العدد : ١٧٦٧٨ - الاثنين ١٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٨ - الاثنين ١٧ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٤ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

القرآن الكريم.. بين الأصالة والمعاصرة!

بقلم: عبدالرحمن علي البنفلاح

الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

القرآن‭ ‬معجزة‭ ‬دالة‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬الرسول‭ ‬في‭ ‬بلاغه‭ ‬عن‭ ‬ربه‭ ‬سبحانه‭ ‬تعالى،‭ ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬منهاج‭ ‬تربية‭ ‬وتعليم‭ ‬يرسم‭ ‬معالم‭ ‬الطريق‭ ‬السوي‭ ‬للمؤمن،‭ ‬فإذا‭ ‬ما‭ ‬آمن‭ ‬به‭ ‬المؤمن‭ ‬وصدقه،‭ ‬والتزم‭ ‬بأوامره‭ ‬ونواهيه،‭ ‬صار‭ ‬منهاجًا‭ ‬لحياته،‭ ‬ونبراسًا‭ ‬يستضيء‭ ‬بنور‭ ‬هداياته‭.‬

وإذا‭ ‬أردنا‭ ‬أن‭ ‬نلم‭ ‬بشيء‭ ‬من‭ ‬التفصيل‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬الأصالة‭ ‬فسنجد‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬أقوال‭ ‬العلماء‭ ‬بأنها‭ ‬تعني‭: ‬‮«‬الثبات‭ ‬والعراقة‭ ‬والاتكاء‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬قوي،‭ ‬وتشمل‭ ‬ارتباط‭ ‬الإنسان‭ ‬بجذوره‭ ‬وصدقه‭ ‬في‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬ذاته‮»‬‭.‬

وحين‭ ‬نبحث‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المعنى‭ ‬الجامع‭ ‬المانع‭ ‬فسوف‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭: ‬‮«‬وإذ‭ ‬قال‭ ‬ربك‭ ‬للملائكة‭ ‬إني‭ ‬جاعل‭ ‬في‭ ‬الأرض‭ ‬خليفة‮»‬‭ ‬البقرة‭: ‬30‭ .‬

إذًا،‭ ‬فأصول‭ ‬البشرية‭ ‬قديمة‭ ‬غارقة‭ ‬في‭ ‬القدم‭ ‬مع‭ ‬خلق‭ ‬الإنسان‭ ‬الأول‭ ‬آدم‭ (‬عليه‭ ‬السلام‭)‬،‭ ‬وما‭ ‬صاحب‭ ‬ذلك‭ ‬من‭ ‬عوالم‭ ‬الوجود‭ ‬السابقة‭ ‬للمخلوقات‭ ‬من‭ ‬جماد‭ ‬ونبات‭ ‬وحيوان‭ .‬

إذًا،‭ ‬فأصل‭ ‬الوجود‭ ‬يبدأ‭ ‬بآدم،‭ ‬ثم‭ ‬يتأصل‭ ‬بما‭ ‬تعاقب‭ ‬عليه‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬والمعرفي‭ ‬الذي‭ ‬جاء‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬وعلم‭ ‬آدم‭ ‬الأسماء‭ ‬كلها‭ ‬ثم‭ ‬عرضهم‭ ‬على‭ ‬الملائكة‭ ‬فقال‭ ‬أنبئوني‭ ‬بأسماء‭ ‬هؤلاء‭ ‬إن‭ ‬كنتم‭ ‬صادقين‮»‬‭ ‬البقرة‭: ‬31‭ .‬

إذًا،‭ ‬فأصل‭ ‬الوجود‭ ‬الإنساني‭ ‬بدأ‭ ‬بآدم‭ (‬عليه‭ ‬السلام‭) ‬وتلك‭ ‬هي‭ ‬قمة‭ ‬الأصالة،‭ ‬وأما‭ ‬معنى‭ ‬المعاصرة‭ ‬فهي‭ ‬تعني‭: ‬‮«‬معايشة‭ ‬الحاضر‭ ‬بالفكر‭ ‬والسلوك‭ ‬والاهتمام‭ ‬بمتطلبات‭ ‬العصر‭ ‬الحالي‮»‬،‭ ‬وهذا‭ ‬نجده‭ ‬في‭ ‬قمته‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬الأفعال‭ ‬المتلازمة‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬أتى‭ ‬أمر‭ ‬الله‭ ‬فلا‭ ‬تستعجلوه‭ ‬سبحانه‭ ‬وتعالى‭ ‬عما‭ ‬يشركون‮»‬‭ ‬النحل‭: ‬1‭ .‬

و‭(‬أتى‭) ‬فعل‭ ‬ماض‭ ‬مبني‭ ‬للمجهول،‭ ‬فكيف‭ ‬يقول‭ ‬الحق‭ ‬سبحانه‭ (‬أتى‭) ‬وهذا‭ ‬يعني‭ ‬أن‭ ‬الفعل‭ ‬متحقق،‭ ‬ثم‭ ‬يقول‭: (‬فلا‭ ‬تستعجلوه‭) ‬ولا‭ ‬تجتمع‭ ‬الأفعال‭ ‬كلها‭: ‬الماضي،‭ ‬والحاضر،‭ ‬والمستقبل،‭ ‬لكن‭ ‬لأن‭ ‬الأفعال‭ ‬عند‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬ليست‭ ‬مقصورة‭ ‬على‭ ‬زمن‭ ‬بعينه،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬تنتظم‭ ‬الأزمنة‭ ‬كلها،‭ ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬عطاء‭ ‬غير‭ ‬مجذوذ‭ ‬ولا‭ ‬ممنوع،‭ ‬وكما‭ ‬أن‭ ‬المعاصرة‭ (‬لغة‭) ‬مأخوذة‭ ‬من‭ ‬كلمة‭ ‬‮«‬العصر‮»‬‭ ‬وهو‭ ‬الزمان‭ ‬أو‭ ‬الدهر،‭ ‬وهي‭ ‬تعني‭ (‬لغة‭) ‬اجتماع‭ ‬شيئين‭ ‬أو‭ ‬شخصين‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬واحد،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬متحقق‭ ‬بأوسع‭ ‬وأشمل‭ ‬المعاني؛‭ ‬لأنه‭ ‬كما‭ ‬قلنا‭ ‬وثبت‭ ‬بالأدلة‭ ‬القرآنية‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬الزمن‭ ‬عقبة‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬ذلك‭.‬

‭ ‬إذًا،‭ ‬فالقرآن‭ ‬العظيم‭ ‬متحقق‭ ‬في‭ ‬نصوصه‭ ‬المباركة‭ ‬معنى‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬في‭ ‬أشمل‭ ‬وأوسع‭ ‬معانيهما،‭ ‬ولا‭ ‬يقف‭ ‬الزمن‭ ‬والأحوال‭ ‬والأوقات‭ ‬مانعًا‭ ‬دون‭ ‬ذلك،‭ ‬وباتساع‭ ‬وشمول‭ ‬معنى‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬نستطيع‭ ‬أن‭ ‬نقول‭ ‬ونحن‭ ‬مطمئنين‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬القرآن‭ ‬العظيم‭ ‬جمع‭ ‬في‭ ‬إهابه‭ ‬عدة‭ ‬معان،‭ ‬فهو‭ ‬معجزة‭ ‬أثبتت‭ ‬وستثبت‭ ‬عجز‭ ‬العرب‭ ‬الذين‭ ‬نزل‭ ‬القرآن‭ ‬بلغتهم‭ ‬عن‭ ‬اللحاق‭ ‬به‭ ‬أو‭ ‬مجاراته‭ ‬في‭ ‬ذلك،‭ ‬وهو‭ ‬بهذا‭ ‬دليل‭ ‬وبرهان‭ ‬على‭ ‬صدق‭ ‬رسول‭ ‬الإسلام‭ ‬في‭ ‬بلاغه‭ ‬عن‭ ‬ربه‭ ‬سبحانه،‭ ‬وهو‭ ‬كذلك‭ ‬منهاج‭ ‬عمل‭ ‬وسلوك‭ ‬يهدي‭ ‬من‭ ‬آمن‭ ‬به‭ ‬إلى‭ ‬سبل‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬شأن‭ ‬من‭ ‬شؤون‭ ‬الحياة‭. ‬

إذًا،‭ ‬فالقرآن‭ ‬نص‭ ‬مقدس‭ ‬يستوعب‭ ‬جميع‭ ‬أقضية‭ ‬الحياة،‭ ‬وأن‭ ‬الأفعال‭ ‬فيه‭ ‬إذا‭ ‬نسبت‭ ‬إلى‭ ‬الله‭ ‬تعالى‭ ‬خالق‭ ‬الزمان‭ ‬كله،‭ ‬وخالق‭ ‬المكان‭ ‬كله،‭ ‬بل‭ ‬وخالق‭ ‬جميع‭ ‬الأحوال‭ ‬في‭ ‬الماضي،‭ ‬والحاضر،‭ ‬والمستقبل،‭ ‬ومن‭ ‬أمثلة‭ ‬ذلك‭ ‬قوله‭ ‬تعالى‭: ‬‮«‬سيقول‭ ‬السفهاء‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬ما‭ ‬ولاهم‭ ‬عن‭ ‬قبلتهم‭ ‬التي‭ ‬كانوا‭ ‬عليها‭ ‬قل‭ ‬لله‭ ‬المشرق‭ ‬والمغرب‭ ‬يهدي‭ ‬من‭ ‬يشاء‭ ‬إلى‭ ‬صراط‭ ‬مستقيم‮»‬‭ ‬البقرة‭: ‬142‭.‬

إذًا،‭ ‬ففي‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬المعايشة‭ ‬بين‭ ‬الأصالة‭ ‬والمعاصرة‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬معانيها‭ ‬معايشة‭ ‬الواقع‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬يعيش‭ ‬الإنسان‭ ‬أفكار‭ ‬وقضايا‭ ‬زمانه‭ ‬وألا‭ ‬ينعزل‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬

ذلكم‭ ‬الإسلام‭ ‬العظيم‭ ‬الذي‭ ‬نعرفه،‭ ‬الذي‭ ‬أنشأ‭ ‬أمة،‭ ‬وصنع‭ ‬حضارة،‭ ‬وقدم‭ ‬أنموذجًا‭ ‬للبشرية‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬الصالح،‭ ‬ورحم‭ ‬الله‭ ‬أمير‭ ‬الشعراء‭ ‬أحمد‭ ‬شوقي،‭ ‬الذي‭ ‬تحدث‭ ‬عن‭ ‬أسس‭ ‬الدولة‭ ‬الإسلامية‭ ‬في‭ ‬بيت‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬شعره‭ ‬حين‭ ‬قال‭:‬

الدين‭ ‬يسر‭ ‬والخلافة‭ ‬بيعة

والأمر‭ ‬شورى‭ ‬والحقوق‭ ‬قضاء

ذلكم‭ ‬هو‭ ‬الإسلام‭.. ‬وذلكم‭ ‬هو‭ ‬عطاؤه‭.‬

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا