العدد : ١٧٦٨٤ - الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٤ - الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

في انتظار بزوغ الفجر

بقلم: سعدية مفرح

الأحد ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

أحياناً،‭ ‬تكون‭ ‬حاجتنا‭ ‬الحقيقية‭ ‬أصغر‭ ‬ممّا‭ ‬نظنّ‭. ‬ننتظر‭ ‬أن‭ ‬تتبدّل‭ ‬حياتنا‭ ‬كلّها‭ ‬حتّى‭ ‬نستطيع‭ ‬احتمالها،‭ ‬بينما‭ ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يتبدّل‭ ‬شيء‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬داخلنا‭: ‬أن‭ ‬نهدأ‭ ‬قليلاً‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬وأن‭ ‬نتوقّف‭ ‬عن‭ ‬استنزاف‭ ‬أيّامنا‭ ‬في‭ ‬محاولة‭ ‬إعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬الماضي،‭ ‬وأن‭ ‬نترك‭ ‬لله‭ ‬مساحةً‭ ‬واسعةً‭ ‬ليدبّر‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬نرَه‭ ‬بعد‭.‬

نحن‭ ‬نتعب‭ ‬كثيراً‭ ‬من‭ ‬مقاومة‭ ‬الأشياء‭ ‬التي‭ ‬وقعت‭ ‬وانتهت‭. ‬نعود‭ ‬إليها‭ ‬في‭ ‬رؤوسنا،‭ ‬نعيد‭ ‬الحوار‭ ‬نفسه،‭ ‬ونقترح‭ ‬إجابات‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نقولها،‭ ‬ونفتّش‭ ‬عن‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬نتصرّف‭ ‬بطريقة‭ ‬أخرى‭. ‬نعيش‭ ‬الحادثة‭ ‬مرّةً،‭ ‬ثمّ‭ ‬نعيشها‭ ‬مرّات‭ ‬كثيرة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الذاكرة‭. ‬وكأنّ‭ ‬القلب‭ ‬يعتقد‭ ‬أنّ‭ ‬إعادة‭ ‬التفكير‭ ‬فيها‭ ‬قد‭ ‬تمنحه‭ ‬فرصةً‭ ‬لتغييرها‭.‬

لكن‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬أخذ‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬وأصبح‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬الطريق‭ ‬الذي‭ ‬عبرناه،‭ ‬شئنا‭ ‬هذا‭ ‬أم‭ ‬لم‭ ‬نشأ‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬أكثر‭ ‬ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬تجاه‭ ‬بعض‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬أن‭ ‬نكفَّ‭ ‬عن‭ ‬محاكمته‭ ‬كلّ‭ ‬صباح‭. ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬لأنفسنا‭ ‬بهدوء‭ ‬يشبه‭ ‬المصالحة‭: ‬حدث‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬وأنا‭ ‬الآن‭ ‬هنا‭.‬

هذه‭ ‬الجملة‭ ‬الصغيرة‭ ‬تحمل‭ ‬شيئاً‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭ ‬التي‭ ‬نتعلّمها‭ ‬متأخّرين‭. ‬فقبول‭ ‬الواقع‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬الاستسلام‭ ‬له،‭ ‬ولا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نحبّ‭ ‬ما‭ ‬آلمنا،‭ ‬أو‭ ‬نعتبر‭ ‬الخسارة‭ ‬مكسباً،‭ ‬أو‭ ‬نمنح‭ ‬الخطأ‭ ‬معنى‭ ‬أجملَ‭ ‬ممّا‭ ‬يحتمل‭. ‬القبول‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬نكفَّ‭ ‬عن‭ ‬تبديد‭ ‬قوّتنا‭ ‬في‭ ‬معركة‭ ‬انتهت،‭ ‬وأن‭ ‬نستخدم‭ ‬ما‭ ‬بقي‭ ‬لدينا‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬القوّة‭ ‬في‭ ‬الحياة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مفتوحةً‭ ‬أمامنا‭.‬

وأظنّ‭ ‬أنّ‭ ‬الفجر‭ ‬يعلّمنا‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬بطريقة‭ ‬يومية‭ ‬شديدة‭ ‬البساطة‭. ‬كلّ‭ ‬ليلة،‭ ‬حين‭ ‬يبدو‭ ‬الظلام‭ ‬وكأنّه‭ ‬سيبقى،‭ ‬يحدث‭ ‬شيء‭ ‬لا‭ ‬نراه‭. ‬الأرض‭ ‬تدور،‭ ‬والوقت‭ ‬يمضي،‭ ‬والضوء‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يستأذن‭ ‬خوفنا‭. ‬ثمّ‭ ‬يظهر‭ ‬الصباح‭. ‬لا‭ ‬يحتاج‭ ‬الفجر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يقنع‭ ‬الليل‭ ‬بأنّه‭ ‬انتهى،‭ ‬ولا‭ ‬يقف‭ ‬طويلاً‭ ‬أمامه‭ ‬ليجادله‭. ‬يأتي‭ ‬في‭ ‬موعده،‭ ‬ويبدأ‭ ‬العالم‭ ‬معه‭ ‬صفحةً‭ ‬أخرى‭.‬

ولعلّ‭ ‬أجمل‭ ‬ما‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الصورة‭ ‬أنّها‭ ‬تشبه‭ ‬حياتنا‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬نعتقد‭. ‬هناك‭ ‬أشياء‭ ‬نظنّ‭ ‬أنّنا‭ ‬لن‭ ‬نتجاوزها،‭ ‬ثمّ‭ ‬نكتشف‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬أنّنا‭ ‬عبرناها‭. ‬وهناك‭ ‬أبواب‭ ‬أُغلقت‭ ‬أمامنا‭ ‬فحسبنا‭ ‬أنّ‭ ‬الطريق‭ ‬انتهى،‭ ‬ثمّ‭ ‬ظهر‭ ‬طريق‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نلتفت‭ ‬إليها‭. ‬وهناك‭ ‬أمنيات‭ ‬تأخّرت‭ ‬حتّى‭ ‬ظننا‭ ‬أنّها‭ ‬لن‭ ‬تأتي،‭ ‬ثمّ‭ ‬جاءت‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬مختلف،‭ ‬وبصيغة‭ ‬لم‭ ‬نكن‭ ‬نتوقّعها‭.‬

الله‭ ‬سبحانه‭ ‬يدبّر‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يحدُث‭ ‬بعد‭. ‬وهذه‭ ‬وحدها‭ ‬فكرة‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تمنح‭ ‬القلب‭ ‬قدراً‭ ‬من‭ ‬السكينة‭ ‬حين‭ ‬تضيق‭ ‬به‭ ‬الاحتمالات‭. ‬نحن‭ ‬نرى‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬نقف‭ ‬فيها،‭ ‬ونحسب‭ ‬المستقبل‭ ‬وفق‭ ‬ما‭ ‬نعرفه‭ ‬الآن،‭ ‬بينما‭ ‬الغيب‭ ‬كلّه‭ ‬خارج‭ ‬قدرتنا‭ ‬على‭ ‬الحساب‭. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬نعرف‭ ‬لماذا‭ ‬تأخّر‭ ‬أمر‭ ‬نريده،‭ ‬أو‭ ‬لماذا‭ ‬انصرف‭ ‬عنا‭ ‬شيء‭ ‬تعلّقنا‭ ‬به،‭ ‬أو‭ ‬لماذا‭ ‬اضطررنا‭ ‬إلى‭ ‬طريق‭ ‬لم‭ ‬نختره،‭ ‬لكنّنا‭ ‬نعرف‭ ‬أنّ‭ ‬معرفتنا‭ ‬محدودة،‭ ‬وأنّ‭ ‬تدبير‭ ‬الله‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬نعيشها‭.‬

لهذا‭ ‬ربّما‭ ‬لا‭ ‬نحتاج‭ ‬كلّ‭ ‬صباح‭ ‬إلى‭ ‬خطّة‭ ‬جديدة‭ ‬لإنقاذ‭ ‬حياتنا‭. ‬ربّما‭ ‬نحتاج‭ ‬أحياناً‭ ‬إلى‭ ‬قلب‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬تجاهها‭. ‬أن‭ ‬نترك‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إجابات‭ ‬فورية،‭ ‬وأن‭ ‬نسمح‭ ‬للأيّام‭ ‬بأن‭ ‬تكشف‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬تستطيع‭ ‬أعيننا‭ ‬رؤيته‭ ‬الآن‭. ‬أن‭ ‬نخفّف‭ ‬قبضتنا‭ ‬على‭ ‬الأشياء،‭ ‬فبعض‭ ‬ما‭ ‬نصرّ‭ ‬عليه‭ ‬بشدّة‭ ‬يحتاج‭ ‬منّا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نتركه‭ ‬قليلاً‭ ‬حتّى‭ ‬نعرف‭ ‬قيمته‭ ‬الحقيقية‭.‬

وأعرف‭ ‬أنّ‭ ‬الكلام‭ ‬عن‭ ‬الرضا‭ ‬يبدو‭ ‬سهلاً‭ ‬حين‭ ‬يُقال‭ ‬من‭ ‬بعيد،‭ ‬بينما‭ ‬هناك‭ ‬أوجاع‭ ‬لا‭ ‬تستجيب‭ ‬لعبارة‭ ‬جميلة،‭ ‬وفقدان‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬وقت‭ ‬طويل‭ ‬حتّى‭ ‬يصبح‭ ‬قابلاً‭ ‬للكلام،‭ ‬لذلك‭ ‬لا‭ ‬أظنّ‭ ‬أنّ‭ ‬المطلوب‭ ‬من‭ ‬القلب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬قوياً‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬يستمرّ‭. ‬أن‭ ‬يستيقظ‭ ‬في‭ ‬اليوم‭ ‬التالي‭. ‬أن‭ ‬يفتح‭ ‬النافذة،‭ ‬ويشرب‭ ‬قهوته،‭ ‬ويذهب‭ ‬إلى‭ ‬عمله،‭ ‬ويتحدّث‭ ‬مع‭ ‬من‭ ‬يحبّ،‭ ‬ويمنح‭ ‬نفسه‭ ‬فرصةً‭ ‬أخرى‭. ‬هذه‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬قد‭ ‬تبدو‭ ‬عاديةً،‭ ‬لكنّها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأيّام‭ ‬شكل‭ ‬عميق‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬النجاة‭.‬

ولعلّنا‭ ‬نحتاج‭ ‬أيضاً‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬نكفّ‭ ‬عن‭ ‬استعجال‭ ‬الفجر‭ ‬في‭ ‬حياتنا‭. ‬بعض‭ ‬الصباحات‭ ‬تتأخّر‭ ‬في‭ ‬الداخل‭ ‬أكثر‭ ‬ممّا‭ ‬تتأخّر‭ ‬في‭ ‬السماء‭. ‬قد‭ ‬يستيقظ‭ ‬الجسد‭ ‬فيما‭ ‬تبقى‭ ‬الروح‭ ‬متعبةً‭ ‬من‭ ‬ليلة‭ ‬طويلة‭. ‬وقد‭ ‬يبدو‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬بينما‭ ‬يكون‭ ‬شيء‭ ‬خفي‭ ‬في‭ ‬أعماقنا‭ ‬قد‭ ‬بدأ‭ ‬يتغيّر‭. ‬فكرة‭ ‬واحدة،‭ ‬قبول‭ ‬صغير،‭ ‬دعاء‭ ‬صادق،‭ ‬أو‭ ‬لحظة‭ ‬سكون‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬بداية‭ ‬الطريق‭.‬

الفجر‭ ‬لا‭ ‬يمحو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬في‭ ‬الليل‭. ‬إنّه‭ ‬يضعه‭ ‬في‭ ‬مكانه‭. ‬وهذا‭ ‬فارق‭ ‬كبير‭. ‬فالحياة‭ ‬لا‭ ‬تمنحنا‭ ‬دائماً‭ ‬فرصةً‭ ‬لمحو‭ ‬الماضي،‭ ‬لكنّها‭ ‬تمنحنا‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نحمله‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭. ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬النضج‭ ‬كلّه‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المسافة‭ ‬بين‭ ‬الحدث‭ ‬وطريقة‭ ‬نظرنا‭ ‬إليه‭.‬

لذلك‭ ‬حين‭ ‬نستيقظ‭ ‬على‭ ‬يوم‭ ‬جديد،‭ ‬ربّما‭ ‬يكفينا‭ ‬أن‭ ‬نتذكّر‭ ‬أنّ‭ ‬ما‭ ‬نراه‭ ‬الآن‭ ‬ليس‭ ‬كلّ‭ ‬الحكاية‭. ‬هناك‭ ‬أشياء‭ ‬تتحرّك‭ ‬في‭ ‬الغيب‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬علمنا،‭ ‬وأبواب‭ ‬لم‭ ‬نصل‭ ‬إليها‭ ‬بعد،‭ ‬وأقدار‭ ‬لم‭ ‬تُكتب‭ ‬تفاصيلها‭ ‬أمام‭ ‬أعيننا‭. ‬وما‭ ‬علينا‭ ‬سوى‭ ‬أن‭ ‬نعيش‭ ‬يومنا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬نستطيع،‭ ‬وأن‭ ‬نترك‭ ‬لله‭ ‬ما‭ ‬يعجز‭ ‬عنه‭ ‬قلبنا‭.‬

يعلّمنا‭ ‬الفجر‭ ‬كلّ‭ ‬يوم‭ ‬أنّ‭ ‬الليل،‭ ‬مهما‭ ‬طال،‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الكلمة‭ ‬الأخيرة‭. ‬وربّما‭ ‬كانت‭ ‬مهمّتنا‭ ‬الصغيرة‭ ‬أن‭ ‬نصدّق‭ ‬ذلك،‭ ‬وأن‭ ‬نواصل‭ ‬السير،‭ ‬حتّى‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬نرى‭ ‬الطريق‭ ‬كاملاً‭. ‬فالذي‭ ‬دبّر‭ ‬لنا‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هذا‭ ‬الصباح،‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يدبّر‭ ‬لنا‭ ‬ما‭ ‬بعده‭.‬

 

{ كاتبة‭ ‬وشاعرة‭ ‬كويتية

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا