فاز الدكتور عبدالرحمن السيد في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي عن ولاية ميشيجان لمقعد مجلس الشيوخ، وهي الانتخابات التي تعد الأهم التي ينم إجراؤها هذه السنة.
لقد كانت منافسة محتدمة للغاية حبست الأنفاس كما يقال، لكنها مثلت لحظة فارقة في السياسة الأمريكية؛ تفوق الدكتور عبدالرحمن السيد على السيدة ستيفنز بفارق ضئيل لا يتجاوز نقطة مئوية واحدة، محققاً 49 في المائة مقابل 47 في المائة.
كانت هذه هي المرة الأولى التي تصبح فيها الحرب التي خاضتها إسرائيل في قطاع غزة والدعم العسكري الأمريكي الهائل لها محاور رئيسية للنقاش في أنحاء ولاية ميشيجان؛ وقد برزت هذه القضية في عدد قليل من السباقات الانتخابية الأخرى.
وفي الحقيقة فقد جاء سباق عضوية مجلس الشيوخ مختلفاً هذه المرة. فقد جرى نقاش يومي حول حقيقة أن الولايات المتحدة الأمريكية دأبت على دعم السياسات الإسرائيلية التي خلّفت تداعيات وخيمة للغاية على الفلسطينيين واللبنانيين.
وتُظهر النتائج التي أفرزتها هذه الانتخابات بوضوح أن كلاً من إسرائيل والمرشحة التي دعمتها — وهي عضوة الكونغرس هالي ستيفنز التي شغلت منصبها لأربع دورات — قد مُنيتا بالهزيمة في نهاية المطاف.
تمثلت إحدى القضايا الرئيسية الأخرى التي أثيرت في هذا السباق الانتخابي في دور «الأموال المظلمة» وغيرها من أشكال الإنفاق المستقل. لقد شهدنا هيمنة «الأموال المظلمة» على الحملات الانتخابية في الماضي، لكن لم يسبق أن بلغت هذا المستوى من قبل.
ووفقاً لآخر الإحصاءات، استفادت السيدة ستيفنز من إنفاق خارجي تجاوز 54 مليون دولار، حيث جاء الجزء الأكبر من هذه الأموال مباشرة من جماعات مؤيدة لإسرائيل، وعلى رأسها لجنة العلاقات العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك» - وهي جماعة الضغط التي تمثل أكبر لوبي يهودي مؤيد لإسرائيل في الولايات المتحدة الأمريكية. وفي المقابل، اعتمدت حملة الدكتور عبدالرحمن السيد بشكل كبير على تبرعات صغار المانحين.
وبشكل عام، فقد تفوقت السيدة ستيفنز ومنظمة «أيباك» على الدكتور عبدالرحمن السيد في الإنفاق الانتخابي بنسبة تزيد على 11 إلى واحد. وفي النهاية، مُنيت «الأموال المجهولة المصدر» ومنظمة «أيباك» معها بهزيمة ساحقة، مما أثبت أن المال قد يدعم المرشح ولكنه لا يستطيع شراء الانتخابات.
كما تحولت المنافسة بين السيد وستيفنز إلى مواجهة على مستوى وطني بين الجناح التقدمي للحزب الديمقراطي وقيادة الحزب التقليدية، حيث أعلن ديمقراطيون بارزون من كلا الجناحين تأييدهم وشاركوا في حملات انتخابية داخل الولاية.
يمثل فوز الدكتور عبدالرحمن السيد في ولاية ميشيجان —وهي ولاية متأرجحة ومؤشر رئيسي للتوجهات السياسية في الغرب الأوسط— اختراقاً مهماً للتيار التقدمي؛ إذ أثبت هذا الفوز أن «المؤسسة» الحزبية التقليدية بحد ذاتها قد أصبحت منفرة ومثيرة للاستياء لدى عديد من الناخبين الديمقراطيين.
وإلى جانب الدكتور عبدالرحمن السيد، تُعد هذه الانتخابات انتصاراً كبيراً للأمريكيين من أصول عربية في ولاية ميشيجان الأمريكية. فقبل أربعة عقود، كان أحد المرشحين لمنصب عمدة مدينة ديربورن قد جعل عبارة «دعونا نتحدث عن المشكلة العربية» محوراً رئيسياً لحملته الانتخابية.
ومنذ ذلك الحين، واصل ذلك المجتمع جهوده في التنظيم وتسجيل الناخبين والفوز في الانتخابات. ورغم تعرضهم لانتقادات لاذعة بعد إبداء استيائهم من دعم إدارة الرئيس السابق جو بايدن لإسرائيل، فقد عادوا بقوة وزخم كبيرين من خلال المساهمة في انتخاب أمريكي من أصل عربي –هو الدكتور عبدالرحمن السيد– ليكون مرشحاً للحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ.
علاوة على ذلك، حقق عباس علوية فوزاً حاسماً في المنافسة على ترشيح الحزب الديمقراطي لعضوية مجلس شيوخ ولاية ميشيجان عن منطقة ديربورن؛ ويُذكر أن السيد علوية كان أحد مؤسسي حركة «غير ملتزم» لعام 2024.
ومن الصعب العثور على انتخابات أخرى كانت أكثر أهمية أو أحدثت تحولات جذرية في مجالات متعددة تفوق ما شهدته هذه الانتخابات التمهيدية في ميشيجان. والآن تتجه الأنظار نحو شهر نوفمبر التي ستجرى فيه انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، حيث سيكون الدكتور عبدالرحمن السيد في مواجهة ضد المرشح الجمهوري مايك روجرز في سباق قد يكون حاسماً لتحديد الجهة التي ستسيطر على مجلس الشيوخ.
{ رئيس المعهد العربي الأمريكي

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك