العدد : ١٧٦٩٢ - الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٢ - الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٨ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

ليلة قبل العودة إلى المدرسة

بقلم: نبيلة رجب {

الاثنين ٣١ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬السنوات‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬مدرسته،‭ ‬كان‭ ‬أصغر‭ ‬أبنائي‭ ‬يطرق‭ ‬باب‭ ‬غرفتي‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬عام،‭ ‬واضعًا‭ ‬يده‭ ‬على‭ ‬بطنه،‭ ‬يقول‭ ‬إن‭ ‬الوجع‭ ‬شديد‭. ‬الليلة‭ ‬ذاتها‭ ‬تتكرر‭ ‬كل‭ ‬سنة،‭ ‬الليلة‭ ‬التي‭ ‬تسبق‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬دراسي‭. ‬أصبُّ‭ ‬له‭ ‬من‭ ‬غرشة‭ ‬المرقدوش،‭ ‬فيهدأ‭ ‬قليلاً‭ ‬ويظل‭ ‬يتقلَّب‭ ‬في‭ ‬فراشه‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬قبل‭ ‬الفجر‭. ‬في‭ ‬الصباح‭ ‬يذهب‭ ‬إلى‭ ‬مدرسته،‭ ‬ومع‭ ‬انتهاء‭ ‬الدوام‭ ‬يكون‭ ‬الوجع‭ ‬قد‭ ‬انصرف،‭ ‬ليغيب‭ ‬سنة‭ ‬كاملة‭ ‬ويعود‭ ‬في‭ ‬موعده‭. ‬وكان‭ ‬قلقه‭ ‬يتسرَّب‭ ‬إليّ‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الليلة،‭ ‬فأسهر‭ ‬بسهره‭ ‬وأنتظر‭ ‬معه‭ ‬ذلك‭ ‬الصباح‭.‬

ظننته‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬الأمر‭ ‬حيلة‭ ‬طفل‭ ‬يشتري‭ ‬يوماً‭ ‬إضافياً‭ ‬في‭ ‬البيت‭. ‬الطب‭ ‬يقول‭ ‬غير‭ ‬هذا‭. ‬آلام‭ ‬البطن‭ ‬المتكررة‭ ‬تصيب‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬8‭ ‬و25‭ ‬بالمئة‭ ‬من‭ ‬الأطفال‭ ‬في‭ ‬سنّ‭ ‬المدرسة،‭ ‬وكثير‭ ‬منها‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬سبب‭ ‬عضوي،‭ ‬وتُعدُّ‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬أسباب‭ ‬تغيّبهم‭ ‬عن‭ ‬الدراسة،‭ ‬وترتفع‭ ‬بين‭ ‬المصابين‭ ‬بها‭ ‬معدلات‭ ‬القلق‭. ‬معدة‭ ‬الطفل‭ ‬لسانه‭ ‬الثاني،‭ ‬تنطق‭ ‬بما‭ ‬يعجز‭ ‬لسانه‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬قوله‭.‬

سألته‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬تلك‭ ‬الليالي‭ ‬عمّا‭ ‬يخيفه‭. ‬جاء‭ ‬جوابه‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الدروس‭ ‬والمعلّمين‭ ‬والامتحانات،‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬يخشى‭ ‬ألا‭ ‬يجد‭ ‬في‭ ‬فصله‭ ‬الجديد‭ ‬أحدًا‭ ‬يعرفه‭.‬

في‭ ‬عالم‭ ‬الطفل،‭ ‬الصديق‭ ‬هو‭ ‬الأمان‭ ‬كله‭. ‬الكبير‭ ‬ينتقل‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬جديد‭ ‬فتسنده‭ ‬خبرته‭ ‬ومعرفته‭ ‬بأن‭ ‬الغربة‭ ‬أسابيع‭ ‬وتزول‭. ‬الطفل‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬العدّة،‭ ‬ولديه‭ ‬وجه‭ ‬واحد‭ ‬أليف‭ ‬في‭ ‬ساحة‭ ‬تضجّ‭ ‬بمئات‭ ‬الوجوه،‭ ‬فإذا‭ ‬سُحب‭ ‬منه‭ ‬هذا‭ ‬الوجه‭ ‬بقي‭ ‬وحيداً‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬يعرف‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬فيه‭ ‬عدا‭ ‬الجالسين‭ ‬حوله‭.‬

توزّع‭ ‬المدرسة‭ ‬طلبتها‭ ‬بحسب‭ ‬الأعداد‭ ‬والطاقة‭ ‬الاستيعابية‭ ‬والتوازن‭ ‬بين‭ ‬المستويات،‭ ‬وهي‭ ‬معايير‭ ‬إدارية‭ ‬سليمة‭ ‬تحفظ‭ ‬انتظام‭ ‬العمل‭. ‬خريطة‭ ‬الطفل‭ ‬مرسومة‭ ‬بمقياس‭ ‬آخر،‭ ‬اسمٌ‭ ‬واحد‭ ‬يجلس‭ ‬إلى‭ ‬جانبه‭ ‬فيهون‭ ‬عليه‭ ‬الباب‭ ‬والطابور‭ ‬والحصة‭ ‬الأولى‭. ‬المعايير‭ ‬مكتوبة‭ ‬في‭ ‬الاستمارة،‭ ‬وخريطته‭ ‬تبقى‭ ‬في‭ ‬صدره‭ ‬لا‭ ‬يقرأها‭ ‬أحد‭.‬

تمنيتُ‭ ‬يومها‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬في‭ ‬استمارة‭ ‬التوزيع‭ ‬خانة‭ ‬واحدة‭ ‬يكتب‭ ‬فيها‭ ‬الطفل‭ ‬اسم‭ ‬صديق‭ ‬يريد‭ ‬بقاءه‭ ‬معه‭. ‬مدرسة‭ ‬تستقبل‭ ‬آلاف‭ ‬الطلبة‭ ‬لا‭ ‬تلاحق‭ ‬أمنيات‭ ‬صغيرة‭ ‬كهذه،‭ ‬فبقيت‭ ‬أمنية‭ ‬أمّ‭ ‬ساهرة‭.‬

يقول‭ ‬المثل‭: ‬الرفيق‭ ‬قبل‭ ‬الطريق‭. ‬قيل‭ ‬في‭ ‬سفرٍ‭ ‬طويل،‭ ‬ولم‭ ‬يخطر‭ ‬ببال‭ ‬قائله‭ ‬فصلٌ‭ ‬دراسي‭ ‬يقضي‭ ‬فيه‭ ‬الطفل‭ ‬عامه‭ ‬كله‭. ‬وأول‭ ‬ما‭ ‬تقع‭ ‬عليه‭ ‬عينه‭ ‬حين‭ ‬يدخله‭ ‬وجوه‭ ‬من‭ ‬حوله‭ ‬لا‭ ‬السبورة‭ ‬أمامه‭.‬

الطفل‭ ‬المطمئن‭ ‬في‭ ‬صفه‭ ‬يعطي‭ ‬الدرس‭ ‬انتباهه‭ ‬كله‭. ‬والطفل‭ ‬القلق‭ ‬يعطيه‭ ‬نصفه،‭ ‬فنصفه‭ ‬الآخر‭ ‬مشغول‭ ‬بمن‭ ‬حوله،‭ ‬هل‭ ‬يقبلونه‭ ‬ومع‭ ‬من‭ ‬يجلس‭ ‬في‭ ‬الفسحة‭ ‬ومن‭ ‬يختاره‭ ‬في‭ ‬اللعب‭. ‬الدرس‭ ‬واحد‭ ‬في‭ ‬الحالتين،‭ ‬وما‭ ‬يصل‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬الطفلين‭ ‬مختلف‭.‬

وللمدرسة‭ ‬وجهة‭ ‬نظرها‭. ‬كانت‭ ‬مدرسته‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬الوقت‭ ‬تتعمد‭ ‬تبديل‭ ‬الطلبة‭ ‬بين‭ ‬الفصول‭ ‬كل‭ ‬عام‭ ‬خشية‭ ‬أن‭ ‬تتكوّن‭ ‬شلل‭ ‬مغلقة،‭ ‬فالمجموعة‭ ‬التي‭ ‬تطول‭ ‬صحبتها‭ ‬تضيق‭ ‬عمن‭ ‬حولها،‭ ‬وتصنع‭ ‬لنفسها‭ ‬حدوداً‭ ‬تُقصي‭ ‬بها‭ ‬الغريب‭ ‬عنها،‭ ‬وقد‭ ‬ينشأ‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أسوأ‭ ‬من‭ ‬الإقصاء‭. ‬وأرادت‭ ‬لكل‭ ‬طفل‭ ‬أن‭ ‬يخالط‭ ‬الجميع‭ ‬لا‭ ‬فئة‭ ‬واحدة‭ ‬يختارها‭ ‬ويقفل‭ ‬عليها‭. ‬مقصدٌ‭ ‬أفهمه‭ ‬ولا‭ ‬أعترض‭ ‬عليه،‭ ‬فالطفل‭ ‬الذي‭ ‬يتنقل‭ ‬بين‭ ‬مجموعات‭ ‬يتعلّم‭ ‬مخالطة‭ ‬من‭ ‬يختلف‭ ‬عنه،‭ ‬والذي‭ ‬يبقى‭ ‬سنواته‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬واحدة‭ ‬يخرج‭ ‬منها‭ ‬ضيّقها‭.‬

والمعلّم‭ ‬الذي‭ ‬يلمح‭ ‬في‭ ‬الأسبوع‭ ‬الأول‭ ‬طفلاً‭ ‬يجلس‭ ‬وحده،‭ ‬ويقرّبه‭ ‬من‭ ‬زميل،‭ ‬يكون‭ ‬قد‭ ‬أعطاه‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬يبحث‭ ‬عنه‭.‬

وللأم‭ ‬والأب‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬أثرٌ‭ ‬لا‭ ‬تملكه‭ ‬المدرسة‭. ‬متى‭ ‬اطمأننا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الطفل‭ ‬ليس‭ ‬مريضاً،‭ ‬فإبقاؤه‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬صباح‭ ‬اليوم‭ ‬الأول‭ ‬يريح‭ ‬ليلته‭ ‬ويكبّر‭ ‬خوفه‭ ‬في‭ ‬العام‭ ‬المقبل،‭ ‬فالخوف‭ ‬يتسع‭ ‬بالتجنّب‭ ‬ويضمر‭ ‬بالمواجهة‭. ‬أخذته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬إلى‭ ‬باب‭ ‬مدرسته،‭ ‬لم‭ ‬أسخر‭ ‬من‭ ‬شكواه‭ ‬ولم‭ ‬أهوّل‭ ‬عليه،‭ ‬وقلت‭ ‬له‭ ‬إن‭ ‬الوجع‭ ‬سيبقى‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬ولن‭ ‬يدخل‭ ‬معه‭ ‬الفصل‭. ‬وعاد‭ ‬في‭ ‬المساء‭ ‬وقد‭ ‬نسي‭ ‬بطنه‭ ‬ونسي‭ ‬الليلة‭ ‬كلها‭.‬

فإن‭ ‬تكرّر‭ ‬الوجع‭ ‬ولم‭ ‬يهدأ،‭ ‬فالباب‭ ‬مفتوح‭ ‬عند‭ ‬اختصاصي‭ ‬الإرشاد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مدرسة،‭ ‬وجلسة‭ ‬واحدة‭ ‬معه‭ ‬قد‭ ‬تُخرج‭ ‬من‭ ‬الطفل‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يقله‭ ‬في‭ ‬البيت‭.‬

عامٌ‭ ‬دراسي‭ ‬جديد‭ ‬سيبدأ،‭ ‬وفي‭ ‬أوله‭ ‬تحية‭ ‬لأبنائنا‭ ‬الذاهبين‭ ‬إلى‭ ‬صفوفهم،‭ ‬ولمعلّمين‭ ‬ومعلّمات‭ ‬يستقبلونهم‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬ويحملون‭ ‬عنهم‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُحصى،‭ ‬وللقائمين‭ ‬على‭ ‬تعليمنا‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬التربية‭ ‬والتعليم‭. ‬المدرسة‭ ‬تُهيّئ‭ ‬مقاعدها‭ ‬وكتبها‭ ‬وجداولها،‭ ‬ويبقى‭ ‬على‭ ‬البيت‭ ‬أن‭ ‬يهيّئ‭ ‬الطفل‭ ‬نفسه‭.‬

في‭ ‬بيوت‭ ‬كثيرة‭ ‬تمرّ‭ ‬ليلةٌ‭ ‬تسبق‭ ‬أول‭ ‬يوم‭ ‬دراسي‭. ‬طفلٌ‭ ‬يطرق‭ ‬باب‭ ‬أمّه‭ ‬ويده‭ ‬على‭ ‬بطنه،‭ ‬وبينهما‭ ‬كلامٌ‭ ‬لم‭ ‬يُقل‭ ‬بعد‭.‬

 

{ قانونية‭ ‬وكاتبة‭ ‬بحرينية

rajabnabeela@gmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا