لم تكن علاقة إيران بدول الخليج العربي، طوال العقود الماضية، علاقة طبيعية بين دول متجاورة تجمعها الجغرافيا والمصالح المشتركة، فقد ظل هاجس التمدد أو التوسع الإيراني والتدخل في الشؤون الداخلية لدول المنطقة حاضرا في المشهد السياسي والأمني، وتحول في السنوات الأخيرة إلى تهديد مباشر للأمن والاستقرار والملاحة وإمدادات الطاقة، ولقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن الخطاب الإيراني عن حسن الجوار واحترام سيادة الدول لا يصمد دائما أمام الممارسة الفعلية على الأرض، فحين تتعرض المصالح الإيرانية للضغط، تتحول دول الخليج وممراتها البحرية ومنشآتها الاقتصادية إلى أوراق تستخدمها إيران في صراعها مع القوى الدولية.
فمنذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979، اتخذت العلاقة مع الأنظمة الخليجية مسارا شديد الحساسية، وارتبطت المرحلة الأولى من الثورة الإيرانية بخطاب يدعو إلى تصدير الثورة، الأمر الذي أثار مخاوف دول الخليج ودفعها إلى تعزيز تعاونها الأمني والسياسي، ولم يتوقف الأمر عند الخطاب السياسي، فقد شهدت التاريخ الحديث بالفعل استخدام الألغام والهجمات على ناقلات النفط خلال ما عرف بـ(حرب الناقلات) في الثمانينيات.
وعندما تعرضت الملاحة في الخليج العربي لهجمات من أطراف النزاع الإيراني العراقي، ومؤخراً التوترات المرتبطة بالتدخلات الإيرانية ودعم جماعات مسلحة ومليشيات حليفة لطهران، إلى جانب تهديدات متكررة للملاحة في الخليج ومضيق هرمز، وفي ضوء ذلك وجدت دول الخليج نفسها تدفع ثمن صراعات لا تريدها، فعندما تتصاعد المواجهة بين إيران والولايات المتحدة أو إسرائيل، تصبح المنشآت المدنية أو الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية الموجودة في دول الخليج أهدافا محتملة للرد الإيراني.
وقد كشفت تطورات عام 2026 حجم هذا الخطر، إذ أشار تقرير صادر عن خدمة أبحاث الكونجرس الأمريكي إلى أن إيران شنت، منذ فبراير 2026، آلاف الهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ على دول مجلس التعاون، وأثرت الهجمات على البنية التحتية والطيران والنشاط الاقتصادي وقطاعي النفط والغاز، وهنا يبرز السؤال الأخلاقي والسياسي، ما ذنب دولة خليجية مستقلة إذا اختارت علاقات دفاعية مع دولة أخرى؟ وهل يصبح وجود قاعدة عسكرية دفاعية على أراضيها مبررا لاستهداف مدنها ومنشآتها الاقتصادية؟
إن منطق تحميل دول الخليج مسؤولية سياسات أي دولة في حالة حرب أو صراع مع إيران لا يمكن أن يكون مبررًا قانونيًا للعدوان الإيراني على الدول الخليجية.
فدول مجلس التعاون الخليجي العربي ليست دولاً هامشية في النظام الدولي، بل أصبحت مراكز اقتصادية ومالية وطاقة واستثمار وتكنولوجيا، وتمتلك قدرات دفاعية متقدمة وشبكة واسعة من العلاقات الدولية، وإذا أرادت إيران فتح صفحة جديدة مع دول الخليج فإن الطريق واضح من خلال احترام سيادة الدول، ووقف التدخلات العدوانية، وإنهاء سياسة دعم الوكلاء في البلدان العربية، واحترام حرية الملاحة في الخليج، والانتقال من منطق الهيمنة والمواجهة إلى منطق الحوار وحسن الجوار الحقيقي.
ولكن ما نشهده هو استمرار سياسة الغدر في طهران القائمة على تناقض التصريحات مع الأفعال، فكل ما تفعله السلطات الإيرانية هو أن تمد يد المصافحة بيد، وتستخدم الصواريخ والطائرات المسيرة والتهديد بإغلاق المضائق باليد الأخرى.
إن ذلك ليس حسن جوار، بل سياسة عدائية تؤسس لعدم الثقة وتعمق القطيعة بين شعوب المنطقة، وأخيراً فالخليج العربي، الذي عانى طويلًا من أزمات المنطقة، يستحق أن يعيش في أمن وسلام، بعيدًا عن الحسابات التوسعية وصراعات القوى الإقليمية والدولية.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك