في السنوات الأولى من مدرسته، كان أصغر أبنائي يطرق باب غرفتي في ليلة واحدة من كل عام، واضعًا يده على بطنه، يقول إن الوجع شديد. الليلة ذاتها تتكرر كل سنة، الليلة التي تسبق أول يوم دراسي. أصبُّ له من غرشة المرقدوش، فيهدأ قليلاً ويظل يتقلَّب في فراشه إلى ما قبل الفجر. في الصباح يذهب إلى مدرسته، ومع انتهاء الدوام يكون الوجع قد انصرف، ليغيب سنة كاملة ويعود في موعده. وكان قلقه يتسرَّب إليّ في تلك الليلة، فأسهر بسهره وأنتظر معه ذلك الصباح.
ظننته في أول الأمر حيلة طفل يشتري يوماً إضافياً في البيت. الطب يقول غير هذا. آلام البطن المتكررة تصيب ما بين 8 و25 بالمئة من الأطفال في سنّ المدرسة، وكثير منها يخلو من سبب عضوي، وتُعدُّ من أكثر أسباب تغيّبهم عن الدراسة، وترتفع بين المصابين بها معدلات القلق. معدة الطفل لسانه الثاني، تنطق بما يعجز لسانه الأول عن قوله.
سألته في إحدى تلك الليالي عمّا يخيفه. جاء جوابه بعيداً عن الدروس والمعلّمين والامتحانات، قال إنه يخشى ألا يجد في فصله الجديد أحدًا يعرفه.
في عالم الطفل، الصديق هو الأمان كله. الكبير ينتقل إلى عمل جديد فتسنده خبرته ومعرفته بأن الغربة أسابيع وتزول. الطفل يفتقر إلى هذه العدّة، ولديه وجه واحد أليف في ساحة تضجّ بمئات الوجوه، فإذا سُحب منه هذا الوجه بقي وحيداً في مكان يعرف كل شيء فيه عدا الجالسين حوله.
توزّع المدرسة طلبتها بحسب الأعداد والطاقة الاستيعابية والتوازن بين المستويات، وهي معايير إدارية سليمة تحفظ انتظام العمل. خريطة الطفل مرسومة بمقياس آخر، اسمٌ واحد يجلس إلى جانبه فيهون عليه الباب والطابور والحصة الأولى. المعايير مكتوبة في الاستمارة، وخريطته تبقى في صدره لا يقرأها أحد.
تمنيتُ يومها لو أن في استمارة التوزيع خانة واحدة يكتب فيها الطفل اسم صديق يريد بقاءه معه. مدرسة تستقبل آلاف الطلبة لا تلاحق أمنيات صغيرة كهذه، فبقيت أمنية أمّ ساهرة.
يقول المثل: الرفيق قبل الطريق. قيل في سفرٍ طويل، ولم يخطر ببال قائله فصلٌ دراسي يقضي فيه الطفل عامه كله. وأول ما تقع عليه عينه حين يدخله وجوه من حوله لا السبورة أمامه.
الطفل المطمئن في صفه يعطي الدرس انتباهه كله. والطفل القلق يعطيه نصفه، فنصفه الآخر مشغول بمن حوله، هل يقبلونه ومع من يجلس في الفسحة ومن يختاره في اللعب. الدرس واحد في الحالتين، وما يصل منه إلى الطفلين مختلف.
وللمدرسة وجهة نظرها. كانت مدرسته في ذلك الوقت تتعمد تبديل الطلبة بين الفصول كل عام خشية أن تتكوّن شلل مغلقة، فالمجموعة التي تطول صحبتها تضيق عمن حولها، وتصنع لنفسها حدوداً تُقصي بها الغريب عنها، وقد ينشأ من ذلك ما هو أسوأ من الإقصاء. وأرادت لكل طفل أن يخالط الجميع لا فئة واحدة يختارها ويقفل عليها. مقصدٌ أفهمه ولا أعترض عليه، فالطفل الذي يتنقل بين مجموعات يتعلّم مخالطة من يختلف عنه، والذي يبقى سنواته كلها في دائرة واحدة يخرج منها ضيّقها.
والمعلّم الذي يلمح في الأسبوع الأول طفلاً يجلس وحده، ويقرّبه من زميل، يكون قد أعطاه ما جاء يبحث عنه.
وللأم والأب في هذا أثرٌ لا تملكه المدرسة. متى اطمأننا إلى أن الطفل ليس مريضاً، فإبقاؤه في البيت صباح اليوم الأول يريح ليلته ويكبّر خوفه في العام المقبل، فالخوف يتسع بالتجنّب ويضمر بالمواجهة. أخذته في كل مرة إلى باب مدرسته، لم أسخر من شكواه ولم أهوّل عليه، وقلت له إن الوجع سيبقى في البيت ولن يدخل معه الفصل. وعاد في المساء وقد نسي بطنه ونسي الليلة كلها.
فإن تكرّر الوجع ولم يهدأ، فالباب مفتوح عند اختصاصي الإرشاد الاجتماعي في كل مدرسة، وجلسة واحدة معه قد تُخرج من الطفل ما لم يقله في البيت.
عامٌ دراسي جديد سيبدأ، وفي أوله تحية لأبنائنا الذاهبين إلى صفوفهم، ولمعلّمين ومعلّمات يستقبلونهم كل صباح ويحملون عنهم ما لا يُحصى، وللقائمين على تعليمنا في وزارة التربية والتعليم. المدرسة تُهيّئ مقاعدها وكتبها وجداولها، ويبقى على البيت أن يهيّئ الطفل نفسه.
في بيوت كثيرة تمرّ ليلةٌ تسبق أول يوم دراسي. طفلٌ يطرق باب أمّه ويده على بطنه، وبينهما كلامٌ لم يُقل بعد.
{ قانونية وكاتبة بحرينية
rajabnabeela@gmail.com

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك