في 15 أغسطس من عام 2010 رحل عن عالمنا أحد رواد الفكر التنموي بعد أن شغل مناصب عدة في المملكة العربية السعودية والبحرين وهو الدكتور غازي بن عبدالرحمن القصيبي. انشغل الدكتور القصيبي بقضية التنمية وأصدر كتابا قيما عام 1982 بعنوان «التنمية... الأسئلة الكبرى» (المؤسسة العربية للدراسات والنشر). طرح في هذا الكتاب رؤيته التنموية ولخصها في أن «أي تغيير لا يخدم الإنسان اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا فهو تغيير لا علاقة له بالتنمية». ويعتبر التنمية من أكثر القضايا حضورًا في الخطاب العربي المعاصر، ليس فقط لما تمثله من تحدٍ اقتصادي، بل لارتباطها العميق بكرامة الإنسان وجودة حياته واستقرار المجتمعات، ويرى أن «الاستقرار والنمو مرتبط بالطبقة الوسطى، ومتى ما أصبح حجم هذه الطبقة أقل من حجم الطبقة الفقيرة يبدأ «عدم الاستقرار ... وعدم النمو»، ص56، أي أن تآكل الطبقة الوسطى يهدد الأمن والاستقرار.
وفي هذا السياق، يقدّم القصيبي في هذا الكتاب، طرحًا فكريًّا يتجاوز المقاربات التقنية، ليجعل من التنمية سؤالًا إنسانيًّا وأخلاقيًّا قبل أن تكون برنامجًا حكوميًّا أو خطة اقتصادية. ويصر على أهمية المقاربة الشمولية للتنمية والتعامل معها ومع المجتمع كمنظومة يتفاعل جميع مكوناته ليحقق الحراك الاجتماعي، أي أن يلتزم التخطيط بقوانين ومبادئ المنظومة، ص 86؛ وإن القضاء على الفقر يحتاج إلى قرار ص57؛ ويؤكد القصيبي أن توفر «الذهنية التنموية» مطلوبة للتخطيط للتنمية وإدارة المشاريع. ويرى أن «التخلف هو نتاج التقليد وأن التقدم مرتبط بالابتكار»، ص107؛ وأن الحرية هي من أهم متطلبات التنمية البشرية، ص109 (من تقرير الأمم المتحدة الإنمائي 1991).
وقد صاغ القصيبي رؤيته من خلال أربعة أسئلة مركزية لا تزال راهنة حتى اليوم: لماذا ننمّي؟ لمن التنمية؟ ماذا ننمّي؟ وكيف ننمّي؟ وهي أسئلة تُشكّل مدخلًا نقديًا لفهم واقع التنمية في العالم العربي والخليجي المعاصر.
لماذا ننمّي؟ الغاية الإنسانية في مواجهة منطق المؤشرات الضيقة.
يرى القصيبي أن التنمية ليست هدفًا قائمًا بذاته، بل وسيلة لتحسين حياة الإنسان وحمايته من الفقر والحرمان، وضمان كرامته المادية والمعنوية. فالتنمية التي لا تُنتج إنسانًا أكثر أمنًا وقدرة على الاختيار والمشاركة تفقد معناها الحقيقي. وعند النظر إلى الواقع العربي والخليجي اليوم، يتضح أن الهدف التنموي غالبًا ما يُختزل في لغة النمو الاقتصادي والمؤشرات الكمية. (نمو الناتج القومي) ورغم ما تحقق في دول الخليج من إنجازات بنيوية ومشاريع كبرى، يبقى السؤال مطروحًا حول مدى انعكاس هذه الإنجازات على جودة التعليم، وأمان العمل، والمشاركة المجتمعية، ونوعية الحياة اليومية وعدالة توزيع ناتج التنمية لتقليل الفارق في الثروة والدخل. وهنا تظهر الفجوة التي حذّر منها القصيبي بين التغيير الشكلي والتنمية الحقيقية.
لمن التنمية؟ سؤال العدالة الاجتماعية
يشدد القصيبي على أن التنمية لا تكون حقيقية إذا اقتصرت ثمارها على فئات محدودة أو مراكز حضرية بعينها، مؤكدًا أن المستفيد الأساسي يجب أن يكون القاعدة العريضة من المجتمع. فالتنمية غير العادلة، حتى وإن حققت نموًا اقتصاديًا، تظل مهددة بإنتاج التوتر وعدم الاستقرار.
وفي الواقع العربي والخليجي، تتجلى هذه الإشكالية في التفاوت بين المدن والأطراف، وبين الفئات الاجتماعية، وفي اختلاف فرص التعليم والعمل. ورغم تبنّي بعض دول الخليج سياسات للحماية الاجتماعية، لا يزال سؤال تكافؤ الفرص وتمكين الشباب والعدالة في توزيع ثمار التنمية حاضرًا.
ماذا ننمّي؟ الإنسان أم المشاريع؟
يوسّع القصيبي مفهوم التنمية ليشمل الإنسان بكل أبعاده: التعليمية، والصحية، والثقافية، والقيمية. ويحذّر من اختزال التنمية في الصناعة أو الدخل القومي، لأن تنمية الأشياء أسهل من تنمية البشر، لكنها أقل أثرًا وأقصر عمرًا.
وتُظهر التجربة العربية أن التركيز ما زال كبيرًا على المشاريع الكبرى والبنية التحتية، مقابل بطء نسبي في إصلاح التعليم وتعزيز الثقافة والمعرفة. وفي الخليج، ورغم التوجه المعلن نحو الاقتصاد المعرفي، لا تزال التحديات قائمة في تحويل التعليم من نظام تلقيني إلى منظومة تُنمّي التفكير النقدي والابتكار، وهو ما اعتبره القصيبي جوهر التنمية المستدامة.
كيف ننمّي؟ بين استيراد النماذج والخصوصية المحلية
يرفض القصيبي فكرة «الوصفات الجاهزة» في التنمية، ويؤكد أن نجاح أي نموذج تنموي مرهون بمدى ملاءمته لثقافة المجتمع وتاريخه وقدراته الواقعية. فالتنمية التي تُفرض من أعلى، أو تُنقل دون تكييف، غالبًا ما تفشل أو تُنتج نتائج عكسية.
ويبرز هذا التحدي اليوم في استيراد نماذج المدن الذكية والتحول الرقمي في عدد من الدول العربية والخليجية، أحيانًا دون إعداد بشري ومؤسسي كافٍ. وهنا يعود سؤال القصيبي بوضوح: هل نُعدّ الإنسان أولًا، أم نفترض قدرته على التكيّف مع مشاريع لم يشارك في صياغتها؟
شروط التنمية الخمسة بين النظرية والتطبيق
يمكن قراءة فكر القصيبي في ضوء خمسة شروط متكاملة للتنمية: الشرط الإنساني، والشرط السياسي، والشرط المؤسسي، والشرط الاقتصادي، والشرط الاجتماعيالثقافي. ويكشف الواقع العربي والخليجي عن تفاوت في الالتزام بهذه الشروط؛ إذ تحقق بعض التقدم في الجوانب المؤسسية والاقتصادية، مقابل تحديات مستمرة في المشاركة السياسية، والعدالة الاجتماعية، وبناء ثقافة داعمة للتنمية.
وفي الختام يُبيّن كتاب الدكتور غازي عبد الرحمن القصيبي أن أزمة التنمية في العالم العربي ليست أزمة موارد، بل أزمة رؤية وسؤال. فالتنمية التي لا تبدأ بسؤال أخلاقي حول الإنسان، ولا تنتهي بتحسين حياته وكرامته، تظل ناقصة مهما بلغ حجم إنجازاتها. ومن هنا، تبدو أفكار القصيبي اليوم أكثر إلحاحا، لأنها لا تقدّم حلولًا جاهزة، بل تُعيدنا إلى جوهر السؤال: أيّ تنمية نريد؟ ولأيّ إنسان ولأي مجتمع؟
mkuwaiti@batelco.com.bh

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك