العدد : ١٧٦٩١ - الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩١ - الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٧ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

آثار سلبية للظواهر الاستهلاكية الجديدة

بقلم: د. نبيل العسومي

الأحد ٣٠ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

أصبح‭ ‬بالإمكان‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬‮«‬مجتمع الأوردرات‮»‬‭ ‬أن‭ ‬نتحدث‭ ‬عن تحول‮ ‬غريب في‭ ‬نمط‭ ‬حياتنا‭ ‬العائلي‭ ‬بشكل‭ ‬غير مسبوق بل‭ ‬يمكن‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬تحول‭ ‬عميق‭ ‬في‭ ‬نوعية‭ ‬الاستهلاك‭ ‬الأسري‭ ‬ويمكن‭ ‬أن‭ ‬نرصد‭ ‬هنا‭ ‬4‭ ‬ملاحظات‭ ‬مهمة‭ ‬ترتبط‭ ‬بهذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬المستجدة‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭:‬

الأولى‭: ‬بدايات‭ ‬تخلص‭ ‬الأسرة‭ ‬من‭ ‬جانب‭ ‬مهم‭ ‬من‭ ‬مسؤولياتها‭ ‬وهو‭ ‬الجانب‭ ‬المرتبط‭ ‬بالاستهلاك‭ ‬ونوعية‭ ‬الطعام‭ ‬والطبخ‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬نتائج‭ ‬أخرى‭ ‬تبدو‭ ‬لي‭ ‬خطيرة‭ ‬جدا‭ ‬وهي‭ ‬أن‭ ‬نظام‭ ‬الطلب عبر‭ ‬مختلف‭ ‬وسائل‭ ‬الاتصال الذي‭ ‬يسيطر‭ ‬على‭ ‬قطاع‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬قد‭ ‬خلق‭ ‬لنا‭ ‬مشكلة‭ ‬الفردية‭ ‬وأنهت‭ ‬ثقافة‭ ‬السفرة‭ ‬البحرينية‭ ‬الأصيلة‭ ‬وقد‭ ‬ينتج‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أخطر‭ ‬وهو‭ ‬عدم‭ ‬جلوس‭ ‬الأسرة‭ ‬حول‭ ‬مائدة‭ ‬الطعام‭ ‬وهي‭ ‬الفرصة‭ ‬التي‭ ‬تتكرر‭ ‬مرتين‭ ‬أو‭ ‬ثلاث‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬كاجتماع‭ ‬عائلي‭ ‬يكون‭ ‬له‭ ‬أثر‭ ‬نفسي‭ ‬وقيمي‭ ‬وعاطفي‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬كافة‭ ‬فاختفاء‭ ‬هذا‭ ‬العنصر‭ ‬الحيوي‭ ‬المهم‭ ‬يعني‭ ‬غرق‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬الفردية‭ ‬حيث‭ ‬يتوارى‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬بطلباته‭ ‬الخاصة‭ ‬ويتناول‭ ‬ما‭ ‬يطلبه‭ ‬من‭ ‬طعام‭ ‬أمام‭ ‬التليفزيون‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مكتبه‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬على‭ ‬السرير‭ ‬فتضيع فرصة‭ ‬اللقاء‭ ‬والاجتماع‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬هذا‭ ‬الاجتماع‭ ‬الذي‭ ‬له‭ ‬دور‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭ ‬وهذه‭ ‬أول‭ ‬خسارة‭ ‬التي‭ ‬جاء‭ ‬بها‭ ‬نظام‭ ‬‮«‬الأوردرات‮»‬‭ ‬إن‭ ‬صح‭ ‬التعبير‭ ‬وقضى‭ ‬على‭ ‬ركن‭ ‬أساس‭ ‬من‭ ‬أركان‭ ‬الأسرة‭.‬

الثانية‭: ‬خلق‭ ‬هذا‭ ‬المجتمع‭ ‬الجديد‭ ‬تغيرات‭ ‬كبيرة‭ ‬في‭ ‬نمط‭ ‬حياتنا‭ ‬اليومي‭ ‬وأولها‭ ‬أصبحت‭ ‬ثقافة‭ ‬التسوق‭ ‬الغذائي‭ ‬تقارب‭ ‬الصفر‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬العائلات‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬تطلبه‭ ‬يصل‭ ‬إليها‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬المحلات‭ ‬والمطاعم‭ ‬وضاعت‭ ‬معها‭ ‬قيم‭ ‬الطبخ‭ ‬في‭ ‬المنزل‭ ‬وأجهزة‭ ‬الطبخ‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تستخدم‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬القهوة‭ ‬والشاي‭ ‬لأن‭ ‬ما‭ ‬تطلبه‭ ‬يشمل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬القهوة‭ ‬والشاي‭ ‬والماء‭ ‬فقضت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬الغريبة‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نسميه‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬التشاركي‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬وفر‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬للذين‭ ‬يوصلون‭ ‬احتياجات‭ ‬الأسر‭ ‬مع‭ ‬إن‭ ‬الأغلبية‭ ‬الساحقة هم‭ ‬من‭ ‬الوافدين‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬جميعهم‭.‬

الثالثة‭: ‬إن‭ ‬تراجع‭ ‬الحياة‭ ‬الأسرية‭ ‬الروتينية‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬انخفاض‭ ‬معدلات‭ ‬التسوق‭ ‬التقليدي‭ ‬والطبخ‭ ‬المنزلي‭ ‬لصالح‭ ‬الطلبيات‭ ‬الخارجية‭ ‬خلق‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬الكسل‭ ‬وعدم‭ ‬الاهتمام‭ ‬بأهمية‭ ‬الحركة‭ ‬والخروج‭ ‬والتسوق‭ ‬والطبخ‭ ‬وكلها‭ ‬تعطي‭ ‬الحياة‭ ‬نوعا‭ ‬من‭ ‬التنوع‭ ‬ونوعا‭ ‬من‭ ‬الحركة‭ ‬والرياضة‭ ‬وهذا‭ ‬كله‭ ‬اختفى‭ ‬تقريبا‭ ‬وأصبح‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬جالسين‭ ‬قابعين‭ ‬في‭ ‬البيت‭ ‬وتصلهم‭ ‬طلبياتهم‭ ‬من‭ ‬الخارج‭.‬

رابعا‭: ‬إن‭ ‬أحدى‭ ‬أبرز‭ ‬المشكلات‭ ‬التي‭ ‬أصبح‮ ‬يواجهها مجتمعنا‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬أشرنا‭ ‬إليه‭ ‬أن‭ ‬هذه‮ ‬‭ ‬الطلبيات‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الطعام‭ ‬والأغذية‭ ‬والتي‭ ‬يتناولها‭ ‬أفراد‭ ‬العائلة‭ ‬لا‭ ‬أحد‭ ‬يدري‭ ‬كيف‭ ‬تم‭ ‬إعدادها‭ ‬ولا‭ ‬ما‭ ‬المواد‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬إعدادها‭ ‬وما‭ ‬المدة‭ ‬التي‭ ‬أمضتها‭ ‬هذه‮ ‬‭ ‬الطلبات‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬بيوتهم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الحر‭ ‬الشديد‭ ‬والرطوبة‮ ‬يضاف‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬أشد‭ ‬خطورة‭ ‬ما‭ ‬القيمة‭ ‬الغذائية‭ ‬الحقيقية‭ ‬لهذه‭ ‬الأطعمة‭ ‬التي‭ ‬تطلب‭ ‬ومدى‭ ‬انسجامها‭ ‬مع‭ ‬الشروط‭ ‬الصحية‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬أنواع‭ ‬الزيوت‭ ‬التي‭ ‬تستخدم‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الطعام‭ ‬وآثارها‭ ‬على‭ ‬الصحة‭ ‬من‭ ‬جراء‭ ‬استخدامها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬ولفترة‭ ‬طويلة‭.‬

لقد‭ ‬أدت‭ ‬الطلبيات‭ ‬المتزايدة‭ ‬على‭ ‬الأكلات‭ ‬السريعة‭ ‬والأطعمة‭ ‬المختلفة‭ ‬إلى‭ ‬استهلاك‭ ‬هائل‭ ‬ومتزايد‭ ‬للمواد‭ ‬البلاستيكية‭ ‬ومخلفات‭ ‬التغليف‭ ‬مما‭ ‬يؤثر‭ ‬سلبا‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬البيئية‭ ‬وعلى‭ ‬كمية‭ ‬القمامة‭ ‬التي‭ ‬تزداد‭ ‬يوما‭ ‬بعد‭ ‬يوم،‭ ‬فقد‭ ‬يقول‭ ‬قائل‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬‮«‬الطلبيات‮»‬‭ ‬إن‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬حل‭ ‬سليم‭ ‬ومفيد‭ ‬لانشغال‭ ‬الأسرة‭ ‬بالعمل‭ ‬خارج‭ ‬البيت‭ ‬وهي‭ ‬أيضا‭ ‬لتوفير‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬لأفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬بدلا‭ ‬من‭ ‬الإشكالات‭ ‬الطويلة‭ ‬التي‭ ‬تقضيها‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬إعداد‭ ‬الطعام‭ ‬وما‭ ‬يترتب‭ ‬على‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬مشكلات‭ ‬ومن‭ ‬إرهاق‭ ‬فالطلبيات‭ ‬وفرت‭ ‬حياة‭ ‬أفضل‭ ‬للأسرة‭.‬

قد‭ ‬يكون‭ ‬جانب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الكلام‭ ‬صحيحا‭ ‬ولكن‭ ‬يتجاهل‭ ‬المخاطر‭ ‬الجسيمة‭ ‬التي‭ ‬ذكرنا‭ ‬بعضا‭ ‬منها‭ ‬في‭ ‬ثنايا‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬ولا‭ ‬تخفى‭ ‬عن‭ ‬القارئ‭ ‬الكريم‭ ‬ولذلك‭ ‬يمكننا‭ ‬القول‭ ‬بشكل‭ ‬موضوعي‭ ‬إن‭ ‬الطلبيات‭ ‬الخارجية‭ ‬سلاح‭ ‬ذو‭ ‬حدين‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬توفر‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الراحة‭ ‬والمرونة‭ ‬والاستفادة‭ ‬من‭ ‬الوقت‭ ‬ولكن‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬ثانية‭ ‬تؤثر‭ ‬سلبا‭ ‬وبشكل‭ ‬مؤكد‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭ ‬وعلى‭ ‬الجوانب‭ ‬النفسية‭ ‬ونمط‭ ‬العيش الذي‭ ‬يتأثر‭ ‬تدريجيا‭ ‬سنة‭ ‬بعد‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬التزايد‭ ‬الكبير‭ ‬وغير‭ ‬المسبوق‭ ‬في‭ ‬ظاهرة‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬الطلبيات‭ ‬الخارجية‭ ‬بشكل‭ ‬كامل‭. ‬ولذلك‭ ‬يكاد‭ ‬يختفي‭ ‬نمط‭ ‬عيشتنا‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬تربينا‭ ‬عليه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا