العدد : ١٧٦٧٩ - الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٩ - الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

الأوهام الصهيونية بتحقيق الأمن عبر «المناطق العازلة»

بقلم: د. أحمد رفيق عوض {

الثلاثاء ١٨ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

ما‭ ‬تطلق‭ ‬عليه‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬المناطق‭ ‬العازلة‮»‬‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬غزة‭ ‬والضفة‭ ‬الغربية‭ ‬وجنوب‭ ‬سوريا‭ ‬وجنوب‭ ‬لبنان‭ ‬ليس‭ ‬حلاً‭ ‬أمنياً،‭ ‬وإنما‭ ‬احتلالا‭ ‬جديدا‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬يجر‭ ‬إليه‭ ‬الاحتلال‭ ‬ويقود‭ ‬إليه‭. ‬فالمشكلة‭ ‬أن‭ ‬إسرائيل،‭ ‬المهجوسة‭ ‬بالأمن،‭ ‬تبدو‭ ‬وكأنها‭ ‬انتقلت‭ ‬بعد‭ ‬السابع‭ ‬من‭ ‬أكتوبر‭ ‬2023‭ ‬من‭ ‬عقيدة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬الردع‭ ‬والانتظار‭ ‬والمقايضة‭ ‬إلى‭ ‬عقيدة‭ ‬أكثر‭ ‬هجومية‭ ‬وتوسعاً،‭ ‬لا‭ ‬مكان‭ ‬فيها‭ ‬للتروي‭ ‬أو‭ ‬الاسترضاء‭ ‬أو‭ ‬التسويات‭ ‬السياسية‭.‬

العقيدة‭ ‬الجديدة‭ ‬تقوم،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬على‭ ‬الضربة‭ ‬الاستباقية،‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاق‭ ‬السيطرة،‭ ‬وإقامة‭ ‬المناطق‭ ‬العازلة،‭ ‬ونقل‭ ‬الخطر‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬الحدود‭ ‬الإسرائيلية،‭ ‬ولو‭ ‬أدى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬نقل‭ ‬الصراع‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬مناطق‭ ‬جديدة‭. ‬وهي‭ ‬سياسة‭ ‬لا‭ ‬تبدو‭ ‬معنية‭ ‬كثيراً‭ ‬بإطفاء‭ ‬الصراع‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تبدو‭ ‬معنية‭ ‬بإدارته‭ ‬بالقوة،‭ ‬ودفع‭ ‬المنطقة‭ ‬إلى‭ ‬معادلات‭ ‬جديدة‭ ‬عنوانها‭ ‬أن‭ ‬التفوق‭ ‬العسكري‭ ‬والاحتلال‭ ‬الدائم‭ ‬هما‭ ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الأمن‭.‬

لكن‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬تحمل‭ ‬تناقضها‭ ‬في‭ ‬داخلها‭. ‬فاحتفاظ‭ ‬إسرائيل‭ ‬بالمناطق‭ ‬التي‭ ‬تحتلها‭ ‬وتسميها‭ ‬‮«‬مناطق‭ ‬عازلة‮»‬‭ ‬يعني،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬أنها‭ ‬غير‭ ‬معنية‭ ‬بالتسوية‭ ‬السياسية،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬تظاهرت‭ ‬بغير‭ ‬ذلك‭. ‬ويمكن‭ ‬رؤية‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬المحادثات‭ ‬اللبنانية‭ ‬الإسرائيلية‭ ‬الصعبة‭ ‬والمريرة،‭ ‬وفي‭ ‬النتائج‭ ‬البطيئة‭ ‬والقليلة‭ ‬التي‭ ‬تخرج‭ ‬منها،‭ ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬رؤيته‭ ‬في‭ ‬التلكؤ‭ ‬والمماطلة‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬التفاهمات‭ ‬والخرائط‭ ‬السياسية‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تقود‭ ‬إلى‭ ‬خفض‭ ‬التصعيد‭.‬

وينطبق‭ ‬الأمر‭ ‬نفسه‭ ‬على‭ ‬جنوب‭ ‬سوريا،‭ ‬حيث‭ ‬تنظر‭ ‬إسرائيل‭ ‬إلى‭ ‬المنطقة‭ ‬باعتبارها‭ ‬ذخراً‭ ‬استراتيجياً،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬إجراء‭ ‬أمني‭ ‬مؤقت‭. ‬ومن‭ ‬الصعب،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الرؤية،‭ ‬توقع‭ ‬انسحاب‭ ‬إسرائيلي‭ ‬قريب،‭ ‬لأن‭ ‬‮«‬المؤقت‮»‬‭ ‬في‭ ‬قاموس‭ ‬الاحتلال‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬دائم‭ ‬تحت‭ ‬ألف‭ ‬ذريعة‭ ‬وذريعة،‭ ‬وكل‭ ‬ذريعة‭ ‬تبدأ‭ ‬بالأمن‭ ‬وتنتهي‭ ‬بالمزيد‭ ‬من‭ ‬السيطرة‭.‬

وهنا‭ ‬نصل‭ ‬إلى‭ ‬التحول‭ ‬الأهم‭. ‬إسرائيل‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تبدو‭ ‬بوارد‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬التطبيع‭ ‬بالمفهوم‭ ‬القديم‭ ‬للكلمة،‭ ‬أي‭ ‬الاندماج‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬نسج‭ ‬علاقات‭ ‬اقتصادية‭ ‬وثقافية‭ ‬وسياسية،‭ ‬بل‭ ‬تريد‭ ‬أن‭ ‬تفرض‭ ‬وجودها‭ ‬وترتيباتها‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بالقوة‭. ‬والمناطق‭ ‬المحتلة‭ ‬الجديدة،‭ ‬التي‭ ‬تفضل‭ ‬تسميتها‭ ‬بالمناطق‭ ‬العازلة‭ ‬أو‭ ‬الآمنة،‭ ‬تتحول‭ ‬تدريجياً‭ ‬إلى‭ ‬بؤر‭ ‬صراع‭ ‬جديدة،‭ ‬وإلى‭ ‬كلفة‭ ‬عسكرية‭ ‬وسياسية‭ ‬وأمنية‭ ‬ثقيلة‭.‬

وقد‭ ‬يكون‭ ‬التراجع‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬المناطق‭ ‬أصعب‭ ‬مما‭ ‬يبدو،‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬جزءاً‭ ‬من‭ ‬تصور‭ ‬أوسع‭ ‬لإسرائيل‭ ‬الكبرى‭ ‬أو‭ ‬إسرائيل‭ ‬الموسعة،‭ ‬ومن‭ ‬المشروع‭ ‬الإسرائيلي‭ ‬لما‭ ‬يسمى‭ ‬‮«‬شرق‭ ‬أوسط‭ ‬جديد‮»‬‭. ‬فكل‭ ‬منطقة‭ ‬جديدة‭ ‬تحتلها‭ ‬إسرائيل‭ ‬لا‭ ‬تغيّر‭ ‬مساحة‭ ‬إسرائيل‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬تغيّر‭ ‬حدود‭ ‬المنطقة‭ ‬كلها‭. ‬وليس‭ ‬بالدبابة‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭ ‬فقط،‭ ‬وإنما‭ ‬بعدد‭ ‬القوات‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬على‭ ‬المكان‭. ‬وهي‭ ‬مفارقة‭ ‬تختصر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬العبث‭ ‬الذي‭ ‬يرافق‭ ‬هذا‭ ‬التوسع‭: ‬احتلال‭ ‬الأرض‭ ‬يبدأ‭ ‬أحياناً‭ ‬بخط‭ ‬أمني،‭ ‬ثم‭ ‬يتحول‭ ‬الخط‭ ‬إلى‭ ‬واقع،‭ ‬والواقع‭ ‬إلى‭ ‬حق‭ ‬مكتسب،‭ ‬ثم‭ ‬يصبح‭ ‬التخلي‭ ‬عنه‭ ‬مستحيلاً‭.‬

أما‭ ‬قطاع‭ ‬غزة،‭ ‬حيث‭ ‬توسعت‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬تسيطر‭ ‬عليها‭ ‬إسرائيل‭ ‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬الحرب،‭ ‬فإن‭ ‬فكرة‭ ‬الانسحاب‭ ‬منها‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭ ‬مع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭. ‬فكلما‭ ‬طال‭ ‬الاحتلال‭ ‬أصبح‭ ‬له‭ ‬أنصار‭ ‬ومبررات‭ ‬وترتيبات‭ ‬ميدانية‭ ‬جديدة‭. ‬والمؤقت‭ ‬في‭ ‬قاموس‭ ‬إسرائيل‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬دائم‭ ‬تحت‭ ‬ألف‭ ‬ذريعة‭ ‬وذريعة‭.‬

ما‭ ‬أريد‭ ‬الوصول‭ ‬إليه‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تسميه‭ ‬إسرائيل‭ ‬‮«‬مناطق‭ ‬عازلة‮»‬‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬العكس‭ ‬تماماً‭. ‬إنها‭ ‬أوضاع‭ ‬جديدة‭ ‬لتفجير‭ ‬صراعات‭ ‬جديدة‭ ‬وتعميق‭ ‬الصراعات‭ ‬القديمة،‭ ‬وابتعاد‭ ‬عن‭ ‬التسويات‭ ‬السياسية،‭ ‬واعتماد‭ ‬متزايد‭ ‬على‭ ‬القوة‭ ‬الفائقة‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المنطقة‭.‬

إنها‭ ‬مناطق‭ ‬عازلة‭ ‬تعزل‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬العالم‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تعزلها‭ ‬عن‭ ‬خصومها،‭ ‬ومناطق‭ ‬غير‭ ‬آمنة‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تنهي‭ ‬التهديد،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاجه‭ ‬في‭ ‬صورة‭ ‬أخرى‭. ‬فالأمن‭ ‬الذي‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬احتلال‭ ‬جديد‭ ‬كلما‭ ‬شعر‭ ‬بالخطر‭ ‬ليس‭ ‬أمناً،‭ ‬والمنطقة‭ ‬العازلة‭ ‬التي‭ ‬تخلق‭ ‬حدوداً‭ ‬جديدة‭ ‬للصراع‭ ‬لا‭ ‬تعزل‭ ‬إسرائيل‭ ‬عن‭ ‬الخطر،‭ ‬وإنما‭ ‬تجعل‭ ‬الخطر‭ ‬أقرب‭ ‬إليها‭ ‬وأكثر‭ ‬دواماً‭.‬

 

{ مدير‭ ‬مركز‭ ‬المتوسط‭ ‬للدراسات‭ ‬الإقليمية‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا