العدد : ١٧٦٨٨ - الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٨ - الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مخاوف النخب السياسية الإسرائيلية بشأن المستقبل

بقلم: د. وليد عبد الحي

الخميس ٢٧ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬مجتمع‭ ‬مثل‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬تشكل‭ ‬النخبة‭ ‬بأشكالها‭ ‬المختلفة‭ ‬قرون‭ ‬الاستشعار‭ ‬للبيئة‭ ‬المستقبلية،‭ ‬فهي‭ ‬تؤثر‭ ‬في‭ ‬توجهات‭ ‬المجتمع،‭ ‬وتسهم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬فضاء‭ ‬القرار‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬للدولة‭ ‬في‭ ‬ذهن‭ ‬صانع‭ ‬القرار،‭ ‬وتتركز‭ ‬هذه‭ ‬النخب‭ ‬في‭ ‬أوصال‭ ‬المجتمع‭ ‬كله،‭ ‬مما‭ ‬يجعلها‭ ‬على‭ ‬تماس‭ ‬بتفاصيل‭ ‬الظاهر‭ ‬والباطن،‭ ‬وبالروح‭ ‬العامة‭ ‬للمجتمع،‭ ‬فهي‭ ‬مبثوثة‭ ‬في‭ ‬القيادات‭ ‬الحزبية،‭ ‬ومراكز‭ ‬الدراسات،‭ ‬والجامعات،‭ ‬والنقابات،‭ ‬والمختبرات‭ ‬العلمية،‭ ‬بل‭ ‬وبين‭ ‬الفنانين‭ ‬والأدباء‭.. ‬إلخ‭.‬

وبمتابعة‭ ‬أدبيات‭ ‬هذه‭ ‬النخب،‭ ‬يمكن‭ ‬تحديد‭ ‬المخاوف‭ ‬المستقبلية‭ ‬على‭ ‬إسرائيل،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬المخاوف‭ ‬الأكثر‭ ‬اتفاقًا‭ ‬عليها‭ ‬بين‭ ‬أفراد‭ ‬النخبة،‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭:‬

1‭ - ‬يبدو‭ ‬أن‭ ‬الخطر‭ ‬العسكري‭ ‬التقليدي‭ ‬المباشر‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يتصدر‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف‭ ‬بعد‭ ‬خروج‭ ‬مصر‭ ‬من‭ ‬الصراع‭  ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬معاهدة‭ ‬السلام‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬وبعد‭ ‬تخلي‭ ‬الجبهة‭ ‬الشرقية‭ ‬العربية‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬تحرير‭ ‬فلسطين،‭ ‬بل‭ ‬وعما‭ ‬هو‭ ‬أقل‭ ‬من‭ ‬ذلك‭ ‬بكثير،‭ ‬واتساع‭ ‬نطاق‭ ‬التطبيع،‭ ‬والتمزق‭ ‬الداخلي‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الجبهات،‭ ‬لكن‭ ‬يبقى‭ ‬هاجس‭ ‬يُطل‭ ‬بين‭ ‬الحين‭ ‬والآخر‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬النخبة،‭ ‬وهو‭ ‬‮«‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬العسكري‭ ‬لدى‭ ‬التنظيمات‭ ‬المسلحة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬والذي‭ ‬قد‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬مرحلة‭ ‬أسلحة‭ ‬الدمار‭ ‬الشامل‭ (‬الكيماوي‭ ‬والجرثومي،‭ ‬بل‭ ‬النووي‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬قد‭ ‬يتفتق‭ ‬عنه‭ ‬العقل‭ ‬البشري‭ ‬من‭ ‬تطورات‭ ‬تكنولوجية،‭ ‬وخاصة‭ ‬أن‭ ‬التطور‭ ‬التكنولوجي‭ ‬يتسارع‭ ‬بشكل‭ ‬مضطرد،‭ ‬وبتكاليف‭ ‬أقل،‭ ‬وبيسر‭ ‬في‭ ‬عبور‭ ‬المعلومات‭ ‬والخبرات‭ ‬للحدود‭ ‬المادية‭ ‬والافتراضية‮»‬‭.‬

2‭ - ‬القلق‭ ‬من‭ ‬تعدد‭ ‬الهويات‭ ‬الفرعية‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬مع‭ ‬انتقال‭ ‬هذه‭ ‬التنوعات‭ ‬لدرجات‭ ‬من‭ ‬الولاء‭ ‬الآلي‭ (‬بتعبير‭ ‬دوركهايم‭) ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الولاء‭ ‬العضوي،‭ ‬فالمجتمع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬متنوع‭ ‬بين‭ ‬علمانيين‭ ‬ودينيين،‭ ‬ويهود‭ ‬وعرب،‭ ‬ومسلم‭ ‬ومسيحي‭ ‬ويهودي،‭ ‬وبين‭ ‬انتماءات‭ ‬قومية‭ ‬لما‭ ‬قبل‭ ‬الهجرة‭ (‬أشكنازي‭ ‬وسفارديمي‭ ‬وصابرا‭).. ‬إلخ‭. ‬وشهدت‭ ‬الفترات‭ ‬الأخيرة‭ ‬احتقانات‭ ‬مجتمعية‭ ‬تقف‭ ‬وراءها‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬التنوعات،‭ ‬واتضحت‭ ‬معالمها‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬والمؤسسة‭ ‬العسكرية‭ ‬والأحزاب‭..‬

وتتضح‭ ‬مؤشرات‭ ‬هذا‭ ‬الجانب‭ ‬في‭ ‬أدبيات‭ ‬معهد‭ ‬الأمن‭ ‬القومي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬الذي‭ ‬يضع‭ ‬في‭ ‬حسابه‭ ‬مخاطر‭ ‬عسكرية‭ ‬مستقبلية‭ ‬مثل‭: ‬تحالف‭ ‬إقليمي‭ ‬عسكري‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬ضد‭ ‬إسرائيل،‭ ‬والتعدد‭ ‬في‭ ‬القوى‭ ‬النووية‭ ‬في‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط،‭ ‬وانهيار‭ ‬النظام‭ ‬الدفاعي‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬أمام‭ ‬احتمال‭ ‬وقوع‭ ‬موجات‭ ‬من‭ ‬الهجمات‭ ‬الصاروخية‭ ‬واسعة‭ ‬النطاق‭ ‬ودقيقة‭ ‬التوجيه‭.‬

‭ ‬لكنه‭ ‬يضع‭ ‬هذه‭ ‬المخاوف‭ ‬في‭ ‬بنية‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬قائمة‭ ‬المخاطر،‭ ‬ويربطها‭ ‬بعامل‭ ‬مساعد،‭ ‬وهو‭ ‬فقدان‭ ‬‮«‬الطابع‭ ‬الديمقراطي‮»‬‭ ‬للنظام‭ ‬السياسي‭ ‬في‭ ‬إسرائيل،‭ ‬مما‭ ‬يعزز‭ ‬التفكك‭ ‬الاجتماعي‭.‬

3‭ - ‬القلق‭ ‬من‭ ‬المتغير‭ ‬الديموغرافي‭: ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬عدد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬حاليًا‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬التاريخية‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬عدد‭ ‬اليهود،‭ ‬فكيف‭ ‬ستكون‭ ‬دولة‭ ‬يهودية‭ ‬‮«‬في‭ ‬دولة‭ ‬أغلب‭ ‬سكانها‭ ‬ليسوا‭ ‬يهودًا»؟‭ ‬وفي‭ ‬دراسة‭ ‬لـ‭ ‬‮«‬Charles‭ ‬D‭. ‬Freilich‮»‬‭ ‬عن‭ ‬المخاطر‭ ‬غير‭ ‬العسكرية،‭ ‬يطرح‭ ‬في‭ ‬إحداها‭ ‬موضوع‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬الجسد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬ويبدو‭ ‬أن‭ ‬الفارق‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬اليهود‭ ‬والفلسطينيين‭ ‬سيتواصل‭ ‬لصالح‭ ‬الفلسطينيين،‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يتم‭ ‬التهجير‭ ‬أو‭ ‬الانفصال‭ ‬عن‭ ‬المناطق‭ ‬المحتلة‭ ‬عام‭ ‬1967،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬سيغرق‭ ‬إسرائيل‭ ‬في‭ ‬مشاكل‭ ‬جديدة‭ ‬أو‭ ‬متجددة‭.‬

وقد‭ ‬تتفاقم‭ ‬المشكلة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الاستيطان،‭ ‬فزيادته‭ ‬تعزز‭ ‬احتمال‭ ‬تجدد‭ ‬الانتفاضة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬والتخلي‭ ‬عن‭ ‬الاستيطان‭ ‬قد‭ ‬يفجر‭ ‬حربًا‭ ‬أهلية‭ ‬بين‭ ‬اليهود‭.‬

4‭ - ‬البرنامج‭ ‬النووي‭ ‬الإيراني‭: ‬تكاد‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬هذه‭ ‬النقطة‭ ‬هي‭ ‬الأكثر‭ ‬إجماعًا‭ ‬وتوافقًا‭ ‬عليها‭ ‬لدى‭ ‬النخبة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬فهي‭ ‬تحتل‭ ‬المرتبة‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬تصنيف‭ ‬وترتيب‭ ‬المخاطر،‭ ‬وتزداد‭ ‬خطورة‭ ‬إيران‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ربط‭ ‬تطورها‭ ‬العسكري‭ ‬بحلفائها‭ ‬‮«‬من‭ ‬التنظيمات‭ ‬المسلحة‮»‬،‭ ‬التي‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تسليحها‭ ‬‮«‬بغير‭ ‬التقليدي‭ ‬من‭ ‬السلاح‮»‬،‭ ‬وتتوارى‭ ‬خلفها‭ ‬إيران‭.‬

5‭ - ‬العزلة‭ ‬الدولية‭: ‬أشرنا‭ ‬في‭ ‬دراسات‭ ‬سابقة‭ ‬وبشكل‭ ‬تفصيلي‭ ‬إلى‭ ‬تراجع‭ ‬مكانة‭ ‬إسرائيل‭ ‬بعد‭ ‬طوفان‭ ‬الأقصى‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬44‭ ‬منزلة،‭ ‬وزاد‭ ‬معدل‭ ‬التصويت‭ ‬ضدها‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬بحوالي‭ ‬35‭ ‬دولة،‭ ‬وفي‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬الدولية‭ ‬تستشعر‭ (‬إسرائيل‭) ‬مخاطرها،‭ ‬ولو‭ ‬في‭ ‬المدى‭ ‬الزمني‭ ‬المتوسط‭ ‬والبعيد،‭ ‬وتتعزز‭ ‬هذه‭ ‬العزلة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تزايد‭ ‬الفجوة‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬وتزايد‭ ‬نفور‭ ‬المجتمع‭ ‬اليهودي‭ ‬العالمي‭ ‬من‭ ‬السياسات‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وكلاهما‭ ‬تطوران‭ ‬تشير‭ ‬لهما‭ ‬بعض‭ ‬الملامح‭.‬

6‭ - ‬تتعزز‭ ‬المخاطر‭ ‬السابقة‭ ‬بمؤشرات‭ ‬مساعدة‭ ‬لا‭ ‬يجوز‭ ‬استبعادها،‭ ‬مثل‭:‬

أ‌‭ ‬‭- ‬مخاوف‭ ‬من‭ ‬التغير‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬النظم‭ ‬السياسية‭ ‬العربية‭ ‬واستبدالها‭ ‬بنظم‭ ‬معادية‭ ‬لإسرائيل‭.‬

ب‌‭- ‬وقوع‭ ‬تطورات‭ ‬تقنية‭ ‬أو‭ ‬أزمات‭ ‬اقتصادية‭ ‬تغير‭ ‬من‭ ‬الوزن‭ ‬النوعي‭ ‬لبعض‭ ‬الدول،‭ ‬بخاصة‭ ‬الخليجية‭.‬

ت‌‭- ‬تنامي‭ ‬التخلي‭ ‬الأمريكي‭ ‬عن‭ ‬رعاية‭ ‬إسرائيل‭ ‬لأسباب‭ ‬داخلية‭ ‬أمريكية،‭ ‬أو‭ ‬لتغير‭ ‬المكانة‭ ‬الأمريكية‭ ‬في‭ ‬القطبية‭ ‬الدولية،‭ ‬أو‭ ‬لزيادة‭ ‬الانفضاض‭ ‬الشعبي‭ ‬الأمريكي‭ ‬عن‭ ‬تأييد‭ ‬إسرائيل‭.‬

أخيرًا،‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬طرح‭ ‬تساؤلات‭ ‬على‭ ‬النخبة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬والنخب‭ ‬العربية‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬التالي‭:‬

1‭ -  ‬للنخبة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬نقول‭: ‬هل‭ ‬السياسات‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الحالية‭ ‬تعزز‭ ‬أو‭ ‬تضعف‭ ‬المخاطر‭ ‬سالفة‭ ‬الذكر؟‭ ‬فإن‭ ‬كانت‭ ‬تعززها،‭ ‬فلماذا‭ ‬تواصل‭ ‬إسرائيل‭ ‬هذا‭ ‬النهج؟‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬تضعفها،‭ ‬فكيف‭ ‬نفسر‭ ‬أن‭ ‬أغلبها‭ ‬تعاظم‭ ‬منذ‭ ‬وصول‭ ‬الليكود‭ ‬لكرسي‭ ‬السلطة؟

2‭ - ‬للنخبة‭ ‬العربية‭ ‬نسأل‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تعميق‭ ‬احتمالات‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬الصهيونية‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬تعزيز‭ ‬الجهود‭ ‬العربية‭ ‬والدولية‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية؟

 

{ أكاديمي‭ ‬فلسطيني‭ ‬مختص

‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا