تُعد اندماجات البنوك ظاهرة عالمية متكررة في القطاع المصرفي، وليست دائماً علامة ضعف. ففي كثير من الحالات تكون خطوة استراتيجية لتعزيز القدرة التنافسية، وتحقيق وفورات الحجم، وتحسين الملاءة المالية، وتمكين الاستثمار في التكنولوجيا والبنية التحتية. وفي حالات أخرى تكون ضرورة لمواجهة تحديات السوق مثل انخفاض النمو أو ارتفاع التكاليف أو المنافسة الشديدة. المهم أن الاندماج الناجح يخلق كياناً أقوى يضيف قيمة للاقتصاد الوطني، لا أن يكون مجرد استحواذ بنك قوي على آخر ضعيف.
أمثلة عالمية بارزة
من أبرز الأمثلة التاريخية سلسلة الاندماجات التي شهدتها البنوك الأمريكية الكبرى. حيث شهدت شخصيا هذه التجربة بكل تفاصيلها من خلال عملي السابق في بنك Chase Manhattan الذي اندمج مع Chemical Bank في منتصف التسعينيات. وكان Chemical نفسه نتاج اندماجات سابقة بين مصارف أمريكية كبيرة اختفت أسماؤها تدريجياً. ثم جاء الاندماج الأكبر بين Chase Manhattan وJ.P. Morgan لتشكيل JPMorgan Chase، أحد أقوى الكيانات المالية العالمية ومازال. هذه الاندماجات في الغالب كانت بين كيانات متقاربة القوة، وأنتجت مؤسسات قادرة على المنافسة عالمياً وتقديم خدمات أكثر تنوعاً وكفاءة.
اندماجات خليجية
كنماذج ناجحة في الخليج العربي من السعودية والإمارات، شهدنا موجة مماثلة. في الإمارات نتج بنك أبوظبي الأول (FAB) عن اندماج بنك أبوظبي الوطني وبنك الخليج الأول، ليصبح من أكبر البنوك في المنطقة. كما تم اندماج بنك أبوظبي التجاري مع بنك الاتحاد الوطني ومصرف الهلال، واستحواذ بنك دبي الإسلامي على نور بنك. وفي السعودية شكّل اندماج البنك الأهلي التجاري ومجموعة سامبا المالية (2021) البنك الأهلي السعودي، أكبر بنك في المملكة، كما سبقه اندماج ساب والبنك الأول. هذه العمليات عززت القدرة على تمويل المشاريع الكبرى ودعمت خطط التنويع الاقتصادي.
وضع البنوك في البحرين
البحرين مركز مالي مهم ولا يزال حيوياً بفضل سياسات مالية واعية ولها وزن مهم في الشرق الأوسط، بفضل بيئة تنظيمية متطورة وخبرة طويلة في الخدمات المصرفية الإسلامية والتقليدية. أصول القطاع المصرفي تفوق الناتج المحلي بعدة مرات، مما يعكس أهميته للاقتصاد الوطني. ومع ذلك، يتميز السوق بوجود عدد كبير نسبياً من البنوك مقارنة بحجم السكان، ما يزيد المنافسة ويضغط على الربحية في بعض الحالات.
هنا يأتي دور الاندماجات كأداة إيجابية. الاندماج بين بنكين كبيرين لا يعني ضعفاً في الوضع المصرفي، بل قد يكون نموذجاً صحياً يخلق كياناً وطنياً أقوى قادرا على المنافسة إقليمياً ودولياً. ومن الأمثلة السابقة في البحرين استحواذات مصرف السلام على أعمال بنوك أخرى، واستحواذ بيت التمويل الكويتي على بنك الأهلي المتحد. كما يجري حالياً استكشاف اندماج محتمل بين بنكين كبيرين، يُنظر إليه كفرصة لخلق «بطل وطني» يعزز مكانة البحرين. الواقع أن هناك نماذج كثيرة لاندماجات صحية بين كيانات متماسكة، أنتجت مؤسسات ذات قوة مالية وتشغيلية أكبر. الفوائد العملية واضحة: تحسين الملاءة المالية، تقديم خدمات أكثر تنوعاً وجودة، ضبط المصروفات التشغيلية، وتوجيه الموارد نحو الاستثمار في البنية التحتية والعمليات، وخاصة التكنولوجيا المالية (FinTech) والتحول الرقمي، وهو أمر حيوي في عصر الخدمات المصرفية الحديثة. لذلك الاندماجات المصرفية ظاهرة صحية عندما تُدار بحكمة وشفافية، من عاش تجربة الاندماجات يعلم أن هناك عاملين مهمين غالبا لا يذكرونها في التقارير والأبحاث الاقتصادية وهما أن نجاح الاندماج يحتاج إلى عقلية شؤون الموظفين شاملة للجميع وروح قيادية تركز على التنفيذ ضمن جداول زمنية محددة خلال الأشهر الاثني عشر الأولى، وهي لنا في البحرين فرصة لتعزيز دورها كمركز مالي إقليمي ودعم الاقتصاد الوطني بكيانات أكثر كفاءة وقدرة على النمو المستدام.
خبير مصرفي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك