وصلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران إلى مرحلة باتت مفتوحة على مسارات ثلاثة رئيسية، هي استئناف الحرب، أو توقيع اتفاق لإنهائها، أو البقاء في وضع رمادي بين الحرب والصفقة. وفي الواقع، فإنه رغم وجود تيارات داخل إيران تدعو إلى إنهاء الحرب والوصول إلى اتفاق لتسوية الخلافات العالقة مع الولايات المتحدة، بغية تجنب التداعيات السلبية التي سوف يفرضها استمرارها، حتى لو بآليات أخرى، مثل إحكام الحصار الاقتصادي، فإن الجناح الأكثر نفوذاً داخل دوائر صنع القرار في إيران ما زال يرى أن البقاء في الوضع الرمادي الحالي (اللاحرب واللاسلم) ربما يكون أكثر توافقاً مع مصالح وحسابات طهران.
فقد أقر الرئيس الإيراني «مسعود بزشكيان»، في 23 أغسطس 2026، بأن المجتمع الإيراني يواجه صعوبات اقتصادية، مشيراً إلى أن إيران تواجه حرباً على الأصعدة كافة الاقتصادية والعسكرية والأمنية. ورغم أنه برر دعوته لـ«إنهاء الحرب اليوم» في ضوء ادعائه بأن إيران ستقوم بذلك وهي في موقع قوة، فإن دافعه الحقيقي في هذا الصدد يكمن في تخوفه من أن استمرار الحرب سوف يكون مكلفاً لإيران على المستويات المختلفة، خاصةً الاقتصادية، في ضوء اتجاه الولايات المتحدة إلى تطبيق صارم للعقوبات المفروضة على طهران.
وقد كانت معاونة الرئيس الإيراني لشؤون المرأة والأسرة «زهرا بهروزآذر» أكثر وضوحاً من الرئيس في هذا الصدد، عندما قالت، في 24 أغسطس 2026، إن الحكومة تبذل جهوداً مضنية من أجل إخراج البلاد من حالة اللاحرب واللاسلم.
ومع ذلك، تشير تصريحات قادة الجيش والحرس الثوري وكوادر تيار المحافظين الأصوليين إلى أن هذا الجناح يتبنى نهجاً آخر، يقوم على ضرورة الاستمرار في الوضع الرمادي الحالي لأطول فترة ممكنة. وحتى في حالة استئناف المفاوضات، فإن ذلك لن يُحدث أي تغيير في مواقف هذا الجناح.
ففي هذا السياق، قال قائد الجيش الإيراني «أمير حاتمي»، في 24 أغسطس 2026: «يجب أن نُفشِل العدو ونذيقه مرارة الهزيمة التي تجعله يدرك أن إيران ليست بلداً يأتي إليه من أقصى العالم ليقول: سأغير خريطة البلاد»، مضيفاً: «سنقاتل جيلاً بعد جيل، ولن نسمح له أبداً بذلك».
ودعت جبهة الصمود (جبهة بايداري) – التي تعبر عن توجهات تيار المحافظين الأصوليين – في بيان أصدرته في 20 أغسطس 2026 إلى «رفع كُلفة العودة إلى المفاوضات»، بما يعني ضرورة ألا يكون هذا الخيار مهمة سهلة للولايات المتحدة؛ وذلك في انتقاد واضح لرئيس مجلس الشورى ورئيس وفد التفاوض «محمد باقر قاليباف» الذي حرص على ربط العودة إلى المفاوضات برفع الحصار عن الموانئ الإيرانية في الخليج العربي، ورفع الحظر عن الأموال الإيرانية المجمدة في الخارج؛ إذ اعتبرت الجبهة أن هذه الشروط أصبحت من الماضي، وأنه من الضروري أن تكون هناك إجراءات عقابية جديدة لانتهاك الولايات المتحدة مذكرة التفاهم واستخدامها الخيار العسكري لمهاجمة المنشآت الإيرانية في جنوب غرب البلاد.
يمكن تفسير حرص هذا الجناح على تفضيل مسار «اللاحرب واللاسلم» في ضوء أسباب أربعة رئيسية تتمثل في:
1– التشكك في جدوى المفاوضات مع الولايات المتحدة: لا يُبدي هذا الجناح ثقة كبيرة بجدوى المفاوضات مع الولايات المتحدة، ويستند في هذا السياق إلى اعتبارَين أساسيَّين: أولهما انسحاب الرئيس الأمريكي «دونالد ترامب» في 8 مايو 2018 – خلال ولايته الرئاسية الأولى– من الاتفاق النووي، وإعادته فرض العقوبات الأمريكية، في 7 أغسطس من العام نفسه، بعد أن تم تعليقها بمقتضى الاتفاق، وهي العقوبات التي فرضت نتائج سلبية عديدة على المستوى الاقتصادي، بعد أن اضطرت بسببها الشركات الأجنبية التي كانت قد سارعت لعقد صفقات اقتصادية مع إيران إلى الانسحاب منها تجنباً للتعرض لتلك العقوبات.
ثانيهما النموذج الليبي، الذي تستند إليه بعض الاتجاهات الإيرانية للتحذير من أن استجابة الرئيس الليبي الأسبق «معمر القذافي» للضغوط الدولية والأمريكية، وتفكيك المكونات الخاصة بالبرنامج النووي، لم تَحُل دون انهيار نظامه لاحقاً بفعل التدخل العسكري لحلف الناتو في مارس 2011.
2– الإصرار على التوصل إلى اتفاق دائم لإنهاء الأزمة: يرى هذا الجناح أن الشرط الوحيد الذي يمكن من خلاله إنهاء حالة الحرب الحالية هو الوصول إلى اتفاق يتسم بصفة الديمومة، وهو شرط يصعب تحقيقه في ظل الظروف الحالية، وفي ظل إصرار أي رئيس أمريكي على عدم تقييد الخيارات المتاحة أمام خليفته. وقد كان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني «محسن رضائي» واضحاً في تأكيد أهمية هذا الشرط تحديداً خلال لقائه قائد الجيش الباكستاني «عاصم منير»، في 24 أغسطس 2026، عندما قال إن «المرشد يريد حلاً دائماً للأزمة».
ومن دون شك، فإن هذا الشرط تحديداً يرتبط بالمقاربة الأمنية التي يتبناها هذا الجناح، والتي تعتمد على أن المساعي الأمريكية لإبرام اتفاق مع إيران ما هي إلا خطوة تكتيكية، الهدف منها هو الاستعداد للجولة الجديدة من العمليات العسكرية، وهو ما يرى هذا الجناح أنه لا يمكن السماح به، باعتبار أن ذلك سوف يكون خياراً مكلفاً لإيران في ظل الخسائر التي يمكن أن تتكبدها في حالة حدوث ذلك.
3– تجنب تقديم تنازلات نوعية في الملفات الخلافية: يرتبط نجاح أي اتفاق محتمل بين إيران والولايات المتحدة بحجم التنازلات التي يمكن أن يقدمها الطرفان. وهنا، يمكن القول إن هذا الجناح لا يريد تقديم هذه التنازلات؛ ففضلاً عن أن ذلك سوف يتناقض مع حرصه خلال الفترة الماضية على رفع سقف التحدي مع الولايات المتحدة، خاصة على المستوى الداخلي، عبر الترويج لسردية نجاحه في منعها من تحقيق أهدافها من الحرب، فإن المعطيات الجديدة التي فرضتها الحرب ربما تكون قد ساهمت في تشدد مواقفه إزاء بعض الملفات، وفي مقدمتها البرنامج النووي، وتهديد حركة الملاحة في مضيق هرمز.
فقد بدا لافتاً أن هذا الجناح بدأ بالفعل في توجيه رسائل تفيد عدم استبعاده الإقدام على محاولة إنتاج القنبلة النووية. وقد ألمح النائب الأصولي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى «إبراهيم رضائي» إلى ذلك بالفعل، في 20 أغسطس 2026، عندما قال إن «أفضل رد على شن الحرب الاقتصادية الأمريكية يتمثل في الانسحاب من معاهدة حظر انتشار الأسلحة النووية».
4– التخوف من تحديات اليوم التالي لانتهاء الحرب: لا يتوقع هذا الجناح أن تنتهي الأزمة بإبرام اتفاق مع الولايات المتحدة، بل إنه يرى أن هذا المسار يمكن أن ينتج أزمة أخرى لا تقل خطورةً، خاصةً أنها سوف تكون على الساحة الداخلية الإيرانية. ووفقاً لتلك الرؤية، فإن الحرب أسهمت في نشوء حالة من التضامن الشعبي الظرفي مع النظام، رغم كل الخسائر التي تكبدتها إيران على المستويات المختلفة. إلا أن هذا التضامن بدأ في التآكل تدريجياً بفعل الضغوط القوية التي يتعرض لها الإيرانيون على خلفية تصاعد حدة الأزمة الاقتصادية، ولا سيما في ظل استمرار الارتفاع الكبير في معدلات التضخم، فيما واصل سعر صرف العملة المحلية (التومان) انهياره أمام الدولار؛ حيث بلغ الدولار أكثر من (200) ألف تومان.
وهنا، فإن ذلك معناه أن الاحتجاجات قد تعود مرة أخرى إلى الظهور في طهران والمحافظات الإيرانية المختلفة، على نحو ما حدث في الفترة من 18 ديسمبر 2025 حتى منتصف يناير 2026. وقد كان لافتاً أن النظام بدأ يستعد لهذا الاحتمال، على نحوٍ يبدو جلياً في قرار المرشد الأعلى للجمهورية «مجتبى خامنئي»، في 10 أغسطس 2026، بتعيين «حسين طائب» قائداً لقوة الباسيج المسؤولة عن ضبط حركة الشارع ومواجهة أي احتجاجات قد تندلع في المرحلة القادمة، فضلاً عن تنفيذ مزيد من عمليات الإعدام بحق بعض الإيرانيين الذين شاركوا في الاحتجاجات الأخيرة بعد اتهامهم بقتل عناصر من الشرطة أو الباسيج أو القوات المسلحة أو العمل لصالح أجهزة استخبارات أجنبية أو تقويض الأمن الداخلي في البلاد، مثل الناشط «مجيد آدينه» الذي تم إعدامه في 23 أغسطس 2026.
ختاماً، يمكن القول إن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم خلال المرحلة القادمة سوف تعتمد على متغير رئيسي يتمثل في النتائج التي سوف تتمخض عنها ضغوط الحصار الاقتصادي والعقوبات الأمريكية على إيران، بعد إعلان الولايات المتحدة، في 24 أغسطس 2026، بدء تنفيذ عملية «النبذ الاقتصادي» ضد إيران، وهي العملية التي ربما تنتج تداعيات مباشرة، سواء على المستوى الداخلي الإيراني، أو على مستوى التصعيد بين طهران وواشنطن، الذي قد يفرض بدوره ارتدادات إقليمية غير هينة خلال المرحلة القادمة.
{ باحث في العلوم السياسية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك