العدد : ١٧٦٨٣ - السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٣ - السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

إلى أين تتجه المواجهة مع إيران؟

بقلم: د. نبيل العسومي

السبت ٢٢ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

إذا‭ ‬كنا‭ ‬قد‭ ‬تحدثنا‭ ‬في‭ ‬مقال‭ ‬سابق‭ ‬حول‭ ‬حدود‭ ‬تأثير‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬إيران‭ ‬وما‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬العقوبات‭ ‬وحدها‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬في‭ ‬القيادات‭ ‬الإيرانية‭ ‬المتطرفة‭ ‬والحد‭ ‬من‭ ‬عدوانيتها،‭ ‬فإنّ‭ ‬فهم‭ ‬القرار‭ ‬الأمريكي‭ ‬تجاه‭ ‬إيران‭ ‬يقتضي‭ ‬إضافة‭ ‬عامل‭ ‬ثانٍ‭ ‬وحاسم‭ ‬ومهم‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬من‭ ‬التنبه‭ ‬إليه‭ ‬لأنه‭ ‬متصاعد‭ ‬وهو‭ ‬التحالفات‭ ‬الإيرانية‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬مهمة‭ ‬مثل‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬وقد‭ ‬اتضح‭ ‬بشكل‭ ‬حاسم‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬مهم‭ ‬ومؤثر‭ ‬وإن‭ ‬كان‭ ‬لا‭ ‬يظهر‭ ‬جليا‭ ‬للعيان،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬هنالك‭ ‬حرب‭ ‬خفية‭ ‬هي‭ ‬حرب‭ ‬التحالفات‭ ‬والتسويات‭ ‬والشراكات‭. ‬فهذا‭ ‬المحور‭ ‬يعيد‭ ‬تشكيل‭ ‬حسابات‭ ‬واشنطن،‭ ‬وإن‭ ‬كانت‭ ‬له‭ ‬حدود‭ ‬كشفتها‭ ‬الحرب‭ ‬الأخيرة‭.‬

يرفع‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬لإيران‭ ‬مع‭ ‬بكين‭ ‬وموسكو‭ ‬كلفة‭ ‬الحسابات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬لكنّ‭ ‬حدوده‭ ‬ظهرت‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها‭. ‬فروسيا،‭ ‬رغم‭ ‬معاهدة‭ ‬الشراكة‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬الشاملة‭ ‬الموقّعة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2025،‭ ‬بين‭ ‬الطرفين‭ ‬والميثاق‭ ‬الثلاثي‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬2026،‭ ‬قد‭ ‬اختارت‭ ‬في‭ ‬حرب‭ ‬فبراير‭ ‬ضد‭ ‬إيران‭ ‬الحذر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬لا‭ ‬التدخّل‭ ‬المباشر‭ ‬واكتفت‭ ‬بدعم‭ ‬استخباراتي‭ ‬ولوجستي‭ ‬شمل،‭ ‬بحسب‭ ‬التقارير‭ ‬الأمريكية،‭ ‬معلومات،‭ ‬مع‭ ‬تجنّب‭ ‬الانخراط‭ ‬القتالي‭ ‬المباشر‭ ‬أو‭ ‬غير‭ ‬المباشر‭ ‬حفاظًا‭ ‬على‭ ‬مواردها‭ ‬المنشغلة‭ ‬بالحرب‭ ‬مع‭ ‬أوكرانيا‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬وعلى‭ ‬علاقتها‭ ‬المتنامية‭ ‬مع‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭.‬

‭ ‬ويمكن‭ ‬قول‭ ‬نفس‭ ‬الشيء‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬وإن‭ ‬بشكل‭ ‬مختلف‭ ‬لأنه‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والطاقة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يرتكز‭ ‬على‭ ‬التسلح‭. ‬أي‭ ‬أنّ‭ ‬التحالفات‭ ‬لم‭ ‬توفر‭ ‬لإيران‭ ‬مظلّةً‭ ‬ردعية‭ ‬منعت‭ ‬الضربات‭ ‬الأمريكية،‭ ‬ولا‭ ‬أنقذت‭ ‬رأس‭ ‬النظام‭. ‬ولذلك‭ ‬يمكن‭ ‬وصف‭ ‬هذه‭ ‬التحالفات‭ ‬بأنها‭ ‬شراكةٌ‭ ‬معقّدة‭ ‬أبعد‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬عن‭ ‬تحالفٍ‭ ‬كامل،‭ ‬تحكمها‭ ‬أجنداتٌ‭ ‬متباينة‭ ‬فموسكو‭ ‬تريدها‭ ‬ورقة‭ ‬ضغطٍ‭ ‬على‭ ‬الغرب‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تُستنزف،‭ ‬وطهران‭ ‬تريد‭ ‬غطاءً‭ ‬عسكريا‭ ‬وتقنيا‭ ‬واقتصاديا،‭ ‬وبكين‭ ‬تريد‭ ‬أمن‭ ‬الطاقة‭ ‬وأسواقها‭ ‬دون‭ ‬الانجرار‭ ‬إلى‭ ‬مواجهة‭. ‬وهذا‭ ‬التباين‭ ‬في‭ ‬الغايات‭ ‬يجعل‭ ‬المحور‭ ‬الشرقي‭ ‬أقوى‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الضغط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬منه‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭ ‬المباشرة‭.‬

ويعمل‭ ‬أثر‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬في‭ ‬القرار‭ ‬الأمريكي‭ ‬على‭ ‬مستويات‭ ‬متعدّدة‭: ‬فهو‭ ‬يرفع‭ ‬مخاطر‭ ‬التصعيد،‭ ‬ويمدّ‭ ‬إيران‭ ‬بدفاعات‭ ‬جوية‭ ‬وقدرات‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬الإلكترونية‭ ‬والاستطلاع‭ ‬خاصة‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الصين،‭ ‬ويوفّر‭ ‬لها‭ ‬غطاءً‭ ‬دبلوماسيا‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن‭ ‬بالتنسيق‭ ‬مع‭ ‬الصين‭ ‬وروسيا،‭ ‬ومنفذا‭ ‬اقتصاديا‭ ‬يخفّف‭ ‬أثر‭ ‬العقوبات‭ ‬عبر‭ ‬النفط‭ ‬والتجارة‭ ‬البديلة‭.‬

لكنّ‭ ‬المحصّلة‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬التحالف‭ ‬مع‭ ‬بكين‭ ‬وموسكو‭ ‬يجعل‭ ‬الحسم‭ ‬العسكري‭ ‬الكامل‭ ‬أكثر‭ ‬كلفةً‭ ‬وخطورة،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمنعه؛‭ ‬ولهذا‭ ‬مضت‭ ‬واشنطن‭ ‬في‭ ‬الضربة‭ ‬العسكرية‭ ‬ضد‭ ‬إيران،‭ ‬ثمّ‭ ‬لجأت‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬بالتوازي‭. ‬وبذلك‭ ‬يرجّح‭ ‬ذلك‭ ‬التحالفُ‭ ‬كفّة‭ ‬استراتيجية‭ ‬عقوبات‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬وضربات‭ ‬محدودة‭ ‬عند‭ ‬اللزوم‭ ‬على‭ ‬كفّة‭ ‬الحرب‭ ‬الشاملة‭.‬

‭ ‬غير‭ ‬أنّ‭ ‬استمرار‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬الاستنزاف‭ ‬قد‭ ‬يدفع‭ ‬واشنطن‭ ‬وحلفاءها‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة،‭ ‬إذا‭ ‬تبيّن‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الأسلوب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ينفع‭ ‬مع‭ ‬نظام‭ ‬متطرف‭ ‬وأنه‭ ‬يمنح‭ ‬طهران‭ ‬وقتًا‭ ‬لإعادة‭ ‬بناء‭ ‬قدراتها‭.‬

وفي‭ ‬الخلاصة‭ ‬فإن‭ ‬الصورة‭ ‬الراهنة‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬مسارات‭ ‬متفاوتة‭ ‬

الاحتمال‭ ‬الأول،‭ ‬وهو‭ ‬الأرجح‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬القريب،‭ ‬تسويةٌ‭ ‬محدودة‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬وقف‭ ‬النار‭ ‬وتُفرج‭ ‬عن‭ ‬أصول‭ ‬مجمّدة‭ ‬مقابل‭ ‬قيود‭ ‬نووية،‭ ‬دون‭ ‬حلٍّ‭ ‬نهائي‭ ‬للملفّات‭ ‬الكبرى‭ (‬مضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬الصواريخ،‭ ‬الوكلاء‭).‬

والثاني،‭ ‬انهيار‭ ‬التفاوض‭ ‬وتحوّل‭ ‬الوضع‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬الاستنزاف‭ ‬الحالية‭ ‬إلى‭ ‬مواجهةٍ‭ ‬أوسع‭ ‬إذا‭ ‬شهدت‭ ‬مذكّرة‭ ‬التفاهم‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬التعثر‭ ‬والتعنت‭ ‬الإيراني‭ ‬بعد‭ ‬انقضاء‭ ‬مهلتها‭.‬

والثالث،‭ ‬الأقلّ‭ ‬احتمالًا‭ ‬وهو‭ ‬تفكّكٌ‭ ‬داخلي‭ ‬إيراني‭ ‬تحت‭ ‬ضغوط‭ ‬الأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬وفراغ‭ ‬القمّة،‭ ‬بما‭ ‬يحمله‭ ‬من‭ ‬مخاطر‭ ‬الفوضى‭ ‬وغياب‭ ‬البديل‭ ‬المنظّم‭.‬

وأيًّا‭ ‬كان‭ ‬المسار،‭ ‬فإنّ‭ ‬العقوبات‭ ‬وحدها،‭ ‬أو‭ ‬الضربات‭ ‬وحدها،‭ ‬لن‭ ‬تشكل‭ ‬حلا‭ ‬حاسما‭ ‬وسريعا؛‭ ‬وأنّ‭ ‬مستقبل‭ ‬المواجهة‭ ‬سيتحدّد‭ ‬بتفاعل‭ ‬هذه‭ ‬العوامل‭ ‬مجتمعةً،‭ ‬مع‭ ‬عاملٍ‭ ‬داخليّ‭ ‬إيرانيّ‭ ‬محتمل‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬الخنق‭ ‬الاقتصادي‭. ‬

وتبقى‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬بوصفها‭ ‬الأكثر‭ ‬تعرّضًا‭ ‬لحرب‭ ‬الاستنزاف،‭ ‬معنيّة‭ ‬بضرورة‭ ‬تعزيز‭ ‬إمكانياتها‭ ‬للردع‭ ‬الجماعي،‭ ‬وحضور‭ ‬دبلوماسيّ‭ ‬فاعل،‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يتحوّل‭ ‬الصراع‭ ‬الحالي‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬تصفية‭ ‬حساباتٍ‭ ‬إقليمية‭ ‬ودولية‭. ‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا