العدد : ١٧٦٩٠ - السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٩٠ - السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

حسابات إيران بشأن استمرار حالة اللا حرب واللا سلم

بقلم: د. محمد عباس ناجي {

السبت ٢٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

وصلت‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬وإيران‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬باتت‭ ‬مفتوحة‭ ‬على‭ ‬مسارات‭ ‬ثلاثة‭ ‬رئيسية،‭ ‬هي‭ ‬استئناف‭ ‬الحرب،‭ ‬أو‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬لإنهائها،‭ ‬أو‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬وضع‭ ‬رمادي‭ ‬بين‭ ‬الحرب‭ ‬والصفقة‭. ‬وفي‭ ‬الواقع،‭ ‬فإنه‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬تيارات‭ ‬داخل‭ ‬إيران‭ ‬تدعو‭ ‬إلى‭ ‬إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬لتسوية‭ ‬الخلافات‭ ‬العالقة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بغية‭ ‬تجنب‭ ‬التداعيات‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬يفرضها‭ ‬استمرارها،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬بآليات‭ ‬أخرى،‭ ‬مثل‭ ‬إحكام‭ ‬الحصار‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬فإن‭ ‬الجناح‭ ‬الأكثر‭ ‬نفوذاً‭ ‬داخل‭ ‬دوائر‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬في‭ ‬إيران‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬البقاء‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الرمادي‭ ‬الحالي‭ (‬اللاحرب‭ ‬واللاسلم‭) ‬ربما‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬توافقاً‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬وحسابات‭ ‬طهران‭.‬

فقد‭ ‬أقر‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭ ‬‮«‬مسعود‭ ‬بزشكيان‮»‬،‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬بأن‭ ‬المجتمع‭ ‬الإيراني‭ ‬يواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬اقتصادية،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬تواجه‭ ‬حرباً‭ ‬على‭ ‬الأصعدة‭ ‬كافة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والعسكرية‭ ‬والأمنية‭. ‬ورغم‭ ‬أنه‭ ‬برر‭ ‬دعوته‭ ‬لـ«إنهاء‭ ‬الحرب‭ ‬اليوم‮»‬‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬ادعائه‭ ‬بأن‭ ‬إيران‭ ‬ستقوم‭ ‬بذلك‭ ‬وهي‭ ‬في‭ ‬موقع‭ ‬قوة،‭ ‬فإن‭ ‬دافعه‭ ‬الحقيقي‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تخوفه‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استمرار‭ ‬الحرب‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬مكلفاً‭ ‬لإيران‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬المختلفة،‭ ‬خاصةً‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬اتجاه‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬إلى‭ ‬تطبيق‭ ‬صارم‭ ‬للعقوبات‭ ‬المفروضة‭ ‬على‭ ‬طهران‭.‬

وقد‭ ‬كانت‭ ‬معاونة‭ ‬الرئيس‭ ‬الإيراني‭ ‬لشؤون‭ ‬المرأة‭ ‬والأسرة‭ ‬‮«‬زهرا‭ ‬بهروزآذر‮»‬‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحاً‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الصدد،‭ ‬عندما‭ ‬قالت،‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬إن‭ ‬الحكومة‭ ‬تبذل‭ ‬جهوداً‭ ‬مضنية‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إخراج‭ ‬البلاد‭ ‬من‭ ‬حالة‭ ‬اللاحرب‭ ‬واللاسلم‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تشير‭ ‬تصريحات‭ ‬قادة‭ ‬الجيش‭ ‬والحرس‭ ‬الثوري‭ ‬وكوادر‭ ‬تيار‭ ‬المحافظين‭ ‬الأصوليين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬يتبنى‭ ‬نهجاً‭ ‬آخر،‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ضرورة‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الوضع‭ ‬الرمادي‭ ‬الحالي‭ ‬لأطول‭ ‬فترة‭ ‬ممكنة‭. ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬استئناف‭ ‬المفاوضات،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬لن‭ ‬يُحدث‭ ‬أي‭ ‬تغيير‭ ‬في‭ ‬مواقف‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭.‬

ففي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬قال‭ ‬قائد‭ ‬الجيش‭ ‬الإيراني‭ ‬‮«‬أمير‭ ‬حاتمي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬أغسطس‭ ‬2026‭: ‬‮«‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نُفشِل‭ ‬العدو‭ ‬ونذيقه‭ ‬مرارة‭ ‬الهزيمة‭ ‬التي‭ ‬تجعله‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬ليست‭ ‬بلداً‭ ‬يأتي‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬أقصى‭ ‬العالم‭ ‬ليقول‭: ‬سأغير‭ ‬خريطة‭ ‬البلاد‮»‬،‭ ‬مضيفاً‭: ‬‮«‬سنقاتل‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬ولن‭ ‬نسمح‭ ‬له‭ ‬أبداً‭ ‬بذلك‮»‬‭.‬

ودعت‭ ‬جبهة‭ ‬الصمود‭ (‬جبهة‭ ‬بايداري‭) ‬–‭ ‬التي‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬توجهات‭ ‬تيار‭ ‬المحافظين‭ ‬الأصوليين‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬أصدرته‭ ‬في‭ ‬20‭ ‬أغسطس‭ ‬2026‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬رفع‭ ‬كُلفة‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬المفاوضات‮»‬،‭ ‬بما‭ ‬يعني‭ ‬ضرورة‭ ‬ألا‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬الخيار‭ ‬مهمة‭ ‬سهلة‭ ‬للولايات‭ ‬المتحدة؛‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬انتقاد‭ ‬واضح‭ ‬لرئيس‭ ‬مجلس‭ ‬الشورى‭ ‬ورئيس‭ ‬وفد‭ ‬التفاوض‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬باقر‭ ‬قاليباف‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬حرص‭ ‬على‭ ‬ربط‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬المفاوضات‭ ‬برفع‭ ‬الحصار‭ ‬عن‭ ‬الموانئ‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬ورفع‭ ‬الحظر‭ ‬عن‭ ‬الأموال‭ ‬الإيرانية‭ ‬المجمدة‭ ‬في‭ ‬الخارج؛‭ ‬إذ‭ ‬اعتبرت‭ ‬الجبهة‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الشروط‭ ‬أصبحت‭ ‬من‭ ‬الماضي،‭ ‬وأنه‭ ‬من‭ ‬الضروري‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هناك‭ ‬إجراءات‭ ‬عقابية‭ ‬جديدة‭ ‬لانتهاك‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬مذكرة‭ ‬التفاهم‭ ‬واستخدامها‭ ‬الخيار‭ ‬العسكري‭ ‬لمهاجمة‭ ‬المنشآت‭ ‬الإيرانية‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬غرب‭ ‬البلاد‭.‬

يمكن‭ ‬تفسير‭ ‬حرص‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬على‭ ‬تفضيل‭ ‬مسار‭ ‬‮«‬اللاحرب‭ ‬واللاسلم‮»‬‭ ‬في‭ ‬ضوء‭ ‬أسباب‭ ‬أربعة‭ ‬رئيسية‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭:‬

1–‭ ‬التشكك‭ ‬في‭ ‬جدوى‭ ‬المفاوضات‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭: ‬لا‭ ‬يُبدي‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬ثقة‭ ‬كبيرة‭ ‬بجدوى‭ ‬المفاوضات‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬ويستند‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬إلى‭ ‬اعتبارَين‭ ‬أساسيَّين‭: ‬أولهما‭ ‬انسحاب‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬‮«‬دونالد‭ ‬ترامب‮»‬‭ ‬في‭ ‬8‭ ‬مايو‭ ‬2018‭ ‬–‭ ‬خلال‭ ‬ولايته‭ ‬الرئاسية‭ ‬الأولى–‭ ‬من‭ ‬الاتفاق‭ ‬النووي،‭ ‬وإعادته‭ ‬فرض‭ ‬العقوبات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬في‭ ‬7‭ ‬أغسطس‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬نفسه،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تم‭ ‬تعليقها‭ ‬بمقتضى‭ ‬الاتفاق،‭ ‬وهي‭ ‬العقوبات‭ ‬التي‭ ‬فرضت‭ ‬نتائج‭ ‬سلبية‭ ‬عديدة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬اضطرت‭ ‬بسببها‭ ‬الشركات‭ ‬الأجنبية‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬قد‭ ‬سارعت‭ ‬لعقد‭ ‬صفقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬إلى‭ ‬الانسحاب‭ ‬منها‭ ‬تجنباً‭ ‬للتعرض‭ ‬لتلك‭ ‬العقوبات‭.‬

ثانيهما‭ ‬النموذج‭ ‬الليبي،‭ ‬الذي‭ ‬تستند‭ ‬إليه‭ ‬بعض‭ ‬الاتجاهات‭ ‬الإيرانية‭ ‬للتحذير‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬استجابة‭ ‬الرئيس‭ ‬الليبي‭ ‬الأسبق‭ ‬‮«‬معمر‭ ‬القذافي‮»‬‭ ‬للضغوط‭ ‬الدولية‭ ‬والأمريكية،‭ ‬وتفكيك‭ ‬المكونات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالبرنامج‭ ‬النووي،‭ ‬لم‭ ‬تَحُل‭ ‬دون‭ ‬انهيار‭ ‬نظامه‭ ‬لاحقاً‭ ‬بفعل‭ ‬التدخل‭ ‬العسكري‭ ‬لحلف‭ ‬الناتو‭ ‬في‭ ‬مارس‭ ‬2011‭.‬

2–‭ ‬الإصرار‭ ‬على‭ ‬التوصل‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬دائم‭ ‬لإنهاء‭ ‬الأزمة‭: ‬يرى‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬أن‭ ‬الشرط‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬يمكن‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬إنهاء‭ ‬حالة‭ ‬الحرب‭ ‬الحالية‭ ‬هو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬يتسم‭ ‬بصفة‭ ‬الديمومة،‭ ‬وهو‭ ‬شرط‭ ‬يصعب‭ ‬تحقيقه‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬الحالية،‭ ‬وفي‭ ‬ظل‭ ‬إصرار‭ ‬أي‭ ‬رئيس‭ ‬أمريكي‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬تقييد‭ ‬الخيارات‭ ‬المتاحة‭ ‬أمام‭ ‬خليفته‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬أمين‭ ‬المجلس‭ ‬الأعلى‭ ‬للأمن‭ ‬القومي‭ ‬الإيراني‭ ‬‮«‬محسن‭ ‬رضائي‮»‬‭ ‬واضحاً‭ ‬في‭ ‬تأكيد‭ ‬أهمية‭ ‬هذا‭ ‬الشرط‭ ‬تحديداً‭ ‬خلال‭ ‬لقائه‭ ‬قائد‭ ‬الجيش‭ ‬الباكستاني‭ ‬‮«‬عاصم‭ ‬منير‮»‬،‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬‮«‬المرشد‭ ‬يريد‭ ‬حلاً‭ ‬دائماً‭ ‬للأزمة‮»‬‭.‬

ومن‭ ‬دون‭ ‬شك،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الشرط‭ ‬تحديداً‭ ‬يرتبط‭ ‬بالمقاربة‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬يتبناها‭ ‬هذا‭ ‬الجناح،‭ ‬والتي‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المساعي‭ ‬الأمريكية‭ ‬لإبرام‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬خطوة‭ ‬تكتيكية،‭ ‬الهدف‭ ‬منها‭ ‬هو‭ ‬الاستعداد‭ ‬للجولة‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬العسكرية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يرى‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬السماح‭ ‬به،‭ ‬باعتبار‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬سوف‭ ‬يكون‭ ‬خياراً‭ ‬مكلفاً‭ ‬لإيران‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتكبدها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حدوث‭ ‬ذلك‭.‬

3–‭ ‬تجنب‭ ‬تقديم‭ ‬تنازلات‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬الملفات‭ ‬الخلافية‭: ‬يرتبط‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬اتفاق‭ ‬محتمل‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬بحجم‭ ‬التنازلات‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يقدمها‭ ‬الطرفان‭. ‬وهنا،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬لا‭ ‬يريد‭ ‬تقديم‭ ‬هذه‭ ‬التنازلات؛‭ ‬ففضلاً‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬ذلك‭ ‬سوف‭ ‬يتناقض‭ ‬مع‭ ‬حرصه‭ ‬خلال‭ ‬الفترة‭ ‬الماضية‭ ‬على‭ ‬رفع‭ ‬سقف‭ ‬التحدي‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬خاصة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الداخلي،‭ ‬عبر‭ ‬الترويج‭ ‬لسردية‭ ‬نجاحه‭ ‬في‭ ‬منعها‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬أهدافها‭ ‬من‭ ‬الحرب،‭ ‬فإن‭ ‬المعطيات‭ ‬الجديدة‭ ‬التي‭ ‬فرضتها‭ ‬الحرب‭ ‬ربما‭ ‬تكون‭ ‬قد‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تشدد‭ ‬مواقفه‭ ‬إزاء‭ ‬بعض‭ ‬الملفات،‭ ‬وفي‭ ‬مقدمتها‭ ‬البرنامج‭ ‬النووي،‭ ‬وتهديد‭ ‬حركة‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬مضيق‭ ‬هرمز‭.‬

فقد‭ ‬بدا‭ ‬لافتاً‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬بدأ‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬رسائل‭ ‬تفيد‭ ‬عدم‭ ‬استبعاده‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬محاولة‭ ‬إنتاج‭ ‬القنبلة‭ ‬النووية‭. ‬وقد‭ ‬ألمح‭ ‬النائب‭ ‬الأصولي‭ ‬عضو‭ ‬لجنة‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬والسياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الشورى‭ ‬‮«‬إبراهيم‭ ‬رضائي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬ذلك‭ ‬بالفعل،‭ ‬في‭ ‬20‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬عندما‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬‮«‬أفضل‭ ‬رد‭ ‬على‭ ‬شن‭ ‬الحرب‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الأمريكية‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬الانسحاب‭ ‬من‭ ‬معاهدة‭ ‬حظر‭ ‬انتشار‭ ‬الأسلحة‭ ‬النووية‮»‬‭.‬

4–‭ ‬التخوف‭ ‬من‭ ‬تحديات‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭ ‬لانتهاء‭ ‬الحرب‭: ‬لا‭ ‬يتوقع‭ ‬هذا‭ ‬الجناح‭ ‬أن‭ ‬تنتهي‭ ‬الأزمة‭ ‬بإبرام‭ ‬اتفاق‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬بل‭ ‬إنه‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬ينتج‭ ‬أزمة‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تقل‭ ‬خطورةً،‭ ‬خاصةً‭ ‬أنها‭ ‬سوف‭ ‬تكون‭ ‬على‭ ‬الساحة‭ ‬الداخلية‭ ‬الإيرانية‭. ‬ووفقاً‭ ‬لتلك‭ ‬الرؤية،‭ ‬فإن‭ ‬الحرب‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬نشوء‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬التضامن‭ ‬الشعبي‭ ‬الظرفي‭ ‬مع‭ ‬النظام،‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الخسائر‭ ‬التي‭ ‬تكبدتها‭ ‬إيران‭ ‬على‭ ‬المستويات‭ ‬المختلفة‭. ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التضامن‭ ‬بدأ‭ ‬في‭ ‬التآكل‭ ‬تدريجياً‭ ‬بفعل‭ ‬الضغوط‭ ‬القوية‭ ‬التي‭ ‬يتعرض‭ ‬لها‭ ‬الإيرانيون‭ ‬على‭ ‬خلفية‭ ‬تصاعد‭ ‬حدة‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬الارتفاع‭ ‬الكبير‭ ‬في‭ ‬معدلات‭ ‬التضخم،‭ ‬فيما‭ ‬واصل‭ ‬سعر‭ ‬صرف‭ ‬العملة‭ ‬المحلية‭ (‬التومان‭) ‬انهياره‭ ‬أمام‭ ‬الدولار؛‭ ‬حيث‭ ‬بلغ‭ ‬الدولار‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ (‬200‭) ‬ألف‭ ‬تومان‭.‬

وهنا،‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬معناه‭ ‬أن‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬قد‭ ‬تعود‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬إلى‭ ‬الظهور‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬والمحافظات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المختلفة،‭ ‬على‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الفترة‭ ‬من‭ ‬18‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025‭ ‬حتى‭ ‬منتصف‭ ‬يناير‭ ‬2026‭. ‬وقد‭ ‬كان‭ ‬لافتاً‭ ‬أن‭ ‬النظام‭ ‬بدأ‭ ‬يستعد‭ ‬لهذا‭ ‬الاحتمال،‭ ‬على‭ ‬نحوٍ‭ ‬يبدو‭ ‬جلياً‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬المرشد‭ ‬الأعلى‭ ‬للجمهورية‭ ‬‮«‬مجتبى‭ ‬خامنئي‮»‬،‭ ‬في‭ ‬10‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬بتعيين‭ ‬‮«‬حسين‭ ‬طائب‮»‬‭ ‬قائداً‭ ‬لقوة‭ ‬الباسيج‭ ‬المسؤولة‭ ‬عن‭ ‬ضبط‭ ‬حركة‭ ‬الشارع‭ ‬ومواجهة‭ ‬أي‭ ‬احتجاجات‭ ‬قد‭ ‬تندلع‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة،‭ ‬فضلاً‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬عمليات‭ ‬الإعدام‭ ‬بحق‭ ‬بعض‭ ‬الإيرانيين‭ ‬الذين‭ ‬شاركوا‭ ‬في‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬الأخيرة‭ ‬بعد‭ ‬اتهامهم‭ ‬بقتل‭ ‬عناصر‭ ‬من‭ ‬الشرطة‭ ‬أو‭ ‬الباسيج‭ ‬أو‭ ‬القوات‭ ‬المسلحة‭ ‬أو‭ ‬العمل‭ ‬لصالح‭ ‬أجهزة‭ ‬استخبارات‭ ‬أجنبية‭ ‬أو‭ ‬تقويض‭ ‬الأمن‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬مثل‭ ‬الناشط‭ ‬‮«‬مجيد‭ ‬آدينه‮»‬‭ ‬الذي‭ ‬تم‭ ‬إعدامه‭ ‬في‭ ‬23‭ ‬أغسطس‭ ‬2026‭.‬

ختاماً،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬استمرار‭ ‬حالة‭ ‬اللاحرب‭ ‬واللاسلم‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭ ‬سوف‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬متغير‭ ‬رئيسي‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬النتائج‭ ‬التي‭ ‬سوف‭ ‬تتمخض‭ ‬عنها‭ ‬ضغوط‭ ‬الحصار‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والعقوبات‭ ‬الأمريكية‭ ‬على‭ ‬إيران،‭ ‬بعد‭ ‬إعلان‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬أغسطس‭ ‬2026،‭ ‬بدء‭ ‬تنفيذ‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬النبذ‭ ‬الاقتصادي‮»‬‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬وهي‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬ربما‭ ‬تنتج‭ ‬تداعيات‭ ‬مباشرة،‭ ‬سواء‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الداخلي‭ ‬الإيراني،‭ ‬أو‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬التصعيد‭ ‬بين‭ ‬طهران‭ ‬وواشنطن،‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يفرض‭ ‬بدوره‭ ‬ارتدادات‭ ‬إقليمية‭ ‬غير‭ ‬هينة‭ ‬خلال‭ ‬المرحلة‭ ‬القادمة‭.‬

 

{ باحث‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬السياسية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا