العدد : ١٧٦٩٥ - الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٥ - الخميس ٠٣ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ٢١ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

مقالات

كلام في الصحة
وسائل التواصل بين التوعية والتضليل

بقلم: لمياء إبراهيم سيد أحمد

الثلاثاء ٠١ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

بين‭ ‬تتابعنا‭ ‬اليومي‭ ‬لدفة‭ ‬الأحداث‭ ‬وتزاحم‭ ‬التفاصيل،‭ ‬نجد‭ ‬أنفسنا‭ ‬وسط‭ ‬هالة‭ ‬من‭ ‬الحيرة‭ ‬وينقسم‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬إلى‭ ‬فريقين‭ ‬واضحين‭ ‬حول‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬تلعبه‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬تعاملنا‭ ‬مع‭ ‬الأمراض؛‭ ‬يرى‭ ‬الفريق‭ ‬الأول‭ ‬أنها‭ ‬أحدثت‭ ‬ثورة‭ ‬حقيقية‭ ‬غيّرت‭ ‬نظرتنا‭ ‬للطب،‭ ‬وعززت‭ ‬تقبلنا‭ ‬لفكرة‭ ‬العلاج‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬للمرض‭ ‬النفسي‭ ‬أو‭ ‬العضوي‭. ‬بينما‭ ‬يقف‭ ‬الفريق‭ ‬الثاني‭ ‬موقف‭ ‬الحذر،‭ ‬متهماً‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬بالترويج‭ ‬لمفهوم‭ ‬‮«‬التشخيصات‭ ‬الزائدة‮»‬‭ ‬والعلاجات‭ ‬غير‭ ‬الضرورية‭. ‬وبحسب‭ ‬تقديرات‭ ‬هذا‭ ‬الفريق،‭ ‬فإن‭ ‬نحو‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬المنشورات‭ ‬المتداولة‭ ‬تهدف‭ ‬الى‭ ‬الترويج‭ ‬فقط‭ ‬أو‭ ‬توجيه‭ ‬المتابعين‭ ‬نحو‭ ‬أفكار‭ ‬قاصرة‭ ‬تفتقر‭ ‬إلى‭ ‬السند‭ ‬العلمي‭.‬

واقع‭ ‬الأمر‭ ‬يُشير‭ ‬إلى‭ ‬أننا‭ ‬أصبحنا‭ ‬بالفعل‭ ‬‮«‬بين‭ ‬نارين»؛‭ ‬فإذا‭ ‬نظرنا‭ ‬إلى‭ ‬الجانب‭ ‬الإيجابي،‭ ‬فسنجد‭ ‬مكاسب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكارها‭. ‬فمنذ‭ ‬فترة‭ ‬ليست‭ ‬ببعيدة،‭ ‬كان‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬الطبيب‭ ‬النفسي‭ ‬وصمة‭ ‬اجتماعية‭ ‬يفر‭ ‬منها‭ ‬الجميع،‭ ‬أما‭ ‬اليوم،‭ ‬ومع‭ ‬انتشار‭ ‬المحتوى‭ ‬التوعوي‭ ‬وزيادة‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالصحة‭ ‬النفسية،‭ ‬أصبح‭ ‬المجتمع‭ ‬أكثر‭ ‬تقبلاً‭ ‬للمرض‭ ‬النفسي‭ ‬والتعامل‭ ‬معه‭ ‬تماماً‭ ‬كأي‭ ‬مرض‭ ‬عضوي‭ ‬آخر‭.‬

ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬الأثر‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬لعبت‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬دوراً‭ ‬بارزاً‭ ‬في‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الأمراض‭ ‬النادرة‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يعلم‭ ‬عنها‭ ‬أحد‭ ‬سوى‭ ‬المرضى‭ ‬والمقربين‭ ‬منهم،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬شبكة‭ ‬توائم‭ ‬وحلقة‭ ‬وصل‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬المرضى‭ ‬والأطباء‭ ‬لتبادل‭ ‬الخبرات‭ ‬والدعم‭. ‬كما‭ ‬تحولت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬إلى‭ ‬نافذة‭ ‬مفتوحة‭ ‬يعرض‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الأفراد‭ ‬تجاربهم‭ ‬الشخصية‭ ‬ورحلاتهم‭ ‬العلاجية‭ ‬بكل‭ ‬شجاعة‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬خجل،‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬اكتشاف‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الحالات‭ ‬في‭ ‬مراحلها‭ ‬المبكرة‭. ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬حملات‭ ‬التوعية‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬نشر‭ ‬المعرفة‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬لسهولة‭ ‬تداول‭ ‬محتواها‭ ‬وإمكانية‭ ‬إثراء‭ ‬المتابعين‭ ‬له،‭ ‬مما‭ ‬يضمن‭ ‬وصول‭ ‬الرسالة‭ ‬الى‭ ‬أكبر‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭.  ‬

ولكن‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الآخر‭ ‬من‭ ‬المشهد،‭ ‬تظهر‭ ‬الظلال‭ ‬المقلقة؛‭ ‬إذ‭ ‬يمتد‭ ‬خطر‭ ‬تسليط‭ ‬الضوء‭ ‬مكثفاً‭ ‬على‭ ‬أمراض‭ ‬بعينها‭ ‬إلى‭ ‬وقوع‭ ‬المتابعين‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬‮«‬التشخيص‭ ‬الزائد‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬تشخيص‭ ‬حالات‭ ‬طبية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تسبب‭ ‬أي‭ ‬مشاكل‭ ‬صحية‭ ‬أو‭ ‬أعراض‭ ‬في‭ ‬ظروفها‭ ‬الطبيعية‭. ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬المنصات‭ ‬قد‭ ‬تتحول‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬خصبة‭ ‬لنشر‭ ‬المعلومات‭ ‬الطبية‭ ‬المضللة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الانغماس‭ ‬والمتابعة‭ ‬الشديدة‭ ‬لهذا‭ ‬المحتوى‭ ‬قد‭ ‬يقود‭ ‬الفرد‭ ‬إلى‭ ‬مشاكل‭ ‬صحية‭ ‬ونفسية‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬غنى‭ ‬عنها‭.‬

ختاماً،‭ ‬تظل‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬الملف‭ ‬الصحي‭ ‬سلاحاً‭ ‬ذا‭ ‬حدين؛‭ ‬يتطلب‭ ‬منا‭ ‬التعامل‭ ‬معها‭ ‬بوعي‭ ‬وحذر،‭ ‬مع‭ ‬الحرص‭ ‬الدائم‭ ‬على‭ ‬استقاء‭ ‬المعلومة‭ ‬الطبية‭ ‬من‭ ‬مصادرها‭ ‬الموثوقة‭ ‬المعتمدة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬السقوط‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬التضليل‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا