تكون المتاحف غالباً من أولى المحطات التي نقصدها عند سفرنا إلى بلد جديد، لأنها تثري معرفتها عن الوجهة التي اخترناها ، وتقدم رواية متكاملة عن تاريخ الشعوب وتطورها. وبين القاعات التي تحتضن التحف واللوحات والمنحوتات، تكاد لا تخلو المتاحف الكبرى من المجوهرات، سواء كانت من إرث الحضارة التي تنتمي إليها، أو مقتنيات ثمينة وصلت إليها من حضارات أخرى. وفي كثير من الأحيان، تكون قطعة المجوهرات أكثر من مجرد تحف ثمينة، فهي وثيقة تختصر في معدنها وحجرها وزخارفها جانباً من تطور مجتمع كامل، من مهاراته الحرفية إلى موارده الطبيعية ومعتقداته وذائقته الفنية وعلاقاته التجارية مع الشعوب الأخرى. ومن هنا، تعكس المجوهرات جانباً مهماً من تاريخ الحضارات وتطورها.فكلما تقدمت الشعوب، تطورت معها قدرتها على استخراج المعادن، وصقل الأحجار وتشكيلها، وابتكار أساليب أكثر دقة في صياغة الحلي وترصيعها. حيث ان هذه التقنيات تعكس مظاهر التطور، وتبرز ما وصل إليه الإنسان من معرفة وخبرة في التعدين والهندسة والصناعة والفنون. فالقطعة المصنوعة بإتقان شديد تخبرنا، بطريقة غير مباشرة، عن مستوى الأدوات والمعارف التي امتلكها صانعها، وعن شبكة التجارة التي وفرت له الذهب والأحجار، وعن البيئة الثقافية التي حددت شكل التصميم ورموزه.كما تكشف المجوهرات عن حركة التواصل بين الحضارات، إذ أسهمت الرحلات التجارية في انتقال الزخارف والأشكال وتقنيات الصياغة، لتظهر تأثيرات مشتركة تتخذ في كل حضارة طابعها الخاص، وتروي بذلك تاريخاً طويلاً من التبادل الثقافي بين الشعوب. وتقدم دار كارتييه نموذجاً بارزاً لهذا التفاعل الحضاري، من خلال معارضها المتنقلة التي تستضيفها أرقى المتاحف والمؤسسات الثقافية حول العالم، حيث تعرض مجموعة من تصاميمها التي تكشف بوضوح عن تعدد منابع الإلهام التي أسهمت في صياغة هويتها الفنية. ففي بعض القطع، تظهر تأثيرات الحضارة الهندية من خلال وفرة الأحجار الكريمة الملونة، والتكوينات المستوحاة من الزخارف النباتية والزهور، إلى جانب أساليب الترصيع التي تمنح الأحجار حضوراً غنياً ومتعدد الطبقات. أما التأثيرات العربية والإسلامية، فتتجلى في الأشكال الهندسية المتناظرة، والزخارف النباتية المتشابكة، والأقواس والتكوينات المستوحاة من العمارة والفنون الإسلامية، فضلاً عن استخدام أنماط زخرفية تقوم على الإيقاع والتكرار. وفي المقابل، تحضر المدرسة الأوروبية في الخطوط الأنيقة، والتكوينات المستوحاة من فنون الزخرفة والعمارة، والدقة الهندسية التي ميزت مراحل مختلفة من تاريخ الدار. وهكذا لا تعرض كارتييه هذه القطع باعتبارها مجوهرات فاخرة فحسب، بل باعتبارها شاهداً على رحلة الأفكار بين الحضارات.
ولا تزال دول الخليج العربي تحتفي بموروثها الشعبي في عالم المجوهرات، باعتباره جزءاً أصيلاً من هويتها الثقافية وذاكرتها الاجتماعية. فقد ارتبطت الحلي التقليدية في المنطقة بمناسبات الحياة المختلفة، ولا سيما الزواج والاحتفالات، كما عكست مكانة المرأة وذوقها والعادات التي توارثتها الأجيال. وفي البحرين تحديداً، يحتل الذهب مكانة راسخة في التراث المحلي، إلى جانب اللؤلؤ الذي ارتبط بتاريخ الجزيرة ومكانتها العريقة في تجارة اللؤلؤ الطبيعي. ولا تزال أشكال الحلي التقليدية، بما تحمله من تفاصيل في التصميم وأساليب الصياغة والزخارف، حاضرة في المناسبات التراثية والفعاليات الثقافية، كما يستلهم منها المصممون المعاصرون أفكاراً يعيدون تقديمها بروح حديثة. وهكذا لا تبقى المجوهرات الشعبية مجرد مقتنيات من الماضي، بل تتحول إلى وسيلة حية لصون الذاكرة وتعريف الأجيال الجديدة بجانب مهم من تاريخ المجتمع وهويته.
وفي النهاية، نستطيع الجزم بأن المجوهرات ليست زينة تُرتدى ولا خزينة تُقتنى فحسب، بل هي تعبير عن هوية الشعوب وثقافتها وتاريخها وتطورها. ففي كل قطعة حكاية، وفي كل تصميم أثر من حضارة، وفي كل حجر ومعدن ذاكرة تختزن ملامح زمن وشعب ترك بصمته في هذا الفن العريق.
هل تستمع بمشاهدة المجوهرات المعروضة بالمتاحف ؟ شاركونا بآرائكم ونتطلع إلى مقترحاتكم للمواضيع القادمة والاجابة على تساؤلاتكم على البريد الالكتروني:
seemajewelsbh@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك