يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
عبدالناصر وأمريكا ونظرية «الغباء المعقد»
لفت نظري في الفترة الماضية أن بعض الكتاب والمحللين في الغرب الذين يكتبون عن حرب أمريكا وإيران يستعينون بمقولة شهيرة للزعيم جمال عبدالناصر عن أمريكا وسياساتها أطلقها في خمسينيات القرن الماضي. يستعينون بهذه المقولة في معرض انتقاداتهم لإدارة ترامب ومواقفها.
آخر هؤلاء الذين استعانوا بمقولة عبدالناصر كاتبة وباحثة شهيرة كتبت تحليلا مطولا في صحيفة «فايننشال تايمز» البريطانية.
في بداية تجليها استعادت مقولة عبدالناصر التي قال فيها في وصفه للسياسة الخارجية الأمريكية:
«عبقرية الأمريكيين تكمن في أنهم لا يتخذون خطوات غبية واضحة، بل خطوات غبية معقدة، تجعلنا نتساءل إن كنا قد نسينا أو أغفلنا شيئاً ما».
الكاتبة تستخدم هذه المقولة لتحليل الحرب التي شنتها أمريكا على إيران وكيف تطورت، وما الذي انتهى إليه الأمر حتى الآن. تعني أن الحرب التي بدأت كعملية واضحة محددة قدر ترامب أنها ستنتهي سريعا وتحقق الأهداف من ورائها، سرعان ما تطورت إلى عملية معقدة جدا قادت إلى ورطة كبرى لأمريكا ودول المنطقة والعالم.
تحليل «الفايننشال تايمز» وكثير جدا من التحليلات الأمريكية الأخرى، تكاد تجمع اليوم على أمور محددة:
1 – أن ترامب شن الحرب من دون أهداف محددة واضحة. بعبارة أدق هو حدد أهدافا ثبت لاحقا أنها غير قابلة للتحقيق. ومع مرور الوقت تغيرت هذه الأهداف فترة بعد أخرى.
في البداية تحدث ترامب عن هدف تغيير النظام الإيراني في وقت قد يكون قصيرا، ثم سرعان ما تخلى عن هذا الهدف، بل أشاد بالقيادات الإيرانية في مناسبات كثيرة. وتحدث عن تدمير قدرات إيران النووية والعسكرية بأكملها، لكن ثبت أن هذا الهدف لم يتحقق. ولا أحد يعرف اليوم بالضبط ما هي بالضبط الأهداف التي يريد ترامب تحقيقها مع استمرار الحرب.
2 – أن ترامب دخل الحرب من دون خطة محددة واضحة المعالم لتطورها واحتمالاته وكيفية التعامل مع كل تطور من تطورات الحرب.
وكانت النتيجة ما نراه اليوم من تخبط.
يقول تحليل «الفايننشال تايمز» إنه ثبت عدم وجود «خطة كبرى» لأمريكا في الحرب، وأن أمريكا دخلت الحرب على الرغم من أن دول مجلس التعاون حذرتها من الإقدام على الحرب.
وإحدى نتائج ذلك في رأي التحليل أن الأمور تطورت إلى توقيع اتفاق مؤقت «بشروط مواتية للغاية لإيران». يقصد مذكرة التفاهم التي وقعتها أمريكا وإيران، التي تم اعتبارها في صالح إيران في المقام الأول.
3 – أن الإدارة الأمريكية لا تملك استراتيجية للخروج من الحرب وكيفية إنهائها وعلى أي أساس. ولهذا نشهد هذا التخبط فيما تفعله أمريكا وعدم وضوح للمستقبل القريب والبعيد وما الذي سيحدث بالضبط.
هذه الجوانب في مجموعها هي التي اعتبرها محللون «غباء معقدا» بحسب نظرية جمال عبدالناصر عن سياسة أمريكا الخارجية، إذ يقف العالم كله اليوم عاجزا عن الفهم ويفكر «ربما نسينا أو أغفلنا شيئا ما»، كما قال عبدالناصر.
المشكلة الكبرى في كل هذا أن دول مجلس التعاون الخليجي هي التي تدفع ثمن الحرب اليوم. والعالم كله يدفع الثمن، إذ كان من نتيجة هذا التخبط الاستراتيجي الأمريكي أن تفجرت أزمة مضيق هرمز وأصبحت مشكلة كبرى للعالم، على الرغم من أنها لم تكن موجودة أصلا قبل الحرب.
تقول الفايننشال تايمز إن دول مجلس التعاون هي التي تدفع ثمن هذه الحرب وعليها أن تبذل أقصى جهودها «من أجل تعويض غياب التخطيط الاستراتيجي الأمريكي».
كما أن من أخطر نتائج هذا الوضع أن لا أحد يعرف مستقبل المنطقة وما سيحدث فيها في المستقبل القريب والبعيد على كل المستويات، لكن الكل يجمع على أن المستقبل صعب، فقد فرض ترامب على المنطقة وضعا معقدا خطيرا غير واضح المعالم.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك