يوميات سياسية
السيـــــــد زهـــــــره
الديمقراطية الأمريكية تقاوم
منذ سنوات طويلة يدور جدل واسع في أمريكا حول ازمة النظام السياسي والديمقراطية الأمريكية. هذا الجدل يدور في اوساط المفكرين والباحثين والساسة والاعلام وحتى أوساط الرأي العام الأمريكي.
الذي فجر هذا الجدل وجود ظواهر خطيرة في الحياة الأمريكية تبرر الحديث عن ازمة للنظام وللديمقراطية، منها مثلا تفاقم خطر العنف والإرهاب الداخلي، وتصاعد التطرف والنزعات العنصرية. ومنها توجهات الرأي العام كما تعبر عنها استطلاعات الرأي التي تشير الى ان قطاعا لا يستهان به من الأمريكيين لا يثقون في النظام والديمقراطية والمؤسسات الأمريكية.. وهكذا.
هذا الجدل احتدم أكثر مع مجيء الرئيس الأمريكي ترامب في ولايته الثانية. أسباب ذلك كثيرة، أولها ما هو معروف عن ترامب من أنه لا يكن تقديرا كبيرا للمؤسسات الأمريكية ويقول هذا علنا ويعتبر نفسه عموما اقوى من النظام ومن المؤسسات. وترامب ينفرد باتخاذ قرارات حاسمة كثيرة سواء في السياسات الداخلية او الخارجية من دون ان يقيم اعتبارا كبيرا للكونجرس ومختلف المؤسسات ورأيها. وقد رأينا في فترة الحرب مع إيران مثلا انه في كل يوم يعلن قرارات ومواقف مفاجئة وأحيانا متناقضة.
وترامب دائم الهجوم على المؤسسات ويقوم بتهميشها. كما انه يضيق ذرعا بأي أحد ينتقده او يختلف معه في الاعلام الأمريكي ولا يتردد في كيل أعنف الاتهامات له.
كل هذا جعل الجدل يتصاعد في أمريكا عن ازمة النظام وازمة الديمقراطية واصبح الكثيرون يتخوفون من ان أمريكا قد تتجه الى نظام استبدادي ويتحدثون عن انهيار الديمقراطية وخوفهم عل مستقبل أمريكا.. وهكذا.
الأمر الملفت الذي يجب التوقف عنده ان المؤسسات الأمريكية اثبتت انها مؤسسات راسخة قوية وتستطيع الدفاع عن الديمقراطية في مواجهة أي انتهاكات او تجاوزات.
يصح هذا بالذات بالنسبة إلى مؤسسة القضاء الأمريكي.
القضاء الأمريكي يتحدى إدارة الرئيس ترامب واثبت قوته في رفض أي سياسات يقرها الرئيس وتتعارض مع أسس وقيم الديمقراطية والدستور الأمريكي.
يكفي ان نشير هنا الى ما حدث في شهر واحد فقط هو شهر اغسطس الماضي وما فعله القضاء الأمريكي.
في مطلع الشهر رفض قاض اتحادي أمريكي دعوى قضائية رفعتها إدارة الرئيس دونالد ترامب اتهمت فيها جامعة هارفارد بعدم توفير الحماية الكافية للطلاب اليهود والإسرائيليين من المضايقات. وقال القاضي الاتحادي ريتشارد ستيرنز في حكم أصدره في بوسطن إن الدعوى التي رفعتها إدارة ترامب في مارس لم تثبت بشكل مقنع وجود انتهاك مستمر لقانون الحقوق المدنية الاتحادي داخل حرم جامعة هارفارد. وأضاف ستيرنز أن دعوى الحكومة ركزت بشكل كبير على وقائع جرت خلال الاحتجاجات المناهضة لحرب إسرائيل في قطاع غزة خلال العام الدراسي 2023-2024، وعلى عدد قليل من الوقائع اللاحقة التي تردد وقوعها في مارس آذار 2025، والتي وُصفت بأنها «منفصلة ومتقطعة» للغاية بحيث لا تدعم ادعاء بانتهاكات مستمرة للحقوق المدنية. وكان قاض اتحادي قد عرقل العام الماضي مساعي الإدارة لإلغاء حق هارفارد في قبول الطلاب الدوليين.
والشهر الماضي أيضا ألغت قاضية فيدرالية الحظر الذي فرضته إدارة ترامب على إصدار تأشيرات للمهاجرين من 75 دولة، وحكمت بأنه «مخالف للقانون»، ويتجاوز السلطة القانونية المخولة لوزير الخارجية ماركو روبيو.
وكانت وزارة الخارجية الأمريكية قد أوقفت إصدار تأشيرات المهاجرين لمواطني ما يقرب من 40% من دول العالم.
وحكمت قاضية اتحادية أمريكية بعدم دستورية استخدام إدارة الرئيس دونالد ترامب لبعض القوانين من أجل إلغاء تأشيرات طلاب جامعيين غير أمريكيين والشروع في إجراءات ترحيلهم بسبب تأييدهم للفلسطينيين وانتقادهم لإسرائيل.
ووجهت قاضية المحكمة الجزئية نويل وايز في سان هوزيه بولاية كاليفورنيا، انتقادات شديدة إلى وزارتي الخارجية والأمن الداخلي بسبب كيفية استخدامهما بنوداً في قانون الهجرة الاتحادي لاستهداف غير الأمريكيين بالترحيل بسبب تعبيرهم عن آراء سعت الحكومة إلى كبحها. وقالت القاضية: «إن حرية التعبير في الولايات المتحدة، بما في ذلك حرية انتقاد الحكومة وقادتها، تمثل دليلاً على قوة الديمقراطية في البلاد». وأضافت: «تتراجع هذه القوة عندما يضطر أفراد مجتمعنا، سواء كانوا مواطنين أو غير مواطنين، إلى فرض رقابة على أنفسهم و«الالتزام بسلوك بعينه» أو مواجهة انتقام الحكومة».
وعبرت وايز في حكمها عن قلقها من أن الإدارة تحركت لاستهداف أشخاص بسبب تعبيرهم عن أنواع أخرى من الآراء التي لا تستحسنها، قائلة: إن «المستهدفين قد يشملون في نهاية المطاف أي شخص في الولايات المتحدة يمارس حقه في حرية التعبير لمجرد إبداء آراء لا تعجب الحكومة».
وكتبت «هذا المنحدر الخطر يتعارض مع دستورنا الذي يقر بحقنا في التعبير بحرية. ففي هذا البلد يمكنك أن ترفض مضمون ما يقوله شخص ما، وأن تحب في الوقت نفسه الوطن الذي يعتز بالحرية التي تتيح قول ذلك».
كما نرى القضاء الأمريكي بمثل هذه الأحكام، وغيرها كثير، يدافع بقوة وحسم عن الديمقراطية الأمريكية وعن قيم هذه الديمقراطية وفي مقدمتها قيم احترام الرأي الآخر وحرية التعبير، ويتصدى لأي انتهاكات أو تجاوزات ترتكبها الإدارة.
ولهذا قد تكون الديمقراطية الأمريكية في ازمة فعلا، لكنها بفضل قوة المؤسسات وبالأخص القضاء ليست على وشك الانهيار كما يقول البعض.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك