بين تتابعنا اليومي لدفة الأحداث وتزاحم التفاصيل، نجد أنفسنا وسط هالة من الحيرة وينقسم الرأي العام إلى فريقين واضحين حول الدور الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في تعاملنا مع الأمراض؛ يرى الفريق الأول أنها أحدثت ثورة حقيقية غيّرت نظرتنا للطب، وعززت تقبلنا لفكرة العلاج سواء كان للمرض النفسي أو العضوي. بينما يقف الفريق الثاني موقف الحذر، متهماً هذه المنصات بالترويج لمفهوم «التشخيصات الزائدة» والعلاجات غير الضرورية. وبحسب تقديرات هذا الفريق، فإن نحو 80% من المنشورات المتداولة تهدف الى الترويج فقط أو توجيه المتابعين نحو أفكار قاصرة تفتقر إلى السند العلمي.
واقع الأمر يُشير إلى أننا أصبحنا بالفعل «بين نارين»؛ فإذا نظرنا إلى الجانب الإيجابي، فسنجد مكاسب لا يمكن إنكارها. فمنذ فترة ليست ببعيدة، كان الذهاب إلى الطبيب النفسي وصمة اجتماعية يفر منها الجميع، أما اليوم، ومع انتشار المحتوى التوعوي وزيادة الاهتمام بالصحة النفسية، أصبح المجتمع أكثر تقبلاً للمرض النفسي والتعامل معه تماماً كأي مرض عضوي آخر.
ولم يتوقف الأثر عند هذا الحد، بل لعبت هذه المنصات دوراً بارزاً في تسليط الضوء على الأمراض النادرة التي لم يكن يعلم عنها أحد سوى المرضى والمقربين منهم، أصبحت اليوم شبكة توائم وحلقة وصل تجمع بين المرضى والأطباء لتبادل الخبرات والدعم. كما تحولت وسائل التواصل إلى نافذة مفتوحة يعرض من خلالها الأفراد تجاربهم الشخصية ورحلاتهم العلاجية بكل شجاعة ومن دون خجل، ما أسهم بشكل مباشر في اكتشاف العديد من الحالات في مراحلها المبكرة. ناهيك عن دور حملات التوعية الرقمية في نشر المعرفة على نطاق واسع، لسهولة تداول محتواها وإمكانية إثراء المتابعين له، مما يضمن وصول الرسالة الى أكبر عدد ممكن.
ولكن على الجانب الآخر من المشهد، تظهر الظلال المقلقة؛ إذ يمتد خطر تسليط الضوء مكثفاً على أمراض بعينها إلى وقوع المتابعين في فخ «التشخيص الزائد»، وهو تشخيص حالات طبية لم تكن تسبب أي مشاكل صحية أو أعراض في ظروفها الطبيعية. إن هذه المنصات قد تتحول في كثير من الأحيان إلى بيئة خصبة لنشر المعلومات الطبية المضللة، كما أن الانغماس والمتابعة الشديدة لهذا المحتوى قد يقود الفرد إلى مشاكل صحية ونفسية هو في غنى عنها.
ختاماً، تظل وسائل التواصل الاجتماعي في الملف الصحي سلاحاً ذا حدين؛ يتطلب منا التعامل معها بوعي وحذر، مع الحرص الدائم على استقاء المعلومة الطبية من مصادرها الموثوقة المعتمدة من دون السقوط في فخ التضليل.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك