العدد : ١٧٦٨٩ - الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٩ - الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

نصف ساعة تكفي للشعور بمعاناة الآخرين

بقلم: فاطمة الحواج

الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

على‭ ‬سرير‭ ‬العملية‭ ‬الجراحية،‭ ‬كنت‭ ‬أرتجف‭ ‬من‭ ‬البرد‭.. ‬كان‭ ‬جسدي‭ ‬يرتعش‭ ‬رغم‭ ‬البطانيات‭ ‬التي‭ ‬غُطّي‭ ‬بها‭ ‬جسدي‭. ‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬أول‭ ‬ما‭ ‬راودني‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ألمي،‭ ‬ولا‭ ‬جروحي،‭ ‬بل‭ ‬معاناة‭ ‬أولئك‭ ‬الفقراء‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬ما‭ ‬يتغطون‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬برد‭ ‬الخيام‭ ‬التي‭ ‬يسكنونها‭ ‬دون‭ ‬إرادتهم،‭ ‬سواء‭ ‬بسبب‭ ‬الحروب‭ ‬أو‭ ‬الصراعات‭ ‬الداخلية‭ ‬التي‭ ‬أجبرتهم‭ ‬على‭ ‬ترك‭ ‬أوطانهم،‭ ‬ليصبحوا‭ ‬نازحين‭ ‬ومتسولين‭ ‬نعمة‭ ‬الأمان‭.‬

ناديت‭ ‬الممرضة‭ ‬وقلت‭ ‬لها‭:‬

‭-‬أشعر‭ ‬بالبرد‭.‬

أسرعت‭ ‬إلى‭ ‬وضع‭ ‬الهواء‭ ‬الساخن‭ ‬على‭ ‬بطني،‭ ‬لكنني‭ ‬لم‭ ‬أصمد‭. ‬ظل‭ ‬جسدي‭ ‬كله‭ ‬يرتجف،‭ ‬وكأن‭ ‬البرودة‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬الهواء‭ ‬الدافئ‭.‬

شعرت‭ ‬أن‭ ‬قدميّ‭ ‬هما‭ ‬مصدر‭ ‬ما‭ ‬أعانيه،‭ ‬فطلبت‭ ‬منها‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬أن‭ ‬تضع‭ ‬خرطوم‭ ‬الهواء‭ ‬الساخن‭ ‬بين‭ ‬قدميّ‭. ‬فعلت‭ ‬ذلك‭ ‬بكل‭ ‬ترحاب،‭ ‬لكن‭ ‬جسدي‭ ‬أبى‭ ‬أن‭ ‬يهدأ‭.‬

في‭ ‬لحظة،‭ ‬تذكرت‭ ‬طفلة‭ ‬رأيتها‭ ‬ذات‭ ‬يوم‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المخيمات،‭ ‬حافية‭ ‬القدمين،‭ ‬ترتجف‭ ‬من‭ ‬البرد،‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬رأيتها‭ ‬على‭ ‬صفحات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

كانت‭ ‬صورتها‭ ‬قد‭ ‬حفرت‭ ‬وجعًا‭ ‬في‭ ‬قلبي‭ ‬يومها،‭ ‬حتى‭ ‬أسقطت‭ ‬دموعي‭ ‬أمام‭ ‬ذلك‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬فطر‭ ‬قلبي‭.‬

شاء‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬أن‭ ‬أشعر‭ ‬ببعض‭ ‬معاناتها‭ ‬وأنا‭ ‬على‭ ‬فراش‭ ‬المرض،‭ ‬بسبب‭ ‬عملية‭ ‬جراحية‭ ‬أُجريت‭ ‬في‭ ‬قدميّ‭.‬

لا‭ ‬أعرف‭ ‬كم‭ ‬من‭ ‬الدقائق‭ ‬مرت‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يهدأ‭ ‬جسدي‭ ‬قليلًا،‭ ‬ثم‭ ‬نُقلت‭ ‬إلى‭ ‬غرفة‭ ‬ديلوكس‭. ‬طلبت‭ ‬من‭ ‬الممرضة‭ ‬أن‭ ‬تغلق‭ ‬المكيف،‭ ‬فقد‭ ‬كنت‭ ‬أرتجف‭ ‬بردًا‭ ‬بما‭ ‬فيه‭ ‬الكفاية‭.‬

أغلقت‭ ‬الممرضة‭ ‬الأضواء‭ ‬والمكيف،‭ ‬وتركتني‭ ‬أحاول‭ ‬النوم‭.‬

لكن‭ ‬جفوني‭ ‬أبت‭ ‬أن‭ ‬تغلق‭. ‬ظللت‭ ‬أرتجف‭ ‬حتى‭ ‬هدأ‭ ‬جسدي‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬المعاناة‭.‬

نصف‭ ‬ساعة‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬البرد‭ ‬جعلتني‭ ‬أشعر‭ ‬بالعجز،‭ ‬فكيف‭ ‬بمن‭ ‬يعيشون‭ ‬هذا‭ ‬البرد‭ ‬أيامًا‭ ‬وليالي‭ ‬طويلة؟

كيف‭ ‬بمن‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬سريرًا‭ ‬دافئًا،‭ ‬ولا‭ ‬بطانية‭ ‬تحمي‭ ‬أجساد‭ ‬أطفالهم،‭ ‬ولا‭ ‬غرفة‭ ‬يستطيعون‭ ‬أن‭ ‬يغلقوا‭ ‬فيها‭ ‬نافذة‭ ‬أو‭ ‬مكيفًا؟

كيف‭ ‬بالنازحين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يختاروا‭ ‬الخيام،‭ ‬ولم‭ ‬يختاروا‭ ‬الرحيل‭ ‬عن‭ ‬أوطانهم،‭ ‬ولم‭ ‬يختاروا‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬الأمان‭ ‬بالنسبة‭ ‬إليهم‭ ‬أمنية؟

تلك‭ ‬المعاناة‭ ‬الصغيرة،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬نصف‭ ‬ساعة،‭ ‬جعلتني‭ ‬أفكر‭ ‬كثيرًا‭ ‬في‭ ‬حجم‭ ‬معاناتهم‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭ ‬أناس‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬دعمنا،‭ ‬ولو‭ ‬بالقليل‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يراودني‭: ‬هل‭ ‬تصل‭ ‬المساعدة‭ ‬فعلًا‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يحتاجها؟

فبين‭ ‬الحاجة‭ ‬والجوع‭ ‬والبرد،‭ ‬يقف‭ ‬أحيانًا‭ ‬جشع‭ ‬بعض‭ ‬البشر،‭ ‬ليحول‭ ‬دون‭ ‬وصول‭ ‬الإعانات‭ ‬إلى‭ ‬المحتاجين،‭ ‬مقدمين‭ ‬مصالحهم‭ ‬الشخصية‭.‬

ليست‭ ‬المشكلة‭ ‬دائمًا‭ ‬في‭ ‬قلة‭ ‬الخير،‭ ‬فهناك‭ ‬من‭ ‬يعطي‭ ‬بسخاء،‭ ‬سواء‭ ‬الأفراد‭ ‬أو‭ ‬الدول،‭ ‬وإنما‭ ‬هل‭ ‬يصل‭ ‬الخير‭ ‬إلى‭ ‬مستحقيه؟‭!‬

ربما‭ ‬لا‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نغيّر‭ ‬العالم،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬نوقف‭ ‬حربًا،‭ ‬ولا‭ ‬أن‭ ‬نعيد‭ ‬نازحًا‭ ‬إلى‭ ‬وطنه‭.‬

لكننا‭ ‬نستطيع،‭ ‬ولو‭ ‬بالقليل،‭ ‬أن‭ ‬نجعل‭ ‬إنسانًا‭ ‬آخر‭ ‬يشعر‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬وحده‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭.‬

وأحيانًا،‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬مأساتهم‭ ‬كاملة‭ ‬حتى‭ ‬نشعر‭ ‬بهم

تكفي‭ ‬نصف‭ ‬ساعة‭ ‬من‭ ‬البرد،‭ ‬لنعرف‭ ‬كم‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الدفء‭ ‬نعمة‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا