العدد : ١٧٦٩٢ - الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٢ - الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

أين مجلس السلام من توفير إيواء كريم لنازحي غزة؟

بقلم: محمد مصطفى شاهين {

الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

يقترب‭ ‬الشتاء‭ ‬من‭ ‬غزة،‭ ‬بينما‭ ‬تقترب‭ ‬معه‭ ‬لحظة‭ ‬أخرى‭ ‬من‭ ‬امتحان‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني،‭ ‬فهناك‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬البقعة‭ ‬المحاصرة‭ ‬ما‭ ‬يقارب‭ ‬مليونًا‭ ‬وسبعمائة‭ ‬ألف‭ ‬نازح،‭ ‬لا‭ ‬ينتظرون‭ ‬موسمًا‭ ‬جديدًا‭ ‬من‭ ‬المطر،‭ ‬وإنما‭ ‬ينتظرون‭ ‬سقفًا‭ ‬يحمي‭ ‬أطفالهم‭ ‬من‭ ‬البرد،‭ ‬ومأوى‭ ‬يحفظ‭ ‬أجسادهم‭ ‬من‭ ‬الماء‭ ‬والوحل،‭ ‬وخيمة‭ ‬لا‭ ‬تنهار‭ ‬فوق‭ ‬رؤوسهم‭ ‬حين‭ ‬تهب‭ ‬الرياح‭. ‬

هؤلاء‭ ‬ليسوا‭ ‬أرقامًا‭ ‬في‭ ‬تقارير‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية،‭ ‬ولا‭ ‬كتلة‭ ‬بشرية‭ ‬تنتظر‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬طوابير‭ ‬المساعدات،‭ ‬إنهم‭ ‬بشر‭ ‬لهم‭ ‬أسماء‭ ‬ووجوه‭ ‬وأطفال‭ ‬وأمهات‭ ‬وشيوخ‭ ‬وأحلام‭ ‬صغيرة،‭ ‬كان‭ ‬أكبرها‭ ‬أن‭ ‬يعيشوا‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬آمن،‭ ‬ثم‭ ‬صار‭ ‬أقصى‭ ‬ما‭ ‬يرجونه‭ ‬أن‭ ‬تنجو‭ ‬خيمتهم‭ ‬من‭ ‬ليلة‭ ‬ماطرة‭.‬

لقد‭ ‬تحولت‭ ‬الخيمة‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬رمز‭ ‬مؤقت‭ ‬للنزوح‭ ‬إلى‭ ‬عنوان‭ ‬دائم‭ ‬للمأساة،‭ ‬خيام‭ ‬أنهكتها‭ ‬الشمس،‭ ‬ومزقتها‭ ‬الرياح،‭ ‬وتآكلت‭ ‬أقمشتها،‭ ‬وتسللت‭ ‬إليها‭ ‬الرطوبة،‭ ‬ولم‭ ‬تعد‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬شتاء‭ ‬جديد،‭ ‬وفي‭ ‬داخل‭ ‬كل‭ ‬خيمة‭ ‬قصة‭ ‬إنسان‭ ‬اقتُلع‭ ‬من‭ ‬منزله،‭ ‬ودُفع‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آخر،‭ ‬ثم‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬ثالث،‭ ‬حتى‭ ‬فقد‭ ‬معنى‭ ‬الاستقرار‭ ‬نفسه‭. ‬إن‭ ‬الأسرة‭ ‬التي‭ ‬تنام‭ ‬فوق‭ ‬الأرض،‭ ‬وتستيقظ‭ ‬على‭ ‬البلل،‭ ‬وتضع‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬أمتعتها‭ ‬في‭ ‬أكياس‭ ‬بلاستيكية،‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬خطب‭ ‬عن‭ ‬الإنسانية‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬إنسانية‭ ‬حقيقية‭ ‬تصل‭ ‬إليها‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تصل‭ ‬العاصفة‭.‬

ماذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬يتحدث‭ ‬العالم‭ ‬عن‭ ‬السلام،‭ ‬بينما‭ ‬ينام‭ ‬طفل‭ ‬فلسطيني‭ ‬تحت‭ ‬قطعة‭ ‬قماش‭ ‬ممزقة،‭ ‬ينتظر‭ ‬المطر؟‭ ‬ماذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬تتحدث‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬عن‭ ‬القانون‭ ‬والكرامة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬بينما‭ ‬لا‭ ‬يجد‭ ‬النازح‭ ‬مكانًا‭ ‬جافًا‭ ‬يضع‭ ‬فيه‭ ‬جسده‭ ‬المنهك؟‭ ‬ماذا‭ ‬تعني‭ ‬كل‭ ‬المواثيق‭ ‬الدولية‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تحميه‭ ‬هذه‭ ‬المواثيق‭ ‬عاجزًا‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬أطفاله‭ ‬من‭ ‬برد‭ ‬الشتاء؟‭ ‬إن‭ ‬القانون‭ ‬الإنساني‭ ‬الدولي‭ ‬لم‭ ‬يوضع‭ ‬ليكون‭ ‬نصًا‭ ‬محفوظًا‭ ‬في‭ ‬الوثائق،‭ ‬وإنما‭ ‬ليحمي‭ ‬الإنسان‭ ‬عندما‭ ‬يصبح‭ ‬أكثر‭ ‬ضعفًا،‭ ‬وليفرض‭ ‬على‭ ‬الأطراف‭ ‬والمجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬مسؤوليات‭ ‬واضحة‭ ‬تجاه‭ ‬المدنيين‭ ‬الذين‭ ‬اقتلعتهم‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬مساكنهم،‭ ‬وأفقدتهم‭ ‬مقومات‭ ‬الحياة‭.‬

وهنا‭ ‬يصبح‭ ‬السؤال‭ ‬أكثر‭ ‬قسوة‭: ‬أين‭ ‬مجلس‭ ‬السلام؟‭ ‬إن‭ ‬كان‭ ‬السلام‭ ‬اسمًا‭ ‬لمشروع‭ ‬سياسي‭ ‬جديد،‭ ‬فإن‭ ‬غزة‭ ‬هي‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يخضع‭ ‬فيه‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬لأول‭ ‬امتحان‭ ‬حقيقي؛‭ ‬لأن‭ ‬السلام‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفتح‭ ‬المعابر‭ ‬أمام‭ ‬أدوات‭ ‬الإيواء،‭ ‬ولا‭ ‬يؤمن‭ ‬خيامًا‭ ‬صالحة‭ ‬للسكن،‭ ‬ولا‭ ‬يحمي‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬الشتاء،‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬مجرد‭ ‬مصطلح‭ ‬سياسي‭ ‬بلا‭ ‬مضمون‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬السلام‭ ‬الحقيقي‭ ‬يبدأ‭ ‬حين‭ ‬يشعر‭ ‬الإنسان‭ ‬الضعيف‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬يراه‭ ‬ويسمعه‭ ‬ويحميه،‭ ‬لا‭ ‬حين‭ ‬تتكاثر‭ ‬البيانات‭ ‬في‭ ‬العواصم‭ ‬وقاعات‭ ‬المؤتمرات‭.‬

إن‭ ‬مليونًا‭ ‬وسبعمائة‭ ‬ألف‭ ‬نازح‭ ‬لا‭ ‬يحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬وعد‭ ‬مؤجل،‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬تعاطف‭ ‬موسمي،‭ ‬إنهم‭ ‬يحتاجون‭ ‬الآن‭ ‬إلى‭ ‬خطة‭ ‬إيواء‭ ‬عاجلة‭ ‬وشاملة‭ ‬تتناسب‭ ‬مع‭ ‬حجم‭ ‬الكارثة،‭ ‬وإلى‭ ‬إدخال‭ ‬الخيام‭ ‬المقاومة‭ ‬للظروف‭ ‬الجوية،‭ ‬ومواد‭ ‬العزل،‭ ‬والأغطية،‭ ‬والفرش،‭ ‬ووسائل‭ ‬التدفئة‭ ‬الآمنة،‭ ‬وأدوات‭ ‬إصلاح‭ ‬الخيام،‭ ‬ومستلزمات‭ ‬تصريف‭ ‬مياه‭ ‬الأمطار‭ ‬والصرف‭ ‬الصحي،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المأوى‭ ‬الإنساني‭ ‬مأوى‭ ‬بالمعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للكلمة‭. ‬فالكرامة‭ ‬ليست‭ ‬طعامًا‭ ‬فقط،‭ ‬والنجاة‭ ‬ليست‭ ‬دواءً‭ ‬فقط،‭ ‬والحق‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬لا‭ ‬يكتمل‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الإنسان‭ ‬مهددًا‭ ‬بالموت‭ ‬من‭ ‬البرد‭ ‬والمياه‭ ‬والأمراض‭ ‬التي‭ ‬تتكاثر‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬النزوح‭.‬

تخيلوا‭ ‬للحظة‭ ‬أنكم‭ ‬تنامون‭ ‬مع‭ ‬أطفالكم‭ ‬في‭ ‬خيمة‭ ‬مهترئة،‭ ‬وأن‭ ‬المطر‭ ‬بدأ‭ ‬يتساقط،‭ ‬وأن‭ ‬المياه‭ ‬أخذت‭ ‬طريقها‭ ‬إلى‭ ‬فراشكم،‭ ‬وأن‭ ‬الطفل‭ ‬يرتجف‭ ‬من‭ ‬البرد،‭ ‬وأن‭ ‬الأم‭ ‬تحاول‭ ‬أن‭ ‬تمنع‭ ‬الماء‭ ‬بقطعة‭ ‬قماش،‭ ‬وأن‭ ‬الأب‭ ‬يبحث‭ ‬في‭ ‬الظلام‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬يسد‭ ‬به‭ ‬فتحة‭ ‬في‭ ‬سقف‭ ‬الخيمة‭. ‬تخيلوا‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تملكونه‭ ‬موجود‭ ‬تحت‭ ‬أقدامكم،‭ ‬وأنكم‭ ‬لا‭ ‬تستطيعون‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬بيت؛‭ ‬لأنه‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬موجودًا‭ ‬أصلًا،‭ ‬ثم‭ ‬تخيلوا‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬يعرف‭ ‬ذلك،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬لا‭ ‬يصل‭ ‬إليكم‭ ‬ما‭ ‬تحتاجونه‭ ‬للبقاء،‭ ‬فهل‭ ‬يمكن‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭ ‬بصورته‭ ‬التي‭ ‬نعرفها؟

إن‭ ‬مأساة‭ ‬غزة‭ ‬لا‭ ‬تختبر‭ ‬قدرة‭ ‬المنظمات‭ ‬الإنسانية‭ ‬وحدها،‭ ‬وإنما‭ ‬تختبر‭ ‬المعنى‭ ‬الحقيقي‭ ‬للإنسانية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العصر،‭ ‬وتختبر‭ ‬صدق‭ ‬النظام‭ ‬الدولي‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬المدنيين،‭ ‬وتختبر‭ ‬قيمة‭ ‬القانون‭ ‬حين‭ ‬يتحول‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬مسؤولية،‭ ‬وتختبر‭ ‬مجلس‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬واجباته‭. ‬فليس‭ ‬المطلوب‭ ‬أن‭ ‬ينتظر‭ ‬النازح‭ ‬نهاية‭ ‬الشتاء‭ ‬حتى‭ ‬تتحرك‭ ‬السياسة،‭ ‬وليس‭ ‬مقبولًا‭ ‬أن‭ ‬تصبح‭ ‬حماية‭ ‬المدنيين‭ ‬مسألة‭ ‬تفاوضية،‭ ‬بينما‭ ‬المطر‭ ‬لا‭ ‬يتفاوض،‭ ‬والبرد‭ ‬لا‭ ‬يتفاوض،‭ ‬والمرض‭ ‬لا‭ ‬يتفاوض،‭ ‬والموت‭ ‬لا‭ ‬ينتظر‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭.‬

غزة‭ ‬اليوم‭ ‬تضع‭ ‬العالم‭ ‬أمام‭ ‬مرآته،‭ ‬فمن‭ ‬يملك‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬إدخال‭ ‬أدوات‭ ‬الإيواء‭ ‬ثم‭ ‬يتأخر‭ ‬عنها‭ ‬يعرف‭ ‬حجم‭ ‬المسؤولية‭ ‬التي‭ ‬يحملها،‭ ‬ومن‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬المساعدات‭ ‬ثم‭ ‬يترك‭ ‬الخيام‭ ‬تنهار،‭ ‬يعرف‭ ‬أن‭ ‬الصمت‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الظروف‭ ‬ليس‭ ‬حيادًا،‭ ‬إنما‭ ‬هو‭ ‬عجز‭ ‬أخلاقي‭ ‬عن‭ ‬حماية‭ ‬إنسان‭ ‬يعرف‭ ‬الجميع‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬الحماية‭.‬

يا‭ ‬مجلس‭ ‬السلام،‭ ‬إن‭ ‬أردتم‭ ‬للسلام‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اسمًا‭ ‬له‭ ‬معنى،‭ ‬فابدؤوا‭ ‬من‭ ‬خيمة‭ ‬النازح‭ ‬قبل‭ ‬طاولة‭ ‬المفاوضات،‭ ‬ابدؤوا‭ ‬من‭ ‬الطفل‭ ‬قبل‭ ‬البيانات،‭ ‬ومن‭ ‬الأم‭ ‬قبل‭ ‬المؤتمرات،‭ ‬ومن‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬السياسة‭. ‬افتحوا‭ ‬الطريق‭ ‬أمام‭ ‬الإيواء‭ ‬الكريم،‭ ‬وأدخلوا‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لحماية‭ ‬مليون‭ ‬وسبعمائة‭ ‬ألف‭ ‬نازح‭ ‬من‭ ‬شتاء‭ ‬قاسٍ،‭ ‬فإنقاذ‭ ‬الإنسان‭ ‬ليس‭ ‬تفصيلًا‭ ‬في‭ ‬مشروع‭ ‬السلام،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬السلام‭ ‬نفسه‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬من‭ ‬فلسطين

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا