صعد عبدالناصر منبر الأزهر وقال: سنقاتل فانفجر بركان إرادة المقاومة المصرية
لماذا كتبت «الأوبزرفر» أن بورسعيد تتحول إلى دولة عظمى؟
من هي «الهاتاشاما» التي قادت أكبر حرب نفسية وطنية؟
❠ دولنا العربية أحوج ما تكون اليوم إلى استنهاض الروح الوطنية

في تاريخ كل الأمم والشعوب لا يتم حسم المعارك الوطنية الكبرى بموازين القوى التقليدية، أي بموازين من يملك القوة والقدرات العسكرية الأكبر.. يتم حسمها بسلاح آخر هو الأقوى على الإطلاق.. سلاح الإرادة الوطنية.. إرادة الرفض والصمود والمقاومة.
يصح هذا بالنسبة إلى كل معارك التحرر الوطني التي خاضتها الشعوب وعرفها التاريخ. والأمثلة على ذلك كثيرة جدا عبر العصور.
غير أن أكبر معركة في التاريخ حسمتها الإرادة الوطنية كانت معركة العدوان الثلاثي على مصر في عام 1956 والتي يطلقون عليها في الغرب حرب السويس.
هذه المعركة كانت فاصلة ليس فقط في تاريخ مصر، وإنما في تاريخ العالم كله. المؤرخون في العالم كله اليوم يتحدثون عن عالم ما قبل السويس وعالم ما بعد السويس.
قبل فترة وبعد كل هذه السنوات من العدوان الثلاثي نشرت لأول مرة الوثائق السرية الكاملة للمخططات التي تم وضعها للعدوان الذي شاركت فيه بريطانيا وفرنسا والكيان الاسرائيلي. التفاصيل مفزعة وتتضمن جوانب شنيعة تعرف لأول مرة.
من المهم ان نسجل هنا ما تضمنته هذه الوثائق بالتفصيل. هذا مهم ليس للتاريخ وحسب، وإنما لأمر آخر أهم.. هذا تجسيد تاريخي لكيف يمكن للإرادة الوطنية ان تهزم أعتى القوى وتفشل أشنع المخططات.
كل المخططات السرية التي وضعوها للعدوان وشرعوا في تنفيذها أسقطها جمال عبدالناصر بكلمة واحدة.
كل هذه المخططات فشلت، ولم تفشل فقط، بل سقطت الإمبراطورية البريطانية وعهد الاستعمار الفرنسي بفضل مدينة مصرية واحدة.
هذه ملحمة كبرى لا بد أن تروى.
◼ ◼ ◼
الخطة السرية الكبرى
تطورات ووقائع العدوان الثلاثي على مصر باتت معروفة بالتفصيل وموثقة في كتب ودراسات ويستعيدها المؤرخون والكتاب باستمرار.
لكن الجديد هنا أنه ولأول مرة وبعد مرور كل هذه السنوات على العدوان، أن التفاصيل السرية الكاملة لمخطط العدوان تم الكشف عنها.
في ديسمبر عام 2023 نشر موقع الـ«بي بي سي» ولأول مرة نص وثائق سرية بريطانية عن الخطط الكاملة للعدوان، والتي ظلت سرية حتى الآن.
قراءة هذه الوثائق تشير إلى اننا لم نكن نعرف تفاصيل هذه المخططات منذ العدوان وحتى اليوم، وإلى أن هذه الخطط وما كانت تسعى إلى تحقيقه في مصر أشنع بكثير جدا مما كنا نتصور.
سنعرض لما جاء بهذه الوثائق بالتفصيل نظرا لأهميتها البالغة.
تكشف وثائق سرية لوزارة الدفاع البريطانية أن التخطيط للهجوم على مصر قد بدأ فعليا بعد ثلاثة أيام فقط من قرار عبدالناصر تأميم قناة السويس في 26 يوليو عام 1956. ووفق تقرير بالغ السرية، لم يُطلع عليه سوى أجهزة المخابرات، فقد بحثت لجنة الأركان المشتركة البريطانية، في اجتماع عقد يوم 30 يوليو، الاستعداد للحرب، بحضور الجنرال سير تشارلز كيتلي، قائد قوات التحالف الثلاثي ضد مصر.
وجاء في تقرير للجنة بعنوان «تقرير هيئة التخطيط المشتركة بشأن إتاحة قوات للعمل ضد مصر»، إن وزارتي الحرب والجو «تدرسان سبل إيجاد الرجال اللازمين لشن عملية للاستيلاء على قناة السويس من دون حاجة إلى تشريع خاص».
وفضلا عن مناقشة خطط العملية العسكرية، ناقش رؤساء الأركان التالي:
* احتمال أن يؤدي القصف الجوي إلى اضطرابات في إمدادات النفط
* إمكانية عمل أي شيء في المدى القصير لوقف إمدادات مياه النيل بشكل مؤثر.
* وضع خطط لشن حرب نفسية بعد أول أيام العملية.
بعد ثلاثة أيام أخرى، اختير «الفارس» اسما رمزيا للهجوم، كما تقرر «شن حملة لجذب تعاطف العالم المتحضر» للعمل العسكري على مصر.
وفي أواسط شهر أكتوبر، أقرت لجنة رؤساء الأركان البريطانية، بعد موافقة الجيش الفرنسي، خطة تنفيذ عملية «الفارس» العسكرية.
وفي تقريرها إلى رئاسة الوزراء، قالت اللجنة إن الخطة «تقوم على مفهوم هجوم جوي وحرب نفسية.
وتقرر تنفيذ الخطة على ثلاث مراحل:
الأولى: القضاء على السلاح الجوي المصري
الثانية: هجوم جوي مرفق بحملة نفسية موجهة توجيها يتسم بأقصى درجة من الحرص. وسيوجه الهجوم الجوي إلى أهداف مختارة بغرض إحداث اضطراب متزايد غير مسبوق على الإطلاق للاقتصاد، والمعنويات، والإدارة والقوات المسلحة المصرية، وفي النهاية، تدمير إرادة المقاومة لدى المصريين.
الثالثة: إنزال في بورسعيد يتبعه احتلال منطقة القناة، والاستيلاء على الإسماعيلية وأبو صوير والتقدم إلى التل الكبير وفايد والسويس.
وبسبب التعويل عليها في تحقيق الأهداف المعلنة وغير المعلنة للهجوم، أعطيت المرحلة الثانية اهتماما أكبر.
وحدد القادة العسكريون لهذه المرحلة قائمة من الأهداف الحيوية:
أولا: منشآت الجيش والقوات الجوية والبحرية في ضواحي القاهرة، والإسكندرية وبورسعيد والسويس، بهدف التدمير المادي لهياكلهم التنظيمية وأنظمة الاتصالات، والقواعد، وإظهار عدم كفاءة الجيش والقوات الجوية والبحرية للشعب المصري.
ثانيا: محطات ضخ النفط، وخطوط أنابيب النفط، وصهاريج التخزين في المدن الأربع الكبرى.
ثالثا: المواصلات، السكك الحديدية وتشمل الطرق، الجسور ومناطق عنق الزجاجة، شاحنات نقل النفط بريا، ومنشآت حكومية. ورصدت هذه الأهداف في 17 منطقة ومحافظة وحيا ومدينة في أنحاء مصر، بما فيها القاهرة.
رابعا: محطات الطاقة الكهربائية.
خامسا: الأهداف التكتيكية للجيش المصري في سيناء، وفي الأماكن المماثلة التي يتركز فيها ويسهل مهاجمتها. على سبيل المثال، المعابر فوق القناة، ومناطق تركز المدرعات والسيارات، والمواقع الدفاعية والقوات حول بور سعيد.
◼ ◼ ◼
الحرب النفسية
تم تعيين البريجيدير فيرجسون مسؤولا عن إدارة الحرب النفسية. كما عُين موظفون ذوو خبرة من وزارة الخارجية للعمل معه.
كان الهدف الأول هو إسكات صوت إذاعة القاهرة، على أن «تحل محلها إذاعة الشرق الأدنى البريطانية». وشملت خطة الإسكات ضرب محطات الإرسال الأربع في أبو زعبل إضافة إلى المحطتين الأقل قوة في القاهرة والإسكندرية. ووفقا لخطة الحرب، فإن الغرض هو «قطع الاتصالات الإذاعية بين الحكومة المصرية والعالم الخارجي ومنطقة الدلتا». وأشارت إلى أنه «في غياب الإعلانات الحكومية المباشرة، سوف يُسمح بانتشار الشائعات، وتكون دعايتنا فاعلة».
وشدد المخططون على أنه «إذا كانت المعنويات المصرية أعلى من المقدر، سوف يُطلب مزيد من الحرية في العمل لمهاجمة أهداف سيكون لها تأثير مباشر بقدر أكبر على عموم الأمة». و«استخدام كل الموارد المتاحة» في الحرب الدعائية والنفسية.
ذهب التخطيط للحرب إلى حد دراسة التدابير اللازمة لإدارة المناطق التي سوف تُحتل من مصر. وناقش المستشارون القانونيون لوزارة الخارجية البريطانية إصدار «مراسيم لفرض حكم عسكري» في تلك المناطق.
ووفق هذه المراسيم، تقرر «إعطاء أفراد من القوات وأشخاص آخرين يُكلفهم القائد العسكري صلاحيات القبض والتفتيش واعتقال أي أشخاص يثبت ارتكابهم أو يشتبه في أنهم على وشك ارتكابهم مخالفات منصوص عليها في الإعلانات والمراسيم واللوائح اللاحقة».
وتضمنت المراسيم أيضا «إنشاء محاكم عسكرية لمحاكمة ومعاقبة أي أشخاص سوف يرتكبون مخالفات منصوص عليها في هذا الإعلان أو الإعلانات والمراسيم واللوائح اللاحقة».
وناقشت لجنة مصر في الخارجية، بناء على طلب سير نورمان بروك، وزير شؤون مجلس الوزراء «الاعتبارات السياسية المرتبطة بتخطيطنا العسكري وخاصة باحتلالنا لمصر».
ونصحت وزارة الدفاع والوزارات الأخرى المعنية بالترويج «بأبسط العبارات» لهدف التحالف العسكري وهو «الحفاظ على مبادئ معاهدة 1888، وضمان السيطرة الدولية على القناة».
أما الهدف غير المعلن حينها فهو «الإطاحة بنظام ناصر».
وتوقع رالف ماري، المسؤول القانوني في السفارة البريطانية في القاهرة بعد اطلاعه على نتائج اجتماع لجنة مصر، أن يكون إسقاط النظام سهلا في حالة هزيمة الجيش المصري.
وقال: «هدفنا العرضي المتمثل في الإطاحة بنظام ناصر يمكن، تقريبا بالتأكيد، تحقيقه بإلحاق هزيمة كاملة بالقوات المسلحة المصرية، وتحقيق استسلام. ولتحقيق هذا الهدف ستكون العمليات، بلا شك، في الدلتا مطلوبة».
◼ ◼ ◼
خطة الإبادة
إذا قرأنا هذه المخططات السرية بعناية فسنجد أن هدف العدوان كما خططوا له على هذا النحو لم يكن مجرد السيطرة على قناة السويس، ولا مجرد احتلال مصر وإسقاط نظام عبدالناصر. كان مخطط إبادة شاملة لمصر بكل معنى الكلمة.. إبادة كل قدرات مصر وكل منشآتها الحيوية من كهرباء وماء ومنشآت حكومية في كل محافظات مصر، وتدمير السكك الحديدية وكل شيء في مصر وحتى التفكير في كيفية قطع مياه النيل.
المعتدون اعتبروا أن الطريق الأساسي لتنفيذ هذا المخطط ونجاحه هو ما أطلقوا عليه «تدمير إرادة المقاومة لدى المصريين،». اعتبروا أنه إذا انهارت إرادة المقاومة أصبح الطريق مفتوحا أمام تنفيذ المخطط. ولهذا أعطوا اهمية كبرى لخطط الحرب النفسية.
كان هذا تقديرا صحيحا. أي كان صحيحا أنه لو تم تدمير إرادة المقاومة المصرية فسوف يصبح الطريق مفتوحا بالفعل أمام نجاح المخطط.
لكن ما لم يحسبوا حسابه أن تحقيق هذا الهدف في مصر أمر مستحيل بل وهم من الأوهام، ولم يقدروا قدرة الشعب المصري على المقاومة.
◼ ◼ ◼
سنقاتل
بناء على هذه الخطة السرية تم شن العدوان الثلاثي على مصر. بدأ بعدوان إسرائيل على سيناء ثم انضمت بريطانيا وفرنسا إلى العدوان.
بالطبع حين شنوا العدوان تصوروا أن مخططاتهم سوف تمضي كما رسموها بالضبط.
في التاسع والعشرين من أكتوبر عام 1956، هاجمت إسرائيل أولاً بعملية إنزال جوّي على «ممر متلا» في وسط «سيناء»، لتنفيذ الجزء الأول من المخطط الذي توافقت عليه الدول الثلاث. تصدت القوات المصرية للهجوم، ودارت اشتباكات عنيفة قبل أن تُصْدر إنجلترا وفرنسا إنذاراً للطرفين بوقف القتال على الفور، ومطالبتهما بالانسحاب إلى مسافة عشرة كيلو مترات بعيداً عن «قناة السويس»، وإلا ستتدخل قواتهما لتنفيذ ذلك بالقوة.
في اليوم التالي مباشرة، قامت بريطانيا وفرنسا بالعدوان على مصر بغارات خاطفة ومتلاحقة، على «القاهرة»، و«الإسكندرية»، ومدن القناة
بدأ العدوان إذن وفق المخططات السرية الموضوعة.
لكن الذي حدث أن جمال عبدالناصر بكلمة واحدة أسقط كل هذه المخططات منذ البداية.
في يوم 2 نوفمبر 1956 وأمام حشود المصلين بالجامع الأزهر بعد صلاة الجمعة في ظل العدوان صعد الرئيس جمال عبدالناصر وألقى كلمة تاريخية بكل معنى الكلمة. قال: «في هذه الأيام التي نكافح فيها من أجل حريتنا.. حرية شعب مصر، ومن أجل شرف الوطن، أحب أن أقول لكم إن مصر كانت دائماً مقبرة للغزاة. إن جميع الإمبراطوريات التي قامت على مر الزمن انتهت وتلاشت حينما اعتدت على مصر، ولكن مصر بقيت متماسكة متحدة متكاتفة، انتهى الغزاة.. انتهت الإمبراطوريات.. وبقيت مصر، وبقي شعب مصر». وقال: واليوم ونحن نقابل عدوان الظلم والاستعمار الذي يريد أن ينتهك حريتنا وإنسانيتنا وكرامتنا، ونحن نقاوم هذا العدوان نطلب من الله أن يلهمنا الصبر والإيمان، والثقة والعزم، والتصميم على القتال... إن الموت حق على كل فرد منا.. ولكن إذا متنا.. يجب أن نموت بشرف، ويجب أن نموت بكرامة.
وأطلق عبدالناصر صيحته التاريخية الكبرى «سنقاتل.. سنقاتل». وأنهى كلمته بالقول: سيكون شعارنا دائماً الله أكبر.. الله يقوينا.. والله ينصرنا.. نعتمد على الله وعلى أنفسنا، وسنجاهد، ونكافح ونقاتل، وسننتصر بإذن الله.. والله أكبر.. والله أكبر».
بكلمة «سنقاتل» وبشعار الله أكبر أسقط عبدالناصر كل هذا المخطط السري. الذي تحول إلى هتاف موحد للشعب أثناء المقاومة، أسقط المخطط لأنه بهذه الكلمة فجر عبدالناصر بركان الإرادة الوطنية المصرية، إرادة المقاومة.
حشود هائلة من المصريين في كل المحافظات تسابقوا للتطوع والمشاركة في مقاومة العدوان، وانفجرت الروح الوطنية المصرية في كل مكان. هذا بالضبط ما لم يحسب المعتدون حسابه.
كل إرادة المقاومة المصرية التي تفجرت تجسدت في الملحمة التاريخية الكبرى.. ملحمة بورسعيد.
◼ ◼ ◼
ملحمة بورسعيد
تنفيذا لخطة العدوان كانت مدينة بورسعيد هي الهدف الأكبر الأول للعدوان. المعتدون ضربوا «بور سعيد»، بحراً وجواً، تمهيداً لعمليات الإنزال الجوي بالمظلات. احتل المعتدون بورسعيد على الرغم من محاولة أبناء المدينة ورجال الجيش منعهم والتصدي لهم.
بمجرد احتلال بورسعيد تفجرت أكبر ملحمة مقاومة شعبية في التاريخ المعاصر. تشكلت مجموعات من لجان المقاومة، جرى دمجها في لجنة واحدة، سُمِّيت «جبهة المقاومة الشعبية المتحدة ببورسعيد». ثم ظهر ما عُرف باسم «الهاتاشاما»، وهي حركة مقاومة منظَّمة كانت مهمتها شن حرب نفسية على قوات العدو، وفي نفس الوقت استنهاض روح الصمود والمقاومة لدى أبناء المدينة. الحركة نشطت فورا في كتابة وطباعة المنشورات التي كان يتم توزيعها على أهالي «بورسعيد»، والتي اشترك في صياغتها مجموعة من شعراء وأدباء المدينة. عمدت منشورات «الهاتاشاما» إلى شن حملة نفسية مضادة على العدو، وحث الأهالي على مقاومة الاحتلال، وتحذيرهم من إلقاء السلاح، ودعوتهم إلى توسيع دائرة المقاومة وضم كل من يستطيعون ضمه من الأقارب والجيران. كما كانت تصدر منشورات بالإنجليزية والفرنسية موجهة الى جنود العدو.
الهاتاشاما استخدمت نفس السلاح الذي راهن عليه الأعداء، سلاح الحرب النفسية ونجحت في تدمير معنويات العدو واستنهاض روح المقاومة.
فصول المقاومة الشعبية في بورسعيد تحتاج الى مجلدات لروايتها، وقد تم تسجيلها بالفعل في عشرات الكتب والوثائق.
في ذلك الوقت كتبت صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية التي كانت معارضةً للحرب تقول: «إن بورسعيد قد تحولت إلى قبلة للمتمردين في العالم، فالشباب هناك يصطادون المظليين البريطانيين ببنادق عتيقة، والنساء والرجال حوّلوا شوارع المدينة إلى بحر من الدماء. وعلى الرغم من أن القوات البريطانية قد قتلت المئات من المصريين، فإن بورسعيد توشك أن تتحول إلى دولة عظمى، إذ نجحت في كسر جيوش بريطانيا وفرنسا معاً.. وبسلاح قديم أيضاً».
وانتجت الـ«بي بي سي» فيلما وثائقيا عن العدوان الثلاثي جاء فيه: «حسم المصريون المعركة. قاتلوا بسلاح قديم من شارع إلى شارع ضد أقوى جيوش العالم وقتها، وابتكروا تكتيكات عسكرية جديدة ارتجلوها في ساحة الحرب».
ونشرت الصحف البريطانية نقلا عن مصادر في المخابرات: «إن أجهزتنا أصيبت بالشلل في كل ما يتعلق بأرض المعركة. ومع تزايد أعداد القتلى، خرجت عدد من المظاهرات في لندن وباريس، ونظّمت عدد من أسر الجنود مظاهرات مطالبة بوقف الحرب، وطالب الأهالي بعودة الجنود «قبل أن يقتلهم المصريون».
◼ ◼ ◼
العدوان انتهى على النحو المعروف تاريخيا. وفي 19 ديسمبر 1956 أنزل العلم البريطاني من فوق مبنى هيئة قناة السويس ببورسعيد، الذي كانت قوات العدوان تتخذه مقراً للقيادة. وفي 22 ديسمبر 1956 غادر آخر جندي من القوات البريطانية والفرنسية الأراضي المصرية. وفي 23 ديسمبر 1956 تسلمت السلطات المصرية مدينة بورسعيد، وهو التاريخ الذي اتخذته المدينة عيدًا قوميًا لها «عيد النصر».
كثيرون يعتقدون أن السبب الرئيسي لهزيمة العدوان هو تدخل أمريكا والضغوط التي مارستها. والحقيقة أنه قبل هذا، وأهم من هذا، أن العدوان هزم بسبب قوة الإرادة الوطنية المصرية والمقاومة الباسلة في بورسعيد. وبالمناسبة الإرادة كانت مصرية عربية، فقد وقفت الدول العربية بقوة وحسم مع مصر في مواجهة العدوان.
بهزيمة العدوان سقطت حكومة رئيس الوزراء البريطاني أنتوني ايدن، وانتهى عهد الامبراطورية البريطانية وعهد الاستعمار الفرنسي.
نستعيد هذه الصفحة من تاريخنا ليس للذكرى، ولكن لأن دولنا العربية اليوم وما تواجهه من أخطار وتحديات كبرى ليست بحاجة إلى شيء أكثر من حاجتها إلى استعادة هذه الروح. روح الإرادة الوطنية العربية.. إرادة الرفض والمقاومة والدفاع عن أوطاننا.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك