أصبح بالإمكان اليوم في ظل ما يمكن أن نسميه «مجتمع الأوردرات» أن نتحدث عن تحول غريب في نمط حياتنا العائلي بشكل غير مسبوق بل يمكن الحديث عن تحول عميق في نوعية الاستهلاك الأسري ويمكن أن نرصد هنا 4 ملاحظات مهمة ترتبط بهذه الظاهرة المستجدة في حياتنا:
الأولى: بدايات تخلص الأسرة من جانب مهم من مسؤولياتها وهو الجانب المرتبط بالاستهلاك ونوعية الطعام والطبخ وما قد يترتب على ذلك من نتائج أخرى تبدو لي خطيرة جدا وهي أن نظام الطلب عبر مختلف وسائل الاتصال الذي يسيطر على قطاع واسع من المجتمع قد خلق لنا مشكلة الفردية وأنهت ثقافة السفرة البحرينية الأصيلة وقد ينتج عن ذلك ما هو أخطر وهو عدم جلوس الأسرة حول مائدة الطعام وهي الفرصة التي تتكرر مرتين أو ثلاث في اليوم كاجتماع عائلي يكون له أثر نفسي وقيمي وعاطفي بالنسبة إلى أفراد الأسرة كافة فاختفاء هذا العنصر الحيوي المهم يعني غرق الأسر في الفردية حيث يتوارى كل فرد في المنزل بطلباته الخاصة ويتناول ما يطلبه من طعام أمام التليفزيون أو على مكتبه أو حتى على السرير فتضيع فرصة اللقاء والاجتماع بين أفراد الأسرة هذا الاجتماع الذي له دور كبير في حياتنا وهذه أول خسارة التي جاء بها نظام «الأوردرات» إن صح التعبير وقضى على ركن أساس من أركان الأسرة.
الثانية: خلق هذا المجتمع الجديد تغيرات كبيرة في نمط حياتنا اليومي وأولها أصبحت ثقافة التسوق الغذائي تقارب الصفر في بعض العائلات لأن ما تطلبه يصل إليها مباشرة من المحلات والمطاعم وضاعت معها قيم الطبخ في المنزل وأجهزة الطبخ التي لم تعد تستخدم حتى في إعداد القهوة والشاي لأن ما تطلبه يشمل كل شيء بما في ذلك القهوة والشاي والماء فقضت هذه الظاهرة الغريبة على ما يمكن أن نسميه بالاقتصاد التشاركي في حين وفر في المقابل فرص عمل للذين يوصلون احتياجات الأسر مع إن الأغلبية الساحقة هم من الوافدين إن لم يكن جميعهم.
الثالثة: إن تراجع الحياة الأسرية الروتينية بما في ذلك انخفاض معدلات التسوق التقليدي والطبخ المنزلي لصالح الطلبيات الخارجية خلق نوعا من الكسل وعدم الاهتمام بأهمية الحركة والخروج والتسوق والطبخ وكلها تعطي الحياة نوعا من التنوع ونوعا من الحركة والرياضة وهذا كله اختفى تقريبا وأصبح أفراد العائلة جالسين قابعين في البيت وتصلهم طلبياتهم من الخارج.
رابعا: إن أحدى أبرز المشكلات التي أصبح يواجهها مجتمعنا إضافة إلى ما أشرنا إليه أن هذه الطلبيات خاصة في مجال الطعام والأغذية والتي يتناولها أفراد العائلة لا أحد يدري كيف تم إعدادها ولا ما المواد المستخدمة في إعدادها وما المدة التي أمضتها هذه الطلبات حتى تصل إلى بيوتهم في ظل الحر الشديد والرطوبة يضاف إلى ذلك ما هي أشد خطورة ما القيمة الغذائية الحقيقية لهذه الأطعمة التي تطلب ومدى انسجامها مع الشروط الصحية بما في ذلك أنواع الزيوت التي تستخدم في إعداد الطعام وآثارها على الصحة من جراء استخدامها أكثر من مرة ولفترة طويلة.
لقد أدت الطلبيات المتزايدة على الأكلات السريعة والأطعمة المختلفة إلى استهلاك هائل ومتزايد للمواد البلاستيكية ومخلفات التغليف مما يؤثر سلبا في المنظومة البيئية وعلى كمية القمامة التي تزداد يوما بعد يوم، فقد يقول قائل في هذا السياق «الطلبيات» إن هي إلا حل سليم ومفيد لانشغال الأسرة بالعمل خارج البيت وهي أيضا لتوفير المزيد من الراحة لأفراد الأسرة بدلا من الإشكالات الطويلة التي تقضيها المرأة في إعداد الطعام وما يترتب على ذلك من مشكلات ومن إرهاق فالطلبيات وفرت حياة أفضل للأسرة.
قد يكون جانب من هذا الكلام صحيحا ولكن يتجاهل المخاطر الجسيمة التي ذكرنا بعضا منها في ثنايا هذا المقال ولا تخفى عن القارئ الكريم ولذلك يمكننا القول بشكل موضوعي إن الطلبيات الخارجية سلاح ذو حدين فهي من ناحية توفر المزيد من الراحة والمرونة والاستفادة من الوقت ولكن من ناحية ثانية تؤثر سلبا وبشكل مؤكد في العلاقات داخل الأسرة وعلى الجوانب النفسية ونمط العيش الذي يتأثر تدريجيا سنة بعد أخرى في ظل التزايد الكبير وغير المسبوق في ظاهرة اللجوء إلى الاعتماد على الطلبيات الخارجية بشكل كامل. ولذلك يكاد يختفي نمط عيشتنا الذي طالما تربينا عليه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك