العدد : ١٧٦٨٠ - الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٨٠ - الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٦ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الغدر الإيراني.. تاريخ ممتد في تهديد أمن الخليج

بقلم: د. بدر محمد عادل

الأربعاء ١٩ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

لم‭ ‬تكن‭ ‬علاقة‭ ‬إيران‭ ‬بدول‭ ‬الخليج‭ ‬العربي،‭ ‬طوال‭ ‬العقود‭ ‬الماضية،‭ ‬علاقة‭ ‬طبيعية‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬متجاورة‭ ‬تجمعها‭ ‬الجغرافيا‭ ‬والمصالح‭ ‬المشتركة،‭ ‬فقد‭ ‬ظل‭ ‬هاجس‭ ‬التمدد‭ ‬أو‭ ‬التوسع‭ ‬الإيراني‭ ‬والتدخل‭ ‬في‭ ‬الشؤون‭ ‬الداخلية‭ ‬لدول‭ ‬المنطقة‭ ‬حاضرا‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬والأمني،‭ ‬وتحول‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬تهديد‭ ‬مباشر‭ ‬للأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬والملاحة‭ ‬وإمدادات‭ ‬الطاقة،‭ ‬ولقد‭ ‬أثبتت‭ ‬الأحداث‭ ‬الأخيرة‭ ‬أن‭ ‬الخطاب‭ ‬الإيراني‭ ‬عن‭ ‬حسن‭ ‬الجوار‭ ‬واحترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول‭ ‬لا‭ ‬يصمد‭ ‬دائما‭ ‬أمام‭ ‬الممارسة‭ ‬الفعلية‭ ‬على‭ ‬الأرض،‭ ‬فحين‭ ‬تتعرض‭ ‬المصالح‭ ‬الإيرانية‭ ‬للضغط،‭ ‬تتحول‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬وممراتها‭ ‬البحرية‭ ‬ومنشآتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬أوراق‭ ‬تستخدمها‭ ‬إيران‭ ‬في‭ ‬صراعها‭ ‬مع‭ ‬القوى‭ ‬الدولية‭.‬

فمنذ‭ ‬قيام‭ ‬الجمهورية‭ ‬الإسلامية‭ ‬الإيرانية‭ ‬عام‭ ‬1979،‭ ‬اتخذت‭ ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬الأنظمة‭ ‬الخليجية‭ ‬مسارا‭ ‬شديد‭ ‬الحساسية،‭ ‬وارتبطت‭ ‬المرحلة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬الثورة‭ ‬الإيرانية‭ ‬بخطاب‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬تصدير‭ ‬الثورة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أثار‭ ‬مخاوف‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬ودفعها‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬تعاونها‭ ‬الأمني‭ ‬والسياسي،‭ ‬ولم‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمر‭ ‬عند‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي،‭ ‬فقد‭ ‬شهدت‭ ‬التاريخ‭ ‬الحديث‭ ‬بالفعل‭ ‬استخدام‭ ‬الألغام‭ ‬والهجمات‭ ‬على‭ ‬ناقلات‭ ‬النفط‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬عرف‭ ‬بـ‭(‬حرب‭ ‬الناقلات‭) ‬في‭ ‬الثمانينيات‭.‬

‭ ‬وعندما‭ ‬تعرضت‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬العربي‭ ‬لهجمات‭ ‬من‭ ‬أطراف‭ ‬النزاع‭ ‬الإيراني‭ ‬العراقي،‭ ‬ومؤخراً‭ ‬التوترات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتدخلات‭ ‬الإيرانية‭ ‬ودعم‭ ‬جماعات‭ ‬مسلحة‭ ‬ومليشيات‭ ‬حليفة‭ ‬لطهران،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تهديدات‭ ‬متكررة‭ ‬للملاحة‭ ‬في‭ ‬الخليج‭ ‬ومضيق‭ ‬هرمز،‭ ‬وفي‭ ‬ضوء‭ ‬ذلك‭ ‬وجدت‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬نفسها‭ ‬تدفع‭ ‬ثمن‭ ‬صراعات‭ ‬لا‭ ‬تريدها،‭ ‬فعندما‭ ‬تتصاعد‭ ‬المواجهة‭ ‬بين‭ ‬إيران‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬أو‭ ‬إسرائيل،‭ ‬تصبح‭ ‬المنشآت‭ ‬المدنية‭ ‬أو‭ ‬الموانئ‭ ‬والمطارات‭ ‬والمنشآت‭ ‬النفطية‭ ‬الموجودة‭ ‬في‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬أهدافا‭ ‬محتملة‭ ‬للرد‭ ‬الإيراني‭.‬

وقد‭ ‬كشفت‭ ‬تطورات‭ ‬عام‭ ‬2026‭ ‬حجم‭ ‬هذا‭ ‬الخطر،‭ ‬إذ‭ ‬أشار‭ ‬تقرير‭ ‬صادر‭ ‬عن‭ ‬خدمة‭ ‬أبحاث‭ ‬الكونجرس‭ ‬الأمريكي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬إيران‭ ‬شنت،‭ ‬منذ‭ ‬فبراير‭ ‬2026،‭ ‬آلاف‭ ‬الهجمات‭ ‬بالطائرات‭ ‬المسيّرة‭ ‬والصواريخ‭ ‬على‭ ‬دول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون،‭ ‬وأثرت‭ ‬الهجمات‭ ‬على‭ ‬البنية‭ ‬التحتية‭ ‬والطيران‭ ‬والنشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وقطاعي‭ ‬النفط‭ ‬والغاز،‭ ‬وهنا‭ ‬يبرز‭ ‬السؤال‭ ‬الأخلاقي‭ ‬والسياسي،‭ ‬ما‭ ‬ذنب‭ ‬دولة‭ ‬خليجية‭ ‬مستقلة‭ ‬إذا‭ ‬اختارت‭ ‬علاقات‭ ‬دفاعية‭ ‬مع‭ ‬دولة‭ ‬أخرى؟‭ ‬وهل‭ ‬يصبح‭ ‬وجود‭ ‬قاعدة‭ ‬عسكرية‭ ‬دفاعية‭ ‬على‭ ‬أراضيها‭ ‬مبررا‭ ‬لاستهداف‭ ‬مدنها‭ ‬ومنشآتها‭ ‬الاقتصادية؟

إن‭ ‬منطق‭ ‬تحميل‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬مسؤولية‭ ‬سياسات‭ ‬أي‭ ‬دولة‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬حرب‭ ‬أو‭ ‬صراع‭ ‬مع‭ ‬إيران‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬مبررًا‭ ‬قانونيًا‭ ‬للعدوان‭ ‬الإيراني‭ ‬على‭ ‬الدول‭ ‬الخليجية‭.‬

فدول‭ ‬مجلس‭ ‬التعاون‭ ‬الخليجي‭ ‬العربي‭ ‬ليست‭ ‬دولاً‭ ‬هامشية‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬الدولي،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬مراكز‭ ‬اقتصادية‭ ‬ومالية‭ ‬وطاقة‭ ‬واستثمار‭ ‬وتكنولوجيا،‭ ‬وتمتلك‭ ‬قدرات‭ ‬دفاعية‭ ‬متقدمة‭ ‬وشبكة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬العلاقات‭ ‬الدولية،‭ ‬وإذا‭ ‬أرادت‭ ‬إيران‭ ‬فتح‭ ‬صفحة‭ ‬جديدة‭ ‬مع‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭ ‬فإن‭ ‬الطريق‭ ‬واضح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬احترام‭ ‬سيادة‭ ‬الدول،‭ ‬ووقف‭ ‬التدخلات‭ ‬العدوانية،‭ ‬وإنهاء‭ ‬سياسة‭ ‬دعم‭ ‬الوكلاء‭ ‬في‭ ‬البلدان‭ ‬العربية،‭ ‬واحترام‭ ‬حرية‭ ‬الملاحة‭ ‬في‭ ‬الخليج،‭ ‬والانتقال‭ ‬من‭ ‬منطق‭ ‬الهيمنة‭ ‬والمواجهة‭ ‬إلى‭ ‬منطق‭ ‬الحوار‭ ‬وحسن‭ ‬الجوار‭ ‬الحقيقي‭. ‬

ولكن‭ ‬ما‭ ‬نشهده‭ ‬هو‭ ‬استمرار‭ ‬سياسة‭ ‬الغدر‭ ‬في‭ ‬طهران‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬تناقض‭ ‬التصريحات‭ ‬مع‭ ‬الأفعال،‭ ‬فكل‭ ‬ما‭ ‬تفعله‭ ‬السلطات‭ ‬الإيرانية‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬تمد‭ ‬يد‭ ‬المصافحة‭ ‬بيد،‭ ‬وتستخدم‭ ‬الصواريخ‭ ‬والطائرات‭ ‬المسيرة‭ ‬والتهديد‭ ‬بإغلاق‭ ‬المضائق‭ ‬باليد‭ ‬الأخرى‭.‬

‭ ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬ليس‭ ‬حسن‭ ‬جوار،‭ ‬بل‭ ‬سياسة‭ ‬عدائية‭ ‬تؤسس‭ ‬لعدم‭ ‬الثقة‭ ‬وتعمق‭ ‬القطيعة‭ ‬بين‭ ‬شعوب‭ ‬المنطقة،‭ ‬وأخيراً‭ ‬فالخليج‭ ‬العربي،‭ ‬الذي‭ ‬عانى‭ ‬طويلًا‭ ‬من‭ ‬أزمات‭ ‬المنطقة،‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬في‭ ‬أمن‭ ‬وسلام،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬الحسابات‭ ‬التوسعية‭ ‬وصراعات‭ ‬القوى‭ ‬الإقليمية‭ ‬والدولية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا