أحياناً، تكون حاجتنا الحقيقية أصغر ممّا نظنّ. ننتظر أن تتبدّل حياتنا كلّها حتّى نستطيع احتمالها، بينما يكفي أن يتبدّل شيء صغير في داخلنا: أن نهدأ قليلاً أمام ما حدث، وأن نتوقّف عن استنزاف أيّامنا في محاولة إعادة ترتيب الماضي، وأن نترك لله مساحةً واسعةً ليدبّر ما لم نرَه بعد.
نحن نتعب كثيراً من مقاومة الأشياء التي وقعت وانتهت. نعود إليها في رؤوسنا، نعيد الحوار نفسه، ونقترح إجابات كان يمكن أن نقولها، ونفتّش عن اللحظة التي كان يمكن فيها أن نتصرّف بطريقة أخرى. نعيش الحادثة مرّةً، ثمّ نعيشها مرّات كثيرة من خلال الذاكرة. وكأنّ القلب يعتقد أنّ إعادة التفكير فيها قد تمنحه فرصةً لتغييرها.
لكن ما حدث أخذ مكانه في الماضي، وأصبح جزءاً من الطريق الذي عبرناه، شئنا هذا أم لم نشأ. وقد يكون أكثر ما نحتاجه تجاه بعض ما حدث أن نكفَّ عن محاكمته كلّ صباح. أن نقول لأنفسنا بهدوء يشبه المصالحة: حدث ما حدث، وأنا الآن هنا.
هذه الجملة الصغيرة تحمل شيئاً من الحكمة التي نتعلّمها متأخّرين. فقبول الواقع لا يعني الاستسلام له، ولا يعني أن نحبّ ما آلمنا، أو نعتبر الخسارة مكسباً، أو نمنح الخطأ معنى أجملَ ممّا يحتمل. القبول يعني أن نكفَّ عن تبديد قوّتنا في معركة انتهت، وأن نستخدم ما بقي لدينا من هذه القوّة في الحياة التي ما زالت مفتوحةً أمامنا.
وأظنّ أنّ الفجر يعلّمنا هذه الفكرة بطريقة يومية شديدة البساطة. كلّ ليلة، حين يبدو الظلام وكأنّه سيبقى، يحدث شيء لا نراه. الأرض تدور، والوقت يمضي، والضوء يقترب من دون أن يستأذن خوفنا. ثمّ يظهر الصباح. لا يحتاج الفجر إلى أن يقنع الليل بأنّه انتهى، ولا يقف طويلاً أمامه ليجادله. يأتي في موعده، ويبدأ العالم معه صفحةً أخرى.
ولعلّ أجمل ما في هذه الصورة أنّها تشبه حياتنا أكثر ممّا نعتقد. هناك أشياء نظنّ أنّنا لن نتجاوزها، ثمّ نكتشف بعد فترة أنّنا عبرناها. وهناك أبواب أُغلقت أمامنا فحسبنا أنّ الطريق انتهى، ثمّ ظهر طريق آخر من جهة لم نكن نلتفت إليها. وهناك أمنيات تأخّرت حتّى ظننا أنّها لن تأتي، ثمّ جاءت في وقت مختلف، وبصيغة لم نكن نتوقّعها.
الله سبحانه يدبّر ما لم يحدُث بعد. وهذه وحدها فكرة قادرة على أن تمنح القلب قدراً من السكينة حين تضيق به الاحتمالات. نحن نرى اللحظة التي نقف فيها، ونحسب المستقبل وفق ما نعرفه الآن، بينما الغيب كلّه خارج قدرتنا على الحساب. قد لا نعرف لماذا تأخّر أمر نريده، أو لماذا انصرف عنا شيء تعلّقنا به، أو لماذا اضطررنا إلى طريق لم نختره، لكنّنا نعرف أنّ معرفتنا محدودة، وأنّ تدبير الله أوسع من اللحظة التي نعيشها.
لهذا ربّما لا نحتاج كلّ صباح إلى خطّة جديدة لإنقاذ حياتنا. ربّما نحتاج أحياناً إلى قلب أكثر مرونة تجاهها. أن نترك بعض الأسئلة من دون إجابات فورية، وأن نسمح للأيّام بأن تكشف ما لا تستطيع أعيننا رؤيته الآن. أن نخفّف قبضتنا على الأشياء، فبعض ما نصرّ عليه بشدّة يحتاج منّا إلى أن نتركه قليلاً حتّى نعرف قيمته الحقيقية.
وأعرف أنّ الكلام عن الرضا يبدو سهلاً حين يُقال من بعيد، بينما هناك أوجاع لا تستجيب لعبارة جميلة، وفقدان يحتاج إلى وقت طويل حتّى يصبح قابلاً للكلام، لذلك لا أظنّ أنّ المطلوب من القلب أن يكون قوياً طوال الوقت. يكفي أن يستمرّ. أن يستيقظ في اليوم التالي. أن يفتح النافذة، ويشرب قهوته، ويذهب إلى عمله، ويتحدّث مع من يحبّ، ويمنح نفسه فرصةً أخرى. هذه التفاصيل الصغيرة قد تبدو عاديةً، لكنّها في بعض الأيّام شكل عميق من أشكال النجاة.
ولعلّنا نحتاج أيضاً إلى أن نكفّ عن استعجال الفجر في حياتنا. بعض الصباحات تتأخّر في الداخل أكثر ممّا تتأخّر في السماء. قد يستيقظ الجسد فيما تبقى الروح متعبةً من ليلة طويلة. وقد يبدو كلّ شيء كما هو، بينما يكون شيء خفي في أعماقنا قد بدأ يتغيّر. فكرة واحدة، قبول صغير، دعاء صادق، أو لحظة سكون قد تكون بداية الطريق.
الفجر لا يمحو ما حدث في الليل. إنّه يضعه في مكانه. وهذا فارق كبير. فالحياة لا تمنحنا دائماً فرصةً لمحو الماضي، لكنّها تمنحنا القدرة على أن نحمله بطريقة مختلفة. وقد يكون النضج كلّه في هذه المسافة بين الحدث وطريقة نظرنا إليه.
لذلك حين نستيقظ على يوم جديد، ربّما يكفينا أن نتذكّر أنّ ما نراه الآن ليس كلّ الحكاية. هناك أشياء تتحرّك في الغيب من دون علمنا، وأبواب لم نصل إليها بعد، وأقدار لم تُكتب تفاصيلها أمام أعيننا. وما علينا سوى أن نعيش يومنا بقدر ما نستطيع، وأن نترك لله ما يعجز عنه قلبنا.
يعلّمنا الفجر كلّ يوم أنّ الليل، مهما طال، لا يملك الكلمة الأخيرة. وربّما كانت مهمّتنا الصغيرة أن نصدّق ذلك، وأن نواصل السير، حتّى حين لا نرى الطريق كاملاً. فالذي دبّر لنا الوصول إلى هذا الصباح، قادر على أن يدبّر لنا ما بعده.
{ كاتبة وشاعرة كويتية

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك