جاء القرار الذي اتخذته سلطات دولة كولومبيا والقاضي بالاعتراف رسميا بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية المحتلة ليشكل منعطفاً خطيراً.
لقد أصبحت جمهورية كولومبيا بذلك ثاني دولة في العالم فقط –بعد الولايات المتحدة الأمريكية– تؤيد ضم إسرائيل غير القانوني للأراضي السورية، وهكذا تكون سلطات بوغوتا قد أعلنت تحولا جذريا في السياسة الخارجية التي انتهجها الرئيس الكولومبي السابق غوستافو بيترو، وذلك في ظل حكم الرئيس الجديد المنتمي لليمين المتطرف، أبيلاردو دي لا إسبيريلا.
ومع ذلك، فإن كولومبيا ليست حالة استثنائية، إذ يعكس هذا الموقف حملة إسرائيلية أوسع نطاقاً وشديدة العدوانية تهدف إلى تقويض وإلغاء المواقف المؤيدة لفلسطين والعالم العربي –التي تحققت بصعوبة– على مستوى العالم بشكل منهجي.
وفي الواقع، يتزامن هذا التحول في العاصمة بوغوتا مع تغيرات دراماتيكية في كراكاس بجمهورية فنزويلا المجاورة، حيث اتجهت القيادة المؤقتة في فنزويلا نحو استعادة العلاقات القنصلية مع إسرائيل بعد تجميد استمر 17 عاماً.
يحدث الأمر ذاته في أوروبا، ومن أبرز الأمثلة على ذلك سلوفينيا، حيث قامت الحكومة الجديدة برئاسة يانيز يانشا بإزالة العلم الفلسطيني من المباني الحكومية، وأعلنت نيتها تجميد خطة البلاد للاعتراف بدولة فلسطين عام 2024 ونقل سفارتها إلى القدس.
تدرك إسرائيل أن ما يُسمى بـ«مشكلة العلاقات العامة» لم يعد مجرد تشويه للصورة ناجم عن تغطية إعلامية سلبية متفرقة؛ فجرائم الإبادة الجماعية في غزة، مقترنةً بخطاب الإبادة وحروب العدوان في أنحاء الشرق الأوسط، تعني أن إسرائيل -هذه المرة- لن تتعافى بسهولة من الضرر الذي ألحقته بسمعتها العالمية.
وعلى الرغم من إصرار بعض الأوساط والدوائر - بما في ذلك تلك التي يُفترض أنها تنتقد إسرائيل - على أن المشكلة تكمن في رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وحكومته المكونة من متطرفين، إلا أن الحقيقة أكثر مرارة بالنسبة إلى إسرائيل؛ إذ باتت إسرائيل - كدولة، وكمشروع استعماري، وكأيديولوجيا - موضع تساؤل متزايد.
حتى أن بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية السائدة بدأت تقر بعمق الأزمة؛ إذ قالت المذيعة التلفزيونية الإسرائيلية البارزة «يونيت ليفي» في العام الماضي: «ربما حان الوقت لإدراك أن هذا ليس مجرد فشل في العلاقات العامة، بل هو فشل أخلاقي». وفي الوقت نفسه، وصفت صحيفة «واشنطن بوست» إسرائيل بأنها «تتحول إلى دولة منبوذة عالمياً».
غير أن القادة الإسرائيليين - ورغم رفضهم الإقرار بالتغيرات التي قد تكون غير قابلة للانعكاس في المزاج العالمي تجاه بلادهم والصهيونية برمتها - فإنهم يجدون ما يبعث على الارتياح في عاملين، وهما كالآتي:
أولهما، استمرار الدعم الأمريكي (وبالتالي الغربي)؛ وثانيهما - وهو أمر يرتبط ارتباطاً مباشراً بالأول - قدرتهم على تغيير مواقف عديد الحكومات تجاه إسرائيل عبر وسائل سياسية ودبلوماسية وغيرها.
أما بالنسبة إلى إسرائيل، فإن الشعوب لم تكن يوماً في نظرها ذات أهمية تذكر، بل إن الحكومات هي وحدها التي تهم.
وتُعد كولومبيا مثالاً يوضح السبب بدقة؛ إذ لم تكن إسرائيل بحاجة إلى تغيير الرأي العام الكولومبي أو تبديد سنوات من التضامن مع فلسطين، بل كان كل ما تحتاجه هو تغيير الحكومة. وقد تحقق ذلك تماماً بانتخاب «دي لا إسبيريلا»، الذي كان مؤيداً لإسرائيل بشكل صريح ودون مواربة.
كانت العواقب السياسية فوريةً تقريباً، إذ تحرك الرئيس دي لا إسبريلا فور انتخابه لاستعادة العلاقات الكاملة مع إسرائيل، وسحب دعم كولومبيا لقضية الإبادة الجماعية المرفوعة ضد جنوب أفريقيا أمام محكمة العدل الدولية، واستئناف صادرات الفحم، والأهم من ذلك كله، الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان المحتلة.
كما يضفي هذا التحول السريع أهميةً أكبر على التصريحات المتكررة للرئيس الكولومبي السابق بيترو بشأن التدخل الأمريكي والإسرائيلي في الانتخابات التي أدت إلى هزيمة المرشح اليساري إيفان سيبيدا.
ورغم أن هذه الاتهامات لا تزال محل جدل، إلا أن النتيجة بحد ذاتها لا لبس فيها: فقد كان تغيير الحكومة كافياً للبدء في تفكيك سياسات كولومبيا التي استمرت سنوات بشأن فلسطين وإسرائيل.
وينطبق الأمر ذاته على فنزويلا، إذ نظر كثيرون في البداية إلى استهداف الولايات المتحدة الأمريكية للرئيس نيكولاس مادورو -المؤيد للقضية الفلسطينية- باعتباره مجرد حلقة أخرى في تاريخ واشنطن الطويل من التدخل في أمريكا اللاتينية. غير أن سرعة إعادة التموضع التي شهدتها فنزويلا لاحقاً تشير إلى تحول أوسع نطاقاً.
يتمثل المؤشر الأوضح في التقارب المتزايد بين كاراكاس وتل أبيب. ففي عام 2009، قطعت فنزويلا علاقاتها الدبلوماسية مع إسرائيل في عهد الرئيس الأسبق هوغو تشافيز على خلفية الحرب على غزة، غير أن الحكومتين اتفقتا -بعد سبعة عشر عاماً- على استئناف الخدمات القنصلية، وهي خطوة مهمة نحو التطبيع ورمز قوي للتحول في التوجه الجيوسياسي لفنزويلا.
اتسمت علاقة إسرائيل بجزء كبير من دول «الجنوب العالمي» تاريخياً بالتوتر، إذ تشكلت ملامحها بفعل طابعها الاستعماري وعدوانها العسكري وتحالفها الوثيق مع القوى الغربية.
غير أن إسرائيل عملت -في عهد نتنياهو- بشكل منهجي على كسر تلك العزلة، موسعةً نطاق نفوذها في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، وذلك بالتزامن مع بدء تراجع النظام العالمي الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة الأمريكية.
لقد أدت أحداث غزة إلى تبديد تلك المكاسب بشكل دراماتيكي، ليس في دول الجنوب العالمي فحسب، بل على مستوى العالم بأسره. ويتمثل التحدي الراهن في جعل هذا التراجع دائماً، وفي الوقت نفسه جعل المكاسب التي حققتها إسرائيل مؤخراً في كولومبيا وفنزويلا وسلوفينيا وغيرها مجرد مكاسب مؤقتة.
غير أن الدول العربية تستطيع - بل يتعين عليها - بذل المزيد من الجهد. ففي حين تُعد إدانتها السريعة لقرار كولومبيا بشأن الجولان - استناداً إلى قرار مجلس الأمن الدولي رقم 497 - أمراً ضرورياً، إلا أن البيانات وحدها لا تكفي للتصدي للهجوم الدبلوماسي النشط الذي تشنه إسرائيل.
لا بد من تعزيز المواقف المبدئية بشأن فلسطين والأراضي العربية المحتلة من خلال شراكات اقتصادية ودبلوماسية واستراتيجية؛ وإلا فإن المكاسب السياسية التي تحققت بشق الأنفس ستظل هشة وعرضة للضياع بسهولة مع أي تغيير في الحكومات.
إننا نقف على أعتاب لحظة تاريخية، وهو واقع بات يقر به بشكل متزايد الكثير من الساسة والمؤرخين ووسائل الإعلام في إسرائيل نفسها. ولذا، فإن إهدار هذه الفرصة لفضح إسرائيل ومحاسبتها على جرائمها في فلسطين وعموم الشرق الأوسط يُعد أمراً لا يُغتفر.
لقد اتخذت المعركة من أجل العدالة في فلسطين بُعداً عالمياً بالفعل، ويتعين على من يساورهم قلق عميق بشأن غزة أن يدركوا أهمية هذا التحول. إن إسرائيل تكافح لإنهاء عزلتها المتزايدة، ولا ينبغي توقع أن تتخلى عن مساعيها في أي وقت قريب.
لذا، يتحتم علينا تكثيف جهودنا -مستخدمين كل الوسائل المتاحة التي تتوافق مع القانون الدولي وتطلعات الشعب الفلسطيني- لضمان عدم إمكانية التراجع ببساطة عن التحول التاريخي الذي أحدثته حرب الإبادة الإسرائيلية في قطاع غزة.
وعلى إسرائيل أن تدرك كذلك أنه لا مجال للعودة إلى الأوضاع المعتادة، ولا سبيل للإفلات من المساءلة، ولا رجعة عما ارتُكب من إبادة جماعية.
{ أكاديمي وكاتب فلسطيني

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك