العدد : ١٧٦٨٦ - الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٦ - الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

مخاطر استمرار العدوان الإسرائيلي على سورية

بقلم: أحمد مظهر سعدو

الثلاثاء ٢٥ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

تستمرّ‭ ‬فصول‭ ‬العدوان‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬على‭ ‬سورية،‭ ‬قضماً‭ ‬للأراضي،‭ ‬وتعدّيات‭ ‬على‭ ‬المواطنين‭ ‬السوريين،‭ ‬ثمّ‭ ‬أخيراً‭ ‬قصفاً‭ ‬لمطارات‭ ‬عسكرية‭ ‬في‭ ‬سورية‭. ‬ويبدو‭ ‬أنّ‭ ‬التصريحات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬التي‭ ‬تطلب‭ ‬من‭ ‬نتنياهو‭ ‬التوقف‭ ‬عن‭ ‬تعدّياته‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية،‭ ‬لم‭ ‬يستجب‭ ‬لها‭. ‬وباتت‭ ‬هذه‭ ‬المواقف‭ ‬الأمريكية‭ ‬غير‭ ‬جدّية،‭ ‬ولا‭ ‬تدخل‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬المنع،‭ ‬أو‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬تفاهم‭ ‬أمني‭ ‬ما‭ ‬مع‭ ‬سورية،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬أمريكا‭ ‬تترك‭ ‬إسرائيل‭ ‬تصول‭ ‬وتجول‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬تعامل‭ ‬جدّي‭ ‬معها،‭ ‬لوقف‭ ‬هذه‭ ‬التعدّيات‭. ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬المطالب‭ ‬التركية‭ ‬المستمرّة‭ ‬من‭ ‬الرئيس‭ ‬الأمريكي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بالتدخّل‭ ‬لوقف‭ ‬التعدّيات،‭ ‬لا‭ ‬نجد‭ ‬إلّا‭ ‬مزيداً‭ ‬من‭ ‬العربدة‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬وكثيراً‭ ‬من‭ ‬الانفلات‭ ‬من‭ ‬كلّ‭ ‬عقال،‭ ‬والعبث‭ ‬في‭ ‬جلّ‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية‭ ‬التي‭ ‬احتلتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬بعد‭ ‬8‭ ‬ديسمبر‭ ‬2024،‭ ‬وأيضاً‭ ‬ما‭ ‬يحيط‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬درعا‭ ‬وريف‭ ‬دمشق‭.‬

لعلّ‭ ‬إسرائيل‭ ‬تدرك‭ ‬تمام‭ ‬الإدراك‭ ‬مستوى‭ ‬الضعف‭ ‬العربي‭ ‬الكلّي،‭ ‬وعدم‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهتها،‭ ‬كما‭ ‬باتت‭ ‬تعي‭ ‬أنّ‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬تريده‭ ‬الحكومة‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الحالية‭ ‬المتطرّفة‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬من‭ ‬يمكنه‭ ‬وقفه،‭ ‬أو‭ ‬لجمه‭ ‬عن‭ ‬المضي‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يريد‭.‬

ولقد‭ ‬بات‭ ‬نتنياهو،‭ ‬ضمن‭ ‬ديناميات‭ ‬انتخاباته‭ ‬المقبلة‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬قاب‭ ‬قوسين‭ ‬أو‭ ‬أدنى،‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬إصرار‭ ‬على‭ ‬التعدّي‭ ‬المستمرّ‭ ‬على‭ ‬لبنان‭ ‬وقطاع‭ ‬غزّة‭ ‬والضفّة‭ ‬الغربية‭. ‬وينفلت‭ ‬المستوطنون‭ ‬الصهاينة‭ ‬ضدّ‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني،‭ ‬ليفعلوا‭ ‬ما‭ ‬يحلو‭ ‬لهم‭. ‬وكذلك‭ ‬الوضع‭ ‬مع‭ ‬سورية،‭ ‬حيث‭ ‬تكثّف‭ ‬إسرائيل‭ ‬تعدّياتها‭ ‬على‭ ‬الأراضي‭ ‬السورية،‭ ‬ضمن‭ ‬سياسة‭ ‬إسرائيلية‭ ‬انتخابية‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تقول‭ ‬للناخب‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬إنّ‭ ‬حكومة‭ ‬نتنياهو‭ ‬هي‭ ‬وحدها‭ ‬القادرة‭ ‬على‭ ‬الهيمنة‭ ‬على‭ ‬جلّ‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية،‭ ‬وليس‭ ‬سواها‭ ‬من‭ ‬أيّ‭ ‬حكومات‭ ‬قد‭ ‬تأتي‭ ‬إبّان‭ ‬الانتخابات‭ ‬المقبلة‭.‬

المشكلة‭ ‬الأساس‭ ‬لدى‭ ‬حكومة‭ ‬دمشق‭ ‬هي‭ ‬الضعف‭ ‬في‭ ‬العتاد،‭ ‬ما‭ ‬يمنع‭ ‬أيّ‭ ‬إمكانية‭ ‬حقيقية‭ ‬للتصدّي‭ ‬للعدوان‭ ‬الإسرائيلي،‭ ‬كما‭ ‬أنّ‭ ‬الدعم‭ ‬التركي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬متردّداً‭ ‬وضعيفاً‭ ‬عبر‭ ‬سياسة‭ ‬تركية‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬مواجهةً‭ ‬مباشرةً‭ ‬مع‭ ‬الإسرائيليين،‭ ‬لكنّها‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬تودّ‭ ‬أن‭ ‬يقف‭ ‬الحكم‭ ‬الجديد‭ ‬في‭ ‬دمشق‭ ‬على‭ ‬رجليه،‭ ‬ويبني‭ ‬سورية‭ ‬الناهضة‭ ‬القوية‭. ‬

وبالطبع،‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬إسرائيل‭ ‬نهوضاً‭ ‬سورياً‭ ‬حقيقياً،‭ ‬إذ‭ ‬تعتقد‭ ‬إسرائيل‭ ‬أنّ‭ ‬قوّة‭ ‬سورية‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬خطراً‭ ‬كبيراً‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬المستقبل،‭ ‬وضمن‭ ‬حالة‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬تحالفات‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬لا‭ ‬يبدو‭ ‬أنّها‭ ‬أصبحت‭ ‬بعيدةً‭ ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاقية‭ ‬مكّة‭ ‬للدفاع‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬السعودية‭ ‬وباكستان‭ ‬وتركيا،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التصريحات‭ ‬السورية،‭ ‬وعلى‭ ‬أعلى‭ ‬المستويات،‭ ‬بأنّ‭ ‬سورية‭ ‬لا‭ ‬تريد‭ ‬حروباً‭ ‬مع‭ ‬أحد،‭ ‬وأنّها‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬التهدئة‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬تفاهم‭ ‬أمني‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل‭ ‬ووقف‭ ‬الحروب‭ ‬معها‭.‬

ضمن‭ ‬هذا‭ ‬المشهد‭ ‬المتحرّك،‭ ‬تجد‭ ‬سورية‭ ‬نفسها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬خطر‭ ‬دائم‭ ‬بوجود‭ ‬إسرائيل‭ ‬المتطلّعة‭ ‬نحو‭ ‬الهيمنة‭ ‬والتغوّل‭ ‬على‭ ‬المحيط‭ ‬الإقليمي،‭ ‬بعد‭ ‬حروبها‭ ‬الكثيرة‭ ‬ضدّ‭ ‬قطاع‭ ‬غزّة،‭ ‬وضدّ‭ ‬إيران‭ ‬ولبنان،‭ ‬وأنّ‭ ‬وقف‭ ‬هذه‭ ‬المخاطر‭ ‬بات‭ ‬ضرورياً‭ ‬وجدّياً،‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬أرادت‭ ‬سورية‭ ‬النهوض‭ ‬وبناء‭ ‬المؤسّسات،‭ ‬فلابد‭ ‬من‭ ‬التصدّي‭ ‬للتحدّيات‭ ‬الداخلية‭ ‬والخارجية،‭ ‬ومنها‭ ‬أوضاع‭ ‬الجنوب‭ ‬السوري‭ ‬وإشكالية‭ ‬القائد‭ ‬الدرزي‭  ‬حكمت‭ ‬الهاجري‭ ‬والسويداء،‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الانفراجات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الملفّ‭ ‬الشائك،‭ ‬وكذلك‭ ‬أوضاع‭  ‬الاكراد‭ ‬في‭ ‬شمال‭ ‬شرقي‭ ‬سورية،‭ ‬حيث‭ ‬وُقّع‭ ‬اتفاق‭ ‬29‭ ‬يناير‭ (‬2026‭)‬،‭ ‬ويُطبّق‭ ‬حالياً،‭ ‬لكن‭ ‬معوقات‭ ‬وعثرات‭ ‬كثيرة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تعتريه‭.‬

ولكن‭ ‬يبدو‭ ‬أنّ‭ ‬الخطر‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬الداهم‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬يحمل‭ ‬إمكانية‭ ‬الاستمرار‭ ‬زمناً‭ ‬طويلاً،‭ ‬وليس‭ ‬هناك‭ ‬وجود‭ ‬لمظاهر‭ ‬أو‭ ‬دلائل‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬اقتراب‭ ‬توقيع‭ ‬اتفاق‭ ‬أمني‭ ‬جديد‭ ‬مع‭ ‬إسرائيل،‭ ‬أو‭ ‬لعلّه‭ ‬سيكون‭ ‬تحديثاً‭ ‬لاتفاق‭ ‬فضّ‭ ‬الاشتباك‭ ‬الموقَّع‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1974،‭ ‬الذي‭ ‬أهالت‭ ‬إسرائيل‭ ‬عليه‭ ‬التراب،‭ ‬بعد‭ ‬فرار‭ ‬بشّار‭ ‬الأسد‭ ‬إلى‭ ‬موسكو‭.‬

ما‭ ‬زال‭ ‬الخطر‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬موجوداً،‭ ‬ويتمدّد‭ ‬ويتحرّك‭ ‬باستمرار،‭ ‬ولا‭ ‬يبدو‭ ‬أنّه‭ ‬بصدد‭ ‬وقف‭ ‬تعدّياته‭ ‬وعدوانه‭ ‬المتواصل،‭ ‬وهذا‭ ‬الموضوع‭ ‬بات‭ ‬يقلق‭ ‬السياسة‭ ‬السورية‭ ‬ويمنعها‭ ‬من‭ ‬التحرّك‭ ‬باتجاه‭ ‬بناء‭ ‬الدولة‭ ‬السورية‭ ‬الجديدة‭ ‬والوليدة،‭ ‬وإعادة‭ ‬توحيد‭ ‬سورية،‭ ‬وترميم‭ ‬المؤسّسات‭ ‬المنهارة،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬الاشتغال‭ ‬على‭ ‬نهوض‭ ‬وطن‭ ‬سوري‭ ‬كاد‭ ‬ينهار،‭ ‬قبل‭ ‬رحيل‭ ‬بشّار‭ ‬الأسد‭.‬

واليوم،‭ ‬هناك‭ ‬تحدّيات‭ ‬كبيرة‭ ‬وكثيرة‭ ‬أمام‭ ‬الحكومة‭ ‬الجديدة،‭ ‬وهناك‭ ‬خلل‭ ‬بنيوي‭ ‬داخل‭ ‬الدولة‭ ‬السورية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتخلّص‭ ‬منه‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬سياسة‭ ‬عقلانية‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬ممتدّة‭ ‬ومتواصلة،‭ ‬ودعم‭ ‬خارجي‭ ‬جدّي‭ ‬وصادق،‭ ‬ليس‭ ‬بالبيانات‭ ‬والشعارات‭. ‬ولا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الحراك‭ ‬على‭ ‬هدي‭ ‬مسار‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬في‭ ‬سورية،‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬بطيئاً‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬تواصل‭ ‬المحاكمات‭ ‬والأحكام‭ ‬لبعض‭ ‬رجال‭ ‬النظام‭ ‬السابق‭ ‬الذي‭ ‬أجرم‭ ‬بحقّ‭ ‬الشعب‭ ‬السوري‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬حكم‭ ‬نظام‭ ‬الأسدَين‭. ‬

ان‭ ‬المجرم‭ ‬يجب‭ ‬ألا‭ ‬يبقى‭ ‬طليقاً،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬له‭ ‬ذلك،‭ ‬وقانون‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬الجديد‭ ‬لا‭ ‬بدّ‭ ‬أن‭ ‬يصل‭ ‬عاجلاً‭ ‬إلى‭ ‬مجلس‭ ‬الشعب‭ ‬الجديد‭ ‬ليكون‭ ‬من‭ ‬الأولويات‭ ‬على‭ ‬طاولة‭ ‬النقاش‭ ‬والإصدار،‭ ‬وهناك‭ ‬مهام‭ ‬كثيرة‭ ‬أمام‭ ‬الحكومة‭ ‬والمجلس‭. ‬وينتظر‭ ‬السوريون‭ ‬جميعاً،‭ ‬على‭ ‬اختلاف‭ ‬تلاوينهم‭ ‬السياسية‭ ‬والإثنية‭ ‬والطائفية،‭ ‬خروجاً‭ ‬آمناً‭ ‬وجيّداً‭ ‬من‭ ‬عنق‭ ‬الزجاجة،‭ ‬ووقف‭ ‬كلّ‭ ‬الأخطاء‭ ‬الكبيرة‭ ‬والكثيرة‭ ‬التي‭ ‬تجري‭ ‬هنا‭ ‬وهناك،‭ ‬وردع‭ ‬التعدّيات‭ ‬على‭ ‬حقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬السوري،‭ ‬الذي‭ ‬ظُلم‭ ‬طويلاً‭. ‬ولا‭ ‬بدّ‭ ‬من‭ ‬خروج‭ ‬السوريين‭ ‬إلى‭ ‬النور‭ ‬والعدل‭ ‬والمساواة‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬القانون،‭ ‬وبناء‭ ‬دولة‭ ‬المواطنة،‭ ‬ومن‭ ‬ثمّ‭ ‬صياغة‭ ‬العقد‭ ‬الاجتماعي‭ ‬السوري‭ ‬الجامع‭.‬

 

{ كاتب‭ ‬وصحفي‭ ‬سوري‭ ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا