على سرير العملية الجراحية، كنت أرتجف من البرد.. كان جسدي يرتعش رغم البطانيات التي غُطّي بها جسدي. في تلك اللحظة، أول ما راودني لم يكن ألمي، ولا جروحي، بل معاناة أولئك الفقراء الذين لا يملكون ما يتغطون به من برد الخيام التي يسكنونها دون إرادتهم، سواء بسبب الحروب أو الصراعات الداخلية التي أجبرتهم على ترك أوطانهم، ليصبحوا نازحين ومتسولين نعمة الأمان.
ناديت الممرضة وقلت لها:
-أشعر بالبرد.
أسرعت إلى وضع الهواء الساخن على بطني، لكنني لم أصمد. ظل جسدي كله يرتجف، وكأن البرودة أقوى من ذلك الهواء الدافئ.
شعرت أن قدميّ هما مصدر ما أعانيه، فطلبت منها مرة أخرى أن تضع خرطوم الهواء الساخن بين قدميّ. فعلت ذلك بكل ترحاب، لكن جسدي أبى أن يهدأ.
في لحظة، تذكرت طفلة رأيتها ذات يوم في أحد المخيمات، حافية القدمين، ترتجف من البرد، في صورة رأيتها على صفحات التواصل الاجتماعي.
كانت صورتها قد حفرت وجعًا في قلبي يومها، حتى أسقطت دموعي أمام ذلك المشهد الذي فطر قلبي.
شاء الله تعالى أن أشعر ببعض معاناتها وأنا على فراش المرض، بسبب عملية جراحية أُجريت في قدميّ.
لا أعرف كم من الدقائق مرت قبل أن يهدأ جسدي قليلًا، ثم نُقلت إلى غرفة ديلوكس. طلبت من الممرضة أن تغلق المكيف، فقد كنت أرتجف بردًا بما فيه الكفاية.
أغلقت الممرضة الأضواء والمكيف، وتركتني أحاول النوم.
لكن جفوني أبت أن تغلق. ظللت أرتجف حتى هدأ جسدي بعد نحو نصف ساعة من المعاناة.
نصف ساعة فقط من البرد جعلتني أشعر بالعجز، فكيف بمن يعيشون هذا البرد أيامًا وليالي طويلة؟
كيف بمن لا يملكون سريرًا دافئًا، ولا بطانية تحمي أجساد أطفالهم، ولا غرفة يستطيعون أن يغلقوا فيها نافذة أو مكيفًا؟
كيف بالنازحين الذين لم يختاروا الخيام، ولم يختاروا الرحيل عن أوطانهم، ولم يختاروا أن يصبح الأمان بالنسبة إليهم أمنية؟
تلك المعاناة الصغيرة، التي لم تتجاوز نصف ساعة، جعلتني أفكر كثيرًا في حجم معاناتهم.
في هذا العالم أناس بحاجة إلى دعمنا، ولو بالقليل.
لكن السؤال الذي يراودني: هل تصل المساعدة فعلًا إلى من يحتاجها؟
فبين الحاجة والجوع والبرد، يقف أحيانًا جشع بعض البشر، ليحول دون وصول الإعانات إلى المحتاجين، مقدمين مصالحهم الشخصية.
ليست المشكلة دائمًا في قلة الخير، فهناك من يعطي بسخاء، سواء الأفراد أو الدول، وإنما هل يصل الخير إلى مستحقيه؟!
ربما لا نستطيع أن نغيّر العالم، ولا أن نوقف حربًا، ولا أن نعيد نازحًا إلى وطنه.
لكننا نستطيع، ولو بالقليل، أن نجعل إنسانًا آخر يشعر أنه ليس وحده في هذا العالم.
وأحيانًا، لا نحتاج إلى أن نعيش مأساتهم كاملة حتى نشعر بهم…
تكفي نصف ساعة من البرد، لنعرف كم يمكن أن يكون الدفء نعمة.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك