يحدث أثناء القراءة مع شخص بالغ لا يقتصر على الأسئلة والإجابات. فقد يضحك الطفل من تفصيل في القصة، أو يقلق من شخصية، أو يربط موقفاً بتجربة عاشها، أو يتوقف عند تفصيل صغير في إحدى الصور. وقد يطرح سؤالاً لا يخطر لنا أن القصة يمكن أن تقود إليه أصلاً. وهكذا تتسع القصة بالنسبة إليه، فلا يعود ما يهمه مقتصراً على أحداثها، وإنما يشمل ما يثير فضوله، وما يذكره بشيء يعرفه، وما يجعله يتساءل، وما لا يستطيع أن يفسره بعد.
وهذه إحدى خصائص القراءة مع طفل، إذ لا يمكن تحديد مسارها بالكامل مسبقاً. يمكن أن تكون هناك أسئلة معدة وأفكار نريد أن نتحدث عنها، لكن الطفل قد يأخذ القصة إلى مكان آخر تماماً. وما يقوله في لحظة معينة قد يغير ما يأتي بعدها. فإذا كانت إجابته غير متوقعة، يمكن أن تصبح هي محور الحديث. وإذا لاحظ شيئاً جديداً، يمكن أن نتوقف عنده. وإذا لم يكن مهتماً بما كنا نعتقد أنه مهم، يمكننا أن نتركه ونمضي في الاتجاه الذي اختاره هو.
وهنا يحصل الطفل على شيء يتجاوز القصة نفسها، مساحة ليكون له حضور حقيقي داخلها. لا يُطلب منه فقط أن يتابع ما يحدث، وإنما يستطيع أن يقرر، ولو جزئياً، ما الذي يستحق التوقف عنده وما الذي يستحق السؤال والمناقشة. وربما الأهم من ذلك أنه لا يعرف منذ البداية إلى أين ستأخذه القصة، فقد يبدأ بسؤال عن شخصية، وينتهي بفكرة عن نفسه، أو ينتقل من تفصيل في الصورة إلى ذكرى، أو من سؤال بسيط إلى سؤال لم يكن يعرف أنه يريد طرحه.
وقد تتغير هذه التجربة من قراءة إلى أخرى. فالطفل الذي يعود إلى القصة نفسها بعد أيام قد يرى فيها شيئاً مختلفاً، ربما لأن تجربة جديدة جعلته يفهم موقفاً بطريقة أخرى، أو لأن تفصيلاً لم ينتبه إليه من قبل أصبح الآن أكثر أهمية له، أو لأنه تذكر شيئاً قيل في القراءة السابقة. ولهذا، لا تعني إعادة قراءة القصة أن نعيد التجربة نفسها. الكلمات والصور قد تبقى كما هي، لكن الطفل الذي يواجهها قد تغير، ولو قليلاً، والقصة التي يأخذها معه قد تأخذه في هذه المرة إلى مكان مختلف.
كل هذا جعلني أنظر بطريقة مختلفة إلى الكتب الإلكترونية التي جربتها. ما زلت أرى فيها إمكانات حقيقية يمكن أن تثري تجربة القراءة، من القراءة الواضحة والمعبرة إلى دعم الطفل في تتبع النص وفهم بعض المفردات، وما تضيفه من أصوات وحركة. كما أن رواة القصص عبر المنصات الرقمية يمكن أن يقدموا للطفل تجربة غنية، فيها صوت بشري وإيقاع وتعبير. وهنا يصبح السؤال أكثر تحديداً. إذا كانت التكنولوجيا تستطيع أن تقرأ للطفل، وأن تقدم القصة بصوت واضح ومعبر، وأن تضيف إليها أصواتاً وحركة وتفاعلاً، فهل تستطيع أن تكون بديلاً عن الشخص البالغ الذي يقرأ مع الطفل؟
ربما تكمن الإجابة في طبيعة الاستجابة نفسها. فالكتاب الإلكتروني يقدم استجابات صُممت مسبقاً ضمن تجربة القراءة، أما القارئ الذي يجلس مع الطفل فيستطيع أن يستجيب لما يحدث معه في تلك اللحظة، لسؤال لم يكن متوقعاً، أو لصورة استوقفت انتباهه، أو لفكرة تحتاج إلى وقت أطول. وما يلفت انتباه الطفل، وما يسأل عنه، وما يثير ضحكه أو قلقه، وما يجعله يتوقف، كلها أمور يمكن أن تغير مسار القراءة.
ولهذا لا تتعلق المسألة بجودة القراءة أو بعدد الميزات التي يمكن إضافتها إلى القصة، وإنما بما يحدث عندما تصبح استجابة الطفل نفسها جزءاً من تجربة القراءة. فمهما أمكن تصميم تجربة القراءة، لا يمكن تصميم ما سيحدث حين تلتقي القصة بعالم طفل، ولا إلى أين يمكن أن تأخذه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك