العدد : ١٧٦٨٦ - الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٦ - الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

إسرائيل تخوض حرب العقول والقلوب في الغرب

بقلم: جمال كنج

الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

في‭ ‬شهر‭ ‬ديسمبر‭ ‬2025،‭ ‬التقى‭ ‬رئيس‭ ‬الوزراء‭ ‬بنيامين‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬بالم‭ ‬بيتش‭ ‬بولاية‭ ‬فلوريدا‭ ‬بقادة‭ ‬مسيحيين‭ ‬إنجيليين‭ ‬صهاينة‭ ‬ورؤساء‭ ‬جامعات،‭ ‬حيث‭ ‬أبلغهم‭ ‬بأن‭ ‬إسرائيل‭ ‬تخوض‭ ‬‮«‬حرباً‭ ‬على‭ ‬سبع‭ ‬جبهات‮»‬،‭ ‬وحذّر‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬جبهة‭ ‬ثامنة‭ ‬الآن،‭ ‬ألا‭ ‬وهي‭ ‬المعركة‭ ‬‮«‬على‭ ‬العقول‭ ‬والقلوب‭ ‬في‭ ‬الغرب‮»‬‭ - ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬بين‭ ‬الشباب،‭ ‬وقبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭.‬

قبل‭ ‬عامين‭ ‬تقريباً،‭ ‬كتبتُ‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬تطبيع‭ ‬الإعلام‭ ‬الغربي‭ ‬للإبادة‭ ‬الجماعية؛‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الصمت،‭ ‬بل‭ ‬عبر‭ ‬اللغة،‭ ‬إذ‭ ‬تلعب‭ ‬التعابير‭ ‬الملطفة‭ ‬والمصطلحات‭ ‬التقنية‭ ‬الباردة‭ ‬هذا‭ ‬الدور‭: ‬فتُصوَّر‭ ‬حروب‭ ‬إسرائيل‭ ‬ضد‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬وشعب‭ ‬لبنان‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬حرب‭ ‬ضد‭ ‬‮«‬حماس‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬حزب‭ ‬الله‮»‬،‭ ‬وتُوصَف‭ ‬المجازر‭ ‬بأنها‭ ‬مجرد‭ ‬‮«‬اشتباكات‮»‬‭.‬

تُضعف‭ ‬كل‭ ‬جزئية‭ ‬دقيقة‭ ‬حساسية‭ ‬القارئ‭ ‬تدريجياً،‭ ‬وتُحوّل‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬التركيز‭ ‬من‭ ‬الطفل‭ ‬القابع‭ ‬تحت‭ ‬الأنقاض‭ ‬إلى‭ ‬الجغرافيا‭ ‬السياسية‭ ‬الدائرة‭ ‬فوقها‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬المفردات‭ ‬محايدة‭ ‬قط؛‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬المسودة‭ ‬الأولى‭ ‬للسردية‭ ‬التي‭ ‬احتاجت‭ ‬إليها‭ ‬إسرائيل‭ ‬لتخدير‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭ ‬وإدامة‭ ‬حالة‭ ‬اللامبالاة‭ ‬العالمية‭.‬

جرت‭ ‬العادة‭ ‬أن‭ ‬تعمل‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬خلف‭ ‬أبواب‭ ‬موصدة؛‭ ‬ففي‭ ‬غرف‭ ‬التحرير،‭ ‬كانت‭ ‬حفنة‭ ‬من‭ ‬‮«‬حراس‭ ‬البوابة‮»‬‭ ‬تقرر‭ ‬ما‭ ‬يراه‭ ‬الجمهور‭ ‬وما‭ ‬لا‭ ‬يراه‭. ‬لكن‭ ‬الوضع‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬كذلك‭.‬

لقد‭ ‬حطمت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬ذلك‭ ‬الاحتكار‭. ‬فمع‭ ‬صعود‭ ‬‮«‬إعلام‭ ‬المواطن‮»‬،‭ ‬أصبحنا‭ ‬نرى‭ ‬مراهقاً‭ ‬فلسطينياً‭ ‬يبث‭ ‬أحداثاً‭ ‬مباشرة‭ ‬من‭ ‬غزة‭      ‬أو‭ ‬يكشف‭ ‬ممارسات‭ ‬حشود‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬أو‭ ‬ممرضة‭ ‬تصور‭ ‬ما‭ ‬يجري‭ ‬داخل‭ ‬المستشفى،‭ ‬أو‭ ‬أباً‭ ‬يوثق‭ ‬صرخات‭ ‬طفله‭ ‬الرضيع‭ ‬العالق‭ ‬تحت‭ ‬الأنقاض‭.‬

لم‭ ‬يعد‭ ‬‮«‬حراس‭ ‬البوابة‮»‬‭ ‬هم‭ ‬النافذة‭ ‬الوحيدة‭ ‬التي‭ ‬يرى‭ ‬العالم‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬الأحداث؛‭ ‬إذ‭ ‬يثير‭ ‬هذا‭ ‬الواقع‭ ‬الإعلامي‭ ‬الجديد‭ ‬رعب‭ ‬نتنياهو‭ ‬ويهدد‭ ‬احتكار‭ ‬الصهاينة‭ ‬للرواية‭ ‬السائدة‭.‬

لقد‭ ‬أدى‭ ‬التحول‭ ‬في‭ ‬آليات‭ ‬وصول‭ ‬الأخبار‭ ‬الخام‭ ‬إلى‭ ‬الجمهور‭ ‬إلى‭ ‬فتح‭ ‬‮«‬الجبهة‭ ‬الثامنة‮»‬‭ ‬أمام‭ ‬نتنياهو؛‭ ‬وهي‭ ‬معركة‭ ‬تدور‭ ‬رحاها‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والكنائس‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام،‭ ‬بهدف‭ ‬إعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬نظرة‭ ‬الأمريكيين‭ ‬إلى‭ ‬إسرائيل‭ ‬والحرب‭.‬

على‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬جبهات‭ ‬إسرائيل‭ ‬السبع‭ ‬الدامية،‭ ‬تُخاض‭ ‬هذه‭ ‬الجبهة‭ ‬باستخدام‭ ‬المال؛‭ ‬فقد‭ ‬أنفقت‭ ‬إسرائيل‭ ‬عليها‭ ‬ما‭ ‬يزيد‭ ‬على‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬منذ‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023،‭ ‬كما‭ ‬ضاعفت‭ ‬ميزانية‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬العامة‭ ‬أربع‭ ‬مرات‭ ‬هذا‭ ‬العام‭ ‬وحده‭ ‬لتصل‭ ‬إلى‭ ‬730‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭.‬

وقد‭ ‬عبّر‭ ‬وزير‭ ‬الخارجية‭ ‬جدعون‭ ‬ساعر‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬بوضوح،‭ ‬مشيراً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الإنفاق‭ ‬على‭ ‬تحسين‭ ‬الصورة‭ ‬الذهنية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬يُعامل‭ ‬‮«‬مثل‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الطائرات‭ ‬المقاتلة‭ ‬والقنابل‭ ‬وأنظمة‭ ‬اعتراض‭ ‬الصواريخ‮»‬،‭ ‬إذ‭ ‬باتت‭ ‬الحكومة‭ ‬تخصص‭ ‬ميزانية‭ ‬للدعاية‭ ‬بالطريقة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬تخصص‭ ‬بها‭ ‬ميزانية‭ ‬للذخائر‭ ‬والأسلحة‭.‬

خلال‭ ‬لقائه‭ ‬مع‭ ‬مؤثرين‭ ‬أمريكيين،‭ ‬وصف‭ ‬نتنياهو‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بأنها‭ ‬‮«‬السلاح‭ ‬الأهم‮»‬‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬إسرائيل‭. ‬إننا‭ ‬هنا‭ ‬بصدد‭ ‬رئيس‭ ‬دولة‭ ‬أجنبية‭ - ‬يسيطر‭ ‬فعلياً،‭ ‬عبر‭ ‬جماعات‭ ‬الضغط‭ ‬التابعة‭ ‬له،‭ ‬على‭ ‬الكونغرس‭ ‬والبيت‭ ‬الأبيض‭ - ‬يضع‭ ‬استراتيجية‭ ‬لاستخدام‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الاستحواذ‭ ‬على‭ ‬العقل‭ ‬الأمريكي‭.‬

لهذا‭ ‬النشاط‭ ‬اسم‭ ‬وتكلفة‭ ‬محددة‭: ‬‮«‬مشروع‭ ‬إستر‮»‬‭ (‬The‭ ‬Esther‭ ‬Project‭). ‬فقد‭ ‬تعاقدت‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬14‭ ‬و18‭ ‬من‭ ‬المؤثرين‭ ‬الأمريكيين‭ -‬عبر‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬بريدجز‭ ‬بارتنرز‮»‬‭ (‬Bridges‭ ‬Partners‭) ‬المسجلة‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬ديلاوير،‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬عملاق‭ ‬العلاقات‭ ‬العامة‭ ‬‮«‬هافاس‮»‬‭ (‬Havas‭)- ‬وذلك‭ ‬بهدف‭ ‬إغراق‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بمحتوى‭ ‬مؤيد‭ ‬لإسرائيل‭ ‬بمعدل‭ ‬يتراوح‭ ‬بين‭ ‬25‭ ‬و30‭ ‬مرة‭ ‬شهرياً‭.‬

لم‭ ‬يفصح‭ ‬أي‭ ‬من‭ ‬المؤثرين‭ ‬لمتابعيهم‭ ‬عن‭ ‬أن‭ ‬العميل‭ ‬هو‭ ‬حكومة‭ ‬أجنبية،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعد‭ ‬انتهاكاً‭ ‬صريحاً‭ ‬لروح‭ ‬قانون‭ ‬الإفصاح‭ ‬الفيدرالي‭ -‬إن‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لنصه‭ ‬الحرفي‭. ‬

وإلى‭ ‬جانب‭ ‬‮«‬إستر‮»‬‭ (‬Esther‭)‬،‭ ‬أبرمت‭ ‬شركة‭ ‬‮«‬كلوك‭ ‬تاور‭ ‬إكس‮»‬‭ (‬Clock‭ ‬Tower‭ ‬X‭) - ‬التي‭ ‬يديرها‭ ‬براد‭ ‬بارسكيل،‭ ‬مدير‭ ‬الحملة‭ ‬الانتخابية‭ ‬السابق‭ ‬للرئيس‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭- ‬عقداً‭ ‬بقيمة‭ ‬1‭.‬5‭ ‬مليون‭ ‬دولار‭ ‬شهرياً،‭ ‬تتعهد‭ ‬فيه‭ ‬لإسرائيل‭ ‬بتحقيق‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬50‭ ‬مليون‭ ‬مشاهدة‭ ‬و5000‭ ‬منشور‭ ‬شهرياً؛‭ ‬حيث‭ ‬يوجه‭ ‬80‭% ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المحتوى‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬نحو‭ ‬‮«‬الجيل‭ ‬زد‮»‬‭ (‬Gen‭ ‬Z‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬الفئة‭ ‬السكانية‭ ‬الأقل‭ ‬اقتناعاً‭ ‬بالدعاية‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فهي‭ ‬الفئة‭ ‬التي‭ ‬تنفق‭ ‬إسرائيل‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬من‭ ‬الأموال‭ ‬لمحاولة‭ ‬صياغة‭ ‬وتشكيل‭ ‬مواقفها‭ ‬وكسب‭ ‬تأييدها‭.‬

ثمّة‭ ‬مواقع‭ ‬إلكترونية‭ ‬تابعة‭ ‬لـ«كلوك‭ ‬تاور‭ ‬إكس‮»‬‭: ‬باكس‭ ‬بوينت،‭ ‬وأليفيا،‭ ‬وجوستوريوم،‭ ‬تُستخدم‭ ‬لتزويد‭ ‬روبوتات‭ ‬الدردشة‭ ‬المدعومة‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬بإطار‭ ‬إسرائيلي‭ ‬مُعدّ‭ ‬مسبقًا،‭ ‬بحيث‭ ‬تصل‭ ‬استجابة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬‮«‬المحايدة‮»‬‭ ‬مُغلّفة‭ ‬بشكل‭ ‬مُزيّف‭.‬

هذا‭ ‬تزييف‭ ‬للرواية‭ ‬على‭ ‬نطاق‭ ‬واسع،‭ ‬ومعظم‭ ‬الأمريكيين‭ ‬الذين‭ ‬يسألون‭ ‬روبوت‭ ‬دردشة‭ ‬لا‭ ‬يدركون‭ ‬أنه‭ ‬عميل‭ ‬للدعاية‭ ‬الصهيونية‭.‬

يتمثل‭ ‬جانب‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬‮«‬الجبهة‭ ‬الثامنة‮»‬‭ ‬التي‭ ‬يتبناها‭ ‬نتنياهو‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬الأخبار‭ ‬إلى‭ ‬قصص‭ ‬مختلقة،‭ ‬وقد‭ ‬لعب‭ ‬بن‭ ‬شابيرو‭ ‬دور‭ ‬أحد‭ ‬القادة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المسعى؛‭ ‬إذ‭ ‬ساهم‭ ‬موقع‭ ‬‮«‬ذا‭ ‬ديلي‭ ‬واير‮»‬‭ (‬The‭ ‬Daily‭ ‬Wire‭) - ‬الذي‭ ‬تحول‭ ‬من‭ ‬منصة‭ ‬إخبارية‭ ‬إلى‭ ‬مصنع‭ ‬للقصص‭ ‬الملفقة‭- ‬في‭ ‬إعادة‭ ‬تصوير‭ ‬الحروب‭ ‬التي‭ ‬تخوضها‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬معارك‭ ‬ضمن‭ ‬صراع‭ ‬مُختلَق‭ ‬بين‭ ‬المسلمين‭ ‬والمسيحيين‭.‬

يُعد‭ ‬فيلمه‭ ‬الجديد‭ ‬‮«‬Run‭ ‬Hide‭ ‬Fight‭: ‬Infidels‮»‬‭ ‬بمثابة‭ ‬الذراع‭ ‬الروائية‭ ‬لـما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬الجبهة‭ ‬الثامنة»؛‭ ‬إذ‭ ‬يمزج‭ ‬بين‭ ‬الاحتجاجات‭ ‬المؤيدة‭ ‬لفلسطين‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬وبين‭ ‬مشاهد‭ ‬تُظهر‭ ‬استيلاء‭ ‬تنظيم‭ ‬‮«‬الدولة‭ ‬الإسلامية‮»‬‭ ‬على‭ ‬جامعة‭ ‬أمريكية،‭ ‬وذلك‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬عمل‭ ‬دعائي‭ ‬يتخفى‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬مادة‭ ‬ترفيهية،‭ ‬ويهدف‭ ‬إلى‭ ‬تطبيع‭ ‬كراهية‭ ‬المسلمين‭ ‬وتقديمها‭ ‬باعتبارها‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬الإخباري‭ ‬والسينمائي‭ ‬الأمريكي‭.‬

لقد‭ ‬أُعيد‭ ‬توظيف‭ ‬الخطاب‭ ‬الذي‭ ‬استُخدم‭ ‬يوماً‭ ‬لتصوير‭ ‬اليهود‭ ‬كتهديد‭ ‬وجودي‭ - ‬وذلك‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬أشخاص‭ ‬يُفترض‭ ‬أنهم‭ ‬يهود‭ - ‬لتصوير‭ ‬المسلمين‭ ‬بوصفهم‭ ‬التهديد‭ ‬الجديد؛‭ ‬فأولئك‭ ‬الذين‭ ‬يدركون،‭ ‬ربما‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬غيرهم،‭ ‬فظاعةَ‭ ‬وصمهم‭ ‬بالشيطانية‭ ‬بسبب‭ ‬دينهم،‭ ‬هم‭ ‬أنفسهم‭ ‬من‭ ‬يمولون‭ ‬آلات‭ ‬إعلامية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬وصم‭ ‬المسلمين‭ ‬بالشيطانية‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ووفقاً‭ ‬لاستطلاع‭ ‬أجراه‭ ‬مركز‭ ‬‮«‬بيو‮»‬‭ (‬Pew‭) ‬في‭ ‬الربيع‭ ‬الماضي،‭ ‬فإن‭ ‬60‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬الأمريكيين‭ ‬يحملون‭ ‬نظرة‭ ‬سلبية‭ ‬تجاه‭ ‬إسرائيل‭. ‬ولتغيير‭ ‬هذا‭ ‬الواقع،‭ ‬تدفع‭ ‬حكومة‭ ‬أجنبية‭ ‬للمؤثرين‭ ‬7000‭ ‬دولار‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬منشور،‭ ‬وتعمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬توجيه‭ ‬المعرفة‭ ‬التي‭ ‬تغذي‭ ‬أنظمة‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬لصالحها‭ ‬بهدوء‭.‬

إن‭ ‬نسبة‭ ‬الستين‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مشكلة‭ ‬تتعلق‭ ‬بالرسائل‭ ‬الإعلامية؛‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬حكم‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬جمهور‭ ‬كشف‭ ‬حقيقة‭ ‬حملات‭ ‬الدعاية‭ ‬الإسرائيلية‭ (‬الهسبارا‭) ‬وأدرك‭ ‬أهدافها‭.‬

لا‭ ‬تنفق‭ ‬إسرائيل‭ ‬المال‭ ‬بهدف‭ ‬التوعية‭ ‬أو‭ ‬نقل‭ ‬المعلومات،‭ ‬بل‭ ‬تنفقه‭ ‬للتلاعب‭ ‬بالناس‭ ‬وتلقينهم‭ ‬الجهل؛‭ ‬فالحقيقة‭ -‬إذا‭ ‬تُركت‭ ‬وشأنها‭- ‬تُعد‭ ‬أشد‭ ‬أعداء‭ ‬إسرائيل‭ ‬فتكاً‭. ‬

وحين‭ ‬تعجز‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬دحض‭ ‬الحقيقة،‭ ‬تصبح‭ ‬الوسيلة‭ ‬الوحيدة‭ ‬للسيطرة‭ ‬على‭ ‬العقول‭ ‬هي‭ ‬إعماء‭ ‬الناس‭ ‬بالكراهية‭: ‬كتحويل‭ ‬صورة‭ ‬طفل‭ ‬فلسطيني‭ ‬قُتل‭ ‬إلى‭ ‬صورة‭ ‬‮«‬درع‭ ‬بشري‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬تصوير‭ ‬مكان‭ ‬للعبادة‭ ‬على‭ ‬أنه‭ ‬‮«‬تهديد‭ ‬للشريعة‮»‬‭.‬

ولا‭ ‬سبيل‭ ‬أمام‭ ‬إسرائيل‭ ‬لقمع‭ ‬الحقيقة‭ ‬إلا‭ ‬بجعل‭ ‬المواطنين‭ ‬رهائن‭ ‬للتعصب‭ ‬الذي‭ ‬زرعته‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬نفوسهم؛‭ ‬فالتعصب‭ ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬أدلة،‭ ‬بل‭ ‬يكتفي‭ ‬بوجود‭ ‬عدو‭. ‬وما‭ ‬إن‭ ‬ينخدع‭ ‬العقل‭ ‬ويقتنع‭ ‬بأنه‭ ‬يعرف‭ ‬هوية‭ ‬العدو‭ ‬مسبقاً،‭ ‬حتى‭ ‬تغدو‭ ‬الحقائق‭ ‬ومظالم‭ ‬الآخرين‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬زعزعة‭ ‬هذا‭ ‬الاعتقاد‭.‬

‭ ‬وهذا‭ ‬هو‭ ‬الهدف‭ ‬الذي‭ ‬تسعى‭ ‬‮«‬الجبهة‭ ‬الثامنة‮»‬‭ ‬لإسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬تحقيقه،‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬إقناع‭ ‬الناس‭ ‬بالحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬بغرس‭ ‬الكراهية‭ ‬في‭ ‬عقولهم‭ ‬وتلقينهم‭ ‬إياها‭.‬

 

{‭ ‬كاتب‭ ‬فلسطيني‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا