يقول تعالى: (ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون (6) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرؤوف رحيم (7) والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون (8) وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين (9) النحل.
هذه الآيات الجليلات حين نتدبرها ونستخبرها الخبر اليقين سوف نجد أنها تتحدث عن صلة الإنسان بهذه المخلوقات، والتي خلقها الله تعالى وسخرها لخدمة للإنسان تيسر حياته المليئة بالعقبات والصعاب، وهذا من كرم الله تعالى على عباده، فهو سبحانه خلق الإنسان من عَدَمْ، وأمده من عُدْم، ويسر له سبيل المعايش ليستعين بكل ذلك للمهمة التي خلق من أجلها، وانتدبه الله تعالى وهي الخلافة في الأرض تحقيقًا لقوله سبحانه وتعالى: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون» البقرة / 30.
هذا الحوار العجيب الذي أنشأه الحق سبحانه وتعالى مع الملائكة يكشف لنا من خلاله عن الحرية الكبيرة في المناقشة والجدل من أجل إخراج الحكمة البالغة ّفيما يجريه الله جل جلاله على مخلوقاته، وبيان موقف الإنسان المؤمن حين يستقبل قَدر الله تعالى بالتسليم المطلق وليس له أن يعترض وعليه أن يطلب من مولاه اللطف في الًقضاء، وما دام قدر الله واقع لا محالة، فعلى العبد الطائع أن يستجيب، وأن يصبر ويصابر، بل وأن يرضى لأن الرضا مادة تحلية إذا مزجها العبد بالبلاء تجاوز المحنة وليعلم العبد أنه ليس له أن يرد القضاء، ولكن له أن يسأل مولاه سبحانه اللطف فيه ذلك لأن البلاء نازل لا محالة، وعليه أن يصبر ويسأل مولاه سبحانه اللطف فيه ويصبر.
ومن القواعد الفقهية والتي يحب الله تعالى من العبد أن يأتيها ولا يتكبر عليها ألا يرد عطاء الله لأن الله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يحب أن تؤتى عزائمه، ومن القواعد الفقهية أيضًا أن المشقة توجب التيسير، وأن المسلم حين يعز عليه طلب الحلال من الطعام والشراب، فإن الحق سبحانه قد أباح له ما حرم عليه في حد الضرورة، ومعلوم أنه عند الضرورات تباح المحذورات، وأنه يرفع الحرج عن العبد حين يضطر إلى أكل شيء من الحرام استبقاءً لحياته، وحين يكلفه الشارع الحكيم بما لا يطيق يعينه بالرخص على ذلك، فالصيام عزيمة يجب على المسلم ألا يفرط فيه لكن حين تتغير أحواله من الصحة إلى المرض، ومن الإقامة إلى السفر، فإن عليه وله أن يؤدي هذه العبادات بالًقدر الذي يستطيعه، فمثلًا له أن يفطر حين يتعذر عليه الصيام وأن يقضي ما فاته عندما يعود من سفره، أو يشفى من مرضه.
كذلك فإن الصلاة في السفر غيرها في الحضر، فإذا كانت الصلاة في الإقامة لها شروطها وأركانها وتعذر عليه ذلك، فإذا عاد من سفره، أو شفي من مرضه، أقام الصلاة حسب استطاعته عملًا بقوله تعالى: «شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدي للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم. تشكرون» البقرة 185.
إن الحق سبحانه وتعالى حين يعدد منافع هذه المخلوقات، ويبين ما خفي من عطاءاتها الكثيرة ما يرفد حياتنا بما يجعلها سهلة ميسرة وغير عسيرة.
ذلكم هو القرآن العظيم وما فيه من خلال تدبر سوره وآياته التي حفظها الله تعالى نصًا مكتوبًا في الكتاب، وقرآنًا يتلى في مصحف، قال تعالى: «وإنه لكتاب عزيز (41) لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42)» فصلت.
إذن، فهو كتاب متأبٍ على التقليد والتبديل بالإضافة أو الحذف.. إنه القرآن معجزة الإسلام الباقية.. وشريعته الحاكمة، وبيانه الواضح الذي لا عوج فيه ولا أمتا، وهو الميزان الذي قرنه الله تعالى برفع السماء ثقة في عدله وإنصافه لأنه من حكيم حميد، ولقوله تعالى: «أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا» النساء / 82.
إذًا، وبنص القرآن الكريم إنه كتاب محفوظ لا يمسه إلا المطهرون، وهو تنزيل من حكيم حميد لا يجرؤ عليه أحد من العالمين بسوء نية أو بحسن نية لأنه من عند الله تعالى.
ولهذا لا نجد فيه اختلافا كثيرًا، ولقد حسم الحق سبحانه الجدل حوله، وحول قدسيته، وتأبيه على التقليد والمماثلة أو حتى المشابهة مع أي كتاب سماوي آخر لقوله تعالى: «هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون» البقرة / 33.
ولقد ضمن له الحق سبحانه أسباب القوة والمنعة، حتى أنه سبحانه تحداهم في أن يأتوا بمثله، وبعشر سور من مثله، وحتى بسورة واحدة، فعجزوا عن مجاراته مع أنه يسر السبيل لهم بالتدرج نزولًا حتى بسورة واحدة مفتراة، وأجاز لهم الاستعانة بقوى الشر من الإنس والجن.
والمسلمون على ثقة تامة بما لديهم من مصادر المعرفة التي علمها الله تعالى للمسلمين بداية من أبيهم آدم (عليه السلام) وإلى أن يرث الله تعالى في يوم الناس، وكل ذلك في بيان واضح لا غبش فيه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك