إذا كنا قد تحدثنا في مقال سابق حول حدود تأثير العقوبات على إيران وما إذا كانت العقوبات وحدها قادرة على التأثير في القيادات الإيرانية المتطرفة والحد من عدوانيتها، فإنّ فهم القرار الأمريكي تجاه إيران يقتضي إضافة عامل ثانٍ وحاسم ومهم لا بد من التنبه إليه لأنه متصاعد وهو التحالفات الإيرانية مع دول مهمة مثل الصين وروسيا، وقد اتضح بشكل حاسم أن هذا التحالف مهم ومؤثر وإن كان لا يظهر جليا للعيان، إذ إن هنالك حرب خفية هي حرب التحالفات والتسويات والشراكات. فهذا المحور يعيد تشكيل حسابات واشنطن، وإن كانت له حدود كشفتها الحرب الأخيرة.
يرفع مثل هذا التحالف لإيران مع بكين وموسكو كلفة الحسابات الأمريكية، لكنّ حدوده ظهرت في الحرب نفسها. فروسيا، رغم معاهدة الشراكة الاستراتيجية الشاملة الموقّعة في عام 2025، بين الطرفين والميثاق الثلاثي مع الصين في مطلع 2026، قد اختارت في حرب فبراير ضد إيران الحذر الاستراتيجي لا التدخّل المباشر واكتفت بدعم استخباراتي ولوجستي شمل، بحسب التقارير الأمريكية، معلومات، مع تجنّب الانخراط القتالي المباشر أو غير المباشر حفاظًا على مواردها المنشغلة بالحرب مع أوكرانيا من ناحية وعلى علاقتها المتنامية مع الرئيس ترامب.
ويمكن قول نفس الشيء بالنسبة إلى التحالف مع الصين وإن بشكل مختلف لأنه يرتكز على الاقتصاد والطاقة أكثر مما يرتكز على التسلح. أي أنّ التحالفات لم توفر لإيران مظلّةً ردعية منعت الضربات الأمريكية، ولا أنقذت رأس النظام. ولذلك يمكن وصف هذه التحالفات بأنها شراكةٌ معقّدة أبعد ما تكون عن تحالفٍ كامل، تحكمها أجنداتٌ متباينة فموسكو تريدها ورقة ضغطٍ على الغرب دون أن تُستنزف، وطهران تريد غطاءً عسكريا وتقنيا واقتصاديا، وبكين تريد أمن الطاقة وأسواقها دون الانجرار إلى مواجهة. وهذا التباين في الغايات يجعل المحور الشرقي أقوى في زمن الضغط الاقتصادي منه في زمن الحرب المباشرة.
ويعمل أثر هذا التحالف في القرار الأمريكي على مستويات متعدّدة: فهو يرفع مخاطر التصعيد، ويمدّ إيران بدفاعات جوية وقدرات في الحرب الإلكترونية والاستطلاع خاصة من قبل الصين، ويوفّر لها غطاءً دبلوماسيا في مجلس الأمن بالتنسيق مع الصين وروسيا، ومنفذا اقتصاديا يخفّف أثر العقوبات عبر النفط والتجارة البديلة.
لكنّ المحصّلة أنّ هذا التحالف مع بكين وموسكو يجعل الحسم العسكري الكامل أكثر كلفةً وخطورة، دون أن يمنعه؛ ولهذا مضت واشنطن في الضربة العسكرية ضد إيران، ثمّ لجأت إلى التفاوض بالتوازي. وبذلك يرجّح ذلك التحالفُ كفّة استراتيجية عقوبات ودبلوماسية وضربات محدودة عند اللزوم على كفّة الحرب الشاملة.
غير أنّ استمرار إيران في سياسة الاستنزاف قد يدفع واشنطن وحلفاءها إلى مراجعة هذه المعادلة، إذا تبيّن أنّ هذا الأسلوب لم يعد ينفع مع نظام متطرف وأنه يمنح طهران وقتًا لإعادة بناء قدراتها.
وفي الخلاصة فإن الصورة الراهنة تقود إلى ثلاثة مسارات متفاوتة
الاحتمال الأول، وهو الأرجح على المدى القريب، تسويةٌ محدودة تحافظ على وقف النار وتُفرج عن أصول مجمّدة مقابل قيود نووية، دون حلٍّ نهائي للملفّات الكبرى (مضيق هرمز، الصواريخ، الوكلاء).
والثاني، انهيار التفاوض وتحوّل الوضع من حرب الاستنزاف الحالية إلى مواجهةٍ أوسع إذا شهدت مذكّرة التفاهم المزيد من التعثر والتعنت الإيراني بعد انقضاء مهلتها.
والثالث، الأقلّ احتمالًا وهو تفكّكٌ داخلي إيراني تحت ضغوط الأزمة الاقتصادية وفراغ القمّة، بما يحمله من مخاطر الفوضى وغياب البديل المنظّم.
وأيًّا كان المسار، فإنّ العقوبات وحدها، أو الضربات وحدها، لن تشكل حلا حاسما وسريعا؛ وأنّ مستقبل المواجهة سيتحدّد بتفاعل هذه العوامل مجتمعةً، مع عاملٍ داخليّ إيرانيّ محتمل إذا طال الخنق الاقتصادي.
وتبقى دول مجلس التعاون، بوصفها الأكثر تعرّضًا لحرب الاستنزاف، معنيّة بضرورة تعزيز إمكانياتها للردع الجماعي، وحضور دبلوماسيّ فاعل، حتى لا يتحوّل الصراع الحالي إلى ساحة تصفية حساباتٍ إقليمية ودولية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك