العدد : ١٧٦٩٣ - الثلاثاء ٠١ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٣ - الثلاثاء ٠١ سبتمبر ٢٠٢٦ م، الموافق ١٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الواقع العربي والانتصار على الأوهام

بقلم: د. رضوان السيد

الثلاثاء ٠١ سبتمبر ٢٠٢٦ - 02:00

تتكرر‭ ‬الاعتقادات‭ ‬الخاطئة‭ ‬والأوهام‭ ‬لدى‭ ‬البشر،‭ ‬أفراداً‭ ‬وجماعات،‭ ‬ولدى‭ ‬الدول‭. ‬وأُريد‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬العُجالة‭ ‬أن‭ ‬أتعرّض‭ ‬بالنقد‭ ‬لثلاثة‭ ‬أوهامٍ‭ ‬لم‭ ‬نخرج‭ ‬منها،‭ ‬رغم‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المصاعب‭ ‬والخيبات‭. ‬والانطباعات‭ ‬والأوهام‭ ‬التي‭ ‬أقصدها‭ ‬هي‭: ‬الإسلام‭ ‬السياسي،‭ ‬والتحول‭ ‬الإيراني،‭ ‬وفي‭ ‬الجانب‭ ‬العلمي‭ ‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬الترجمة‭ ‬بطريقةٍ‭ ‬جنونية‭!‬

وسأبدأ‭ ‬بالترجمة،‭ ‬وهي‭ ‬غرامٌ‭ ‬عربي‭ ‬منذ‭ ‬قرابة‭ ‬المائتي‭ ‬عام‭. ‬باعتبار‭ ‬أنّ‭ ‬النهوض‭ ‬الأوروبي‭ ‬صنع‭ ‬مسافةً‭ ‬ضخمةً‭ ‬بيننا‭ ‬وبين‭ ‬التقدم‭ ‬العالمي،‭ ‬الذي‭ ‬سعى‭ ‬الجميع‭ ‬لتداركه‭ ‬بوسائل‭ ‬عدة‭ ‬كانت‭ ‬الترجمة‭ ‬إحداها،‭ ‬بينما‭ ‬العامل‭ ‬المهم‭ ‬الآخر‭: ‬التعليم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬إنشاء‭ ‬المدارس‭ ‬وعن‭ ‬طريق‭ ‬البعثات‭ ‬إلى‭ ‬الخارج‭. ‬

وظلت‭ ‬الشكوى‭ ‬من‭ ‬القصور‭ ‬والتقصير‭ ‬حتى‭ ‬الزمن‭ ‬الراهن‭. ‬فقد‭ ‬انتشرت‭ ‬فكرة‭ ‬السلاسل‭ ‬التي‭ ‬تنشئها‭ ‬وزارات‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭ ‬ووزارات‭ ‬الثقافة،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬والكويت‭ ‬وسوريا‭.‬

ففي‭ ‬مصر،‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬ظهرت‭ ‬سلسلة‭ ‬الألف‭ ‬كتاب،‭ ‬وفي‭ ‬الكويت‭ ‬سلسلة‭ ‬عالم‭ ‬المعرفة‭. ‬لكن‭ ‬في‭ ‬العقود‭ ‬الثلاثة‭ ‬الماضية‭ ‬تحوّل‭ ‬الأمر‭ ‬إلى‭ ‬طوفانٍ‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬التي‭ ‬انتشرت‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬البلاد،‭ ‬وخاصة‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬ومصر‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭. ‬فأصغر‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬تنشر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬عشرين‭ ‬أو‭ ‬ثلاثين‭ ‬كتاباً‭ ‬مترجماً‭ ‬عن‭ ‬الإنجليزية‭ ‬في‭ ‬الغالب‭.‬

‭ ‬وفي‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للثقافة‭ ‬بمصر‭ ‬ثم‭ ‬في‭ ‬منظمة‭ ‬الترجمة‭ ‬يُنشر‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬خمسون‭ ‬كتاباً‭ ‬وأكثر‭. ‬والطريف‭ ‬فيها‭ ‬أنها‭ ‬تعدّت‭ ‬الإنجليزية‭ ‬إلى‭ ‬سائر‭ ‬لغات‭ ‬وثقافات‭ ‬العالم‭. ‬وبسبب‭ ‬هذه‭ ‬الكثافة‭ ‬والتنافس‭ ‬ما‭ ‬عادت‭ ‬أكثر‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬تُصدر‭ ‬غير‭ ‬الروايات‭ ‬والترجمات،‭ ‬والروايات‭ ‬كثيراً‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬مترجمة‭.‬

‭ ‬لقد‭ ‬أثّر‭ ‬ذلك‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬التأليف‭ ‬في‭ ‬موضوعات‭ ‬العلوم‭ ‬الإنسانية‭ ‬وخاصة‭ ‬الفلسفة‭ ‬والأخلاقيات‭ ‬والعلوم‭ ‬الاجتماعية‭. ‬فلا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الغرام،‭ ‬وخاصةٍ‭ ‬أنّ‭ ‬كثرةً‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬المترجمة‭ ‬صارت‭ ‬أقلّ‭ ‬قيمةً‭ ‬بسبب‭ ‬كثرة‭ ‬التنافس‭ ‬حولها‭.‬

‭ ‬وإذا‭ ‬كان‭ ‬الكونترول‭ ‬على‭ ‬دور‭ ‬النشر‭ ‬صعباً،‭ ‬فإنّ‭ ‬الدور‭ ‬التابعة‭ ‬للإدارات‭ ‬الرسمية‭ ‬تستطيع‭ ‬التدقيق‭ ‬أكثر‭ ‬في‭ ‬الاختيارات‭. ‬لا‭ ‬غنى‭ ‬عن‭ ‬الترجمة،‭ ‬لكنّ‭ ‬معظمنا‭ ‬صار‭ ‬يقرأ‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬لغة‭!‬

ولنذهب‭ ‬إلى‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭. ‬فبعد‭ ‬عام‭ ‬1967‭ ‬صار‭ ‬هناك‭ ‬زهد‭ ‬في‭ ‬الجيوش‭ ‬والاتجاه‭ ‬إلى‭ ‬التنظيمات‭ ‬الحزبية‭ ‬للقتال‭. ‬وبعد‭ ‬وقتٍ‭ ‬قصير‭ ‬ما‭ ‬سادت‭ ‬التنظيمات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬ومن‭ ‬حولها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬ديدن‭ ‬كل‭ ‬مريدي‭ ‬التغيير‭.‬

‭ ‬وكان‭ ‬الأسوأ‭ ‬هو‭ ‬ظهور‭ ‬أوهام‭ ‬الجهاد‭ ‬والدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬دعوةً‭ ‬وإنشاءً،‭ ‬بدعوى‭ ‬أنّ‭ ‬الإسلام‭ ‬يملك‭ ‬نظرياتٍ‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬الدول‭ ‬وإدارتها‭ ‬وفي‭ ‬التنظيم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ونظريات‭ ‬المجتمع‭. ‬وقد‭ ‬امتدت‭ ‬نشاطات‭ ‬جماعات‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬لتصبح‭ ‬ممارسات‭ ‬عنيفة‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬العالمي‭ ‬تمارس‭ ‬الإرهاب،‭ ‬وتسيء‭ ‬لرؤية‭ ‬العالم‭ ‬للإسلام‭.‬

وفي‭ ‬حركات‭ ‬التغيير‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬وما‭ ‬بعده‭ ‬تسلّقت‭ ‬بعض‭ ‬التنظيمات‭ ‬إلى‭ ‬السلطة‭ ‬أو‭ ‬صارت‭ ‬أطرافاً‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬الأهلية‭ ‬في‭ ‬الصومال‭ ‬والعراق‭ ‬وسوريا‭ ‬واليمن‭ ‬وليبيا‭. ‬وباستثناء‭ ‬سوريا‭ ‬ما‭ ‬خرجت‭ ‬تلك‭ ‬التنظيمات‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬والإرهاب‭. ‬وما‭ ‬عادت‭ ‬تلك‭ ‬التنظيمات‭ ‬في‭ ‬صعود،‭ ‬لكنّ‭ ‬الإسلام‭ ‬السياسي‭ ‬مازالت‭ ‬أخباره‭ ‬منتشرة،‭ ‬رغم‭ ‬تضاؤل‭ ‬شعبيتها‭ ‬بسبب‭ ‬العنف‭ ‬والإجرام‭ ‬الممارس‭ ‬باسم‭ ‬الدين‭! ‬

ولنصل‭ ‬إلى‭ ‬التحول‭ ‬الإيراني‭ ‬الذي‭ ‬صار‭ ‬تحدياً‭. ‬ففي‭ ‬عام‭ ‬1979‭ ‬عقب‭ ‬الثورة‭ ‬التي‭ ‬قادها‭ ‬الخميني‭ ‬بدا‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنها‭ ‬‮«‬لا‭ ‬تفكر‭ ‬في‭ ‬غير‭ ‬فلسطين‮»‬،‭ ‬وقد‭ ‬اغترّ‭ ‬بذلك‭ ‬شبان‭ ‬العرب‭ ‬حتى‭ ‬اليساريون‭ ‬من‭ ‬بينهم،‭ ‬لكنهم‭ ‬تحوّلوا‭ ‬ببطء‭ ‬ليصبحوا‭ ‬شوكةً‭ ‬في‭ ‬خاصرة‭ ‬العرب‭ ‬وفي‭ ‬العراق‭ ‬وسوريا‭ ‬ولبنان‭ ‬واليمن‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭. ‬لقد‭ ‬لاحظت‭ ‬في‭ ‬كتابي‭: ‬‮«‬العرب‭ ‬والإيرانيون‭ ‬وعلاقات‭ ‬الزمن‭ ‬الحاضر‮»‬‭ (‬2017‭) ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬الراية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬إيران‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الكسب‭ ‬في‭ ‬التصارع‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإسرائيل،‭ ‬أما‭ ‬رأس‭ ‬الحربة‭ ‬الإيرانية‭ ‬فهو‭ ‬موجَّهٌ‭ ‬ضد‭ ‬العرب‭!‬

لقد‭ ‬صارت‭ ‬بعض‭ ‬المقولات‭ ‬والممارسات‭ ‬الثقافية‭ ‬والاستراتيجية‭ ‬أوهاما‭ ‬بعد‭ ‬طول‭ ‬التجارب‭ ‬والفشل،‭ ‬وينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬إلى‭ ‬غير‭ ‬رجعة‭!‬

 

{ كاتب‭ ‬ومفكر‭ ‬من‭ ‬لبنان

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا