القرآن معجزة دالة على صدق الرسول في بلاغه عن ربه سبحانه تعالى، وهو كذلك منهاج تربية وتعليم يرسم معالم الطريق السوي للمؤمن، فإذا ما آمن به المؤمن وصدقه، والتزم بأوامره ونواهيه، صار منهاجًا لحياته، ونبراسًا يستضيء بنور هداياته.
وإذا أردنا أن نلم بشيء من التفصيل عن معنى الأصالة فسنجد ذلك في أقوال العلماء بأنها تعني: «الثبات والعراقة والاتكاء على أساس قوي، وتشمل ارتباط الإنسان بجذوره وصدقه في التعبير عن ذاته».
وحين نبحث عن هذا المعنى الجامع المانع فسوف نجده في قول الحق سبحانه وتعالى: «وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة» البقرة: 30 .
إذًا، فأصول البشرية قديمة غارقة في القدم مع خلق الإنسان الأول آدم (عليه السلام)، وما صاحب ذلك من عوالم الوجود السابقة للمخلوقات من جماد ونبات وحيوان .
إذًا، فأصل الوجود يبدأ بآدم، ثم يتأصل بما تعاقب عليه الوجود الإنساني والمعرفي الذي جاء ذلك في قوله تعالى: «وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين» البقرة: 31 .
إذًا، فأصل الوجود الإنساني بدأ بآدم (عليه السلام) وتلك هي قمة الأصالة، وأما معنى المعاصرة فهي تعني: «معايشة الحاضر بالفكر والسلوك والاهتمام بمتطلبات العصر الحالي»، وهذا نجده في قمته موجود في الأفعال المتلازمة في مثل قوله تعالى: «أتى أمر الله فلا تستعجلوه سبحانه وتعالى عما يشركون» النحل: 1 .
و(أتى) فعل ماض مبني للمجهول، فكيف يقول الحق سبحانه (أتى) وهذا يعني أن الفعل متحقق، ثم يقول: (فلا تستعجلوه) ولا تجتمع الأفعال كلها: الماضي، والحاضر، والمستقبل، لكن لأن الأفعال عند الله تعالى ليست مقصورة على زمن بعينه، بل هي تنتظم الأزمنة كلها، وفي هذا عطاء غير مجذوذ ولا ممنوع، وكما أن المعاصرة (لغة) مأخوذة من كلمة «العصر» وهو الزمان أو الدهر، وهي تعني (لغة) اجتماع شيئين أو شخصين في زمن واحد، وهذا أمر متحقق بأوسع وأشمل المعاني؛ لأنه كما قلنا وثبت بالأدلة القرآنية لا يقف الزمن عقبة في سبيل ذلك.
إذًا، فالقرآن العظيم متحقق في نصوصه المباركة معنى الأصالة والمعاصرة في أشمل وأوسع معانيهما، ولا يقف الزمن والأحوال والأوقات مانعًا دون ذلك، وباتساع وشمول معنى الأصالة والمعاصرة نستطيع أن نقول ونحن مطمئنين إلى أن القرآن العظيم جمع في إهابه عدة معان، فهو معجزة أثبتت وستثبت عجز العرب الذين نزل القرآن بلغتهم عن اللحاق به أو مجاراته في ذلك، وهو بهذا دليل وبرهان على صدق رسول الإسلام في بلاغه عن ربه سبحانه، وهو كذلك منهاج عمل وسلوك يهدي من آمن به إلى سبل السلام في كل شأن من شؤون الحياة.
إذًا، فالقرآن نص مقدس يستوعب جميع أقضية الحياة، وأن الأفعال فيه إذا نسبت إلى الله تعالى خالق الزمان كله، وخالق المكان كله، بل وخالق جميع الأحوال في الماضي، والحاضر، والمستقبل، ومن أمثلة ذلك قوله تعالى: «سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم» البقرة: 142.
إذًا، ففي ظل هذه المعايشة بين الأصالة والمعاصرة التي من معانيها معايشة الواقع هي أن يعيش الإنسان أفكار وقضايا زمانه وألا ينعزل في الماضي.
ذلكم الإسلام العظيم الذي نعرفه، الذي أنشأ أمة، وصنع حضارة، وقدم أنموذجًا للبشرية في الحكم الصالح، ورحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي تحدث عن أسس الدولة الإسلامية في بيت واحد من شعره حين قال:
الدين يسر والخلافة بيعة
والأمر شورى والحقوق قضاء
ذلكم هو الإسلام.. وذلكم هو عطاؤه.

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك