العدد : ١٧٦٧٧ - الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

العدد : ١٧٦٧٧ - الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ م، الموافق ٠٣ ربيع الأول ١٤٤٨هـ

قضايا و آراء

النزاعات العسكرية تسحق جودة الحياة

بقلم: د. زكريا الخنجي

الأحد ١٦ أغسطس ٢٠٢٦ - 02:00

يمثّل‭ ‬مفهوم‭ (‬جودة‭ ‬الحياة‭) ‬إطارًا‭ ‬تحليليًا‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬التقليدية‭ ‬كالدخل‭ ‬أو‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي،‭ ‬إذ‭ ‬يشمل‭ ‬أبعادًا‭ ‬متعددة؛‭ ‬مثل‭: ‬الصحة‭ ‬الجسدية‭ ‬والنفسية،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والأمن،‭ ‬والعلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والشعور‭ ‬بالمعنى‭ ‬والكرامة‭. ‬وتُعرّفه‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬بأنه‭ ‬إدراك‭ ‬الفرد‭ ‬لموقعه‭ ‬في‭ ‬الحياة،‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬الثقافة‭ ‬ونظام‭ ‬القيم‭ ‬اللذين‭ ‬يعيش‭ ‬فيهما،‭ ‬وبالنظر‭ ‬إلى‭ ‬أهدافه‭ ‬وتوقعاته‭ ‬ومعاييره‭ ‬واهتماماته‭.‬

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الحروب‭ ‬تُدرَك‭ ‬عادة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬حصيلتها‭ ‬المباشرة‭ ‬من‭ ‬القتلى‭ ‬والدمار‭ ‬المادي،‭ ‬فإن‭ ‬أثرها‭ ‬الأعمق‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬تدهور‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬عبر‭ ‬جميع‭ ‬أبعادها‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد؛‭ ‬فهي‭ ‬تهدم‭ ‬البيوت،‭ ‬وتُصيب‭ ‬النفوس،‭ ‬وتقطع‭ ‬التعليم،‭ ‬وتُفكك‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وتُبقي‭ ‬أثرها‭ ‬فاعلًا‭ ‬لأجيال‭ ‬بعد‭ ‬توقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭. ‬

وبعد‭ ‬أن‭ ‬تطرقنا‭ ‬في‭ ‬المقال‭ ‬السابق‭ ‬إلى‭ ‬علاقة‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬بالبيئة‭ ‬والتنمية‭ ‬المستدامة،‭ ‬فإننا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المقال‭ ‬سنركز‭ ‬على‭ ‬تحليل‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭ ‬المتعدد‭ ‬الأبعاد‭ ‬بمنهجية‭ ‬علمية،‭ ‬ثم‭ ‬الانتقال‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ ‬المكمّل‭ ‬والأكثر‭ ‬أهمية‭ ‬عمليًا‭: ‬كيف‭ ‬يمكن‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬تعيش‭ ‬النزاع‭ ‬أو‭ ‬خرجت‭ ‬منه‭ ‬لتوّها؟

 

أولاً‭: ‬آليات‭ ‬تدهور‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬بفعل‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة

1‭. ‬البُعد‭ ‬الصحي‭: ‬الجسدي‭ ‬والنفسي‭ ‬معًا

تتجاوز‭ ‬الأضرار‭ ‬الصحية‭ ‬للحروب‭ ‬الإصابات‭ ‬المباشرة‭ ‬الناجمة‭ ‬عن‭ ‬القتال،‭ ‬لتشمل‭ ‬انهيار‭ ‬المنظومة‭ ‬الصحية‭ ‬بأكملها‭. ‬ومن‭ ‬أخطر‭ ‬الأبعاد‭ ‬المُغفَلة‭ ‬نسبيًا‭ ‬الأثر‭ ‬النفسي؛‭ ‬إذ‭ ‬تشير‭ ‬منظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬خمسة‭ ‬أشخاص‭ (‬22%‭) ‬ممن‭ ‬عاشوا‭ ‬حربًا‭ ‬أو‭ ‬نزاعًا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬العشر‭ ‬الأخيرة‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬الاكتئاب‭ ‬أو‭ ‬القلق‭ ‬أو‭ ‬اضطراب‭ ‬الكرب‭ ‬التالي‭ ‬للرضح‭ ‬أو‭ ‬اضطراب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الصدمة‭ ‬أو‭ ‬اضطرابات‭ ‬نفسية‭ ‬أشد،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تتعطل‭ ‬خدمات‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬بشكل‭ ‬حاد‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب،‭ ‬ما‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬توافر‭ ‬الرعاية‭ ‬اللازمة‭ ‬في‭ ‬اللحظة‭ ‬التي‭ ‬تشتد‭ ‬فيها‭ ‬الحاجة‭ ‬إليها‭.‬

وتتجلى‭ ‬هذه‭ ‬الأزمة‭ ‬بوضوح‭ ‬في‭ ‬السياقات‭ ‬الأشد‭ ‬قسوة؛‭ ‬ففي‭ ‬غزة،‭ ‬أفادت‭ ‬تقارير‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬بأن‭ ‬الأطفال‭ ‬يعيشون‭ ‬تحت‭ ‬سيطرة‭ ‬الخوف‭ ‬ليلًا‭ ‬ونهارًا،‭ ‬مع‭ ‬انتشار‭ ‬واسع‭ ‬للاكتئاب‭ ‬واضطرابات‭ ‬النوم‭ ‬وتأخر‭ ‬النمو،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬انهيار‭ ‬كامل‭ ‬للبنية‭ ‬التحتية‭ ‬الأساسية‭ (‬لا‭ ‬ماء‭ ‬نظيف‭ ‬ولا‭ ‬كهرباء‭ ‬ولا‭ ‬اتصالات‭ ‬مضمونة‭)‬،‭ ‬وتحوّل‭ ‬المدارس‭ ‬إلى‭ ‬ملاجئ‭ ‬مكتظة‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬ركام‭.‬

 

2‭. ‬البُعد‭ ‬التعليمي‭: ‬جيل‭ ‬مهدَّد‭ ‬بالضياع

يُعد‭ ‬التعليم‭ ‬أحد‭ ‬أكثر‭ ‬القطاعات‭ ‬تضررًا‭ ‬في‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬التدمير‭ ‬المباشر‭ ‬للمدارس‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬الاستهداف‭ ‬المتعمد‭ ‬للمعلمين‭ ‬والطلاب،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تحويل‭ ‬المرافق‭ ‬التعليمية‭ ‬لأغراض‭ ‬عسكرية‭ ‬أو‭ ‬إيوائية‭. ‬وبحسب‭ ‬تقرير‭ ‬أممي‭ ‬حديث،‭ ‬أرتفع‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬والمراهقين‭ ‬الذين‭ ‬تعطّل‭ ‬تعليمهم‭ ‬بسبب‭ ‬النزاعات‭ ‬والأزمات‭ ‬المناخية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والاقتصادية‭ ‬إلى‭ ‬نحو‭ ‬258‭ ‬مليون‭ ‬طفل‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬من‭ ‬بينهم‭ ‬93‭ ‬مليونًا‭ ‬خارج‭ ‬مقاعد‭ ‬الدراسة‭ ‬بشكل‭ ‬كامل،‭ ‬وقد‭ ‬ازداد‭ ‬عدد‭ ‬الأطفال‭ ‬المتأثرين‭ ‬بالأزمات‭ ‬بنحو‭ ‬21‭ ‬مليونًا‭ ‬خلال‭ ‬الثمانية‭ ‬عشر‭ ‬شهرًا‭ ‬الأخيرة‭ ‬فقط‭.‬

وتشير‭ ‬منظمة‭ ‬العمل‭ ‬الدولية‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬138‭ ‬مليون‭ ‬طفل‭ ‬محرومون‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬من‭ ‬فرص‭ ‬التعليم‭ ‬المستقبلية،‭ ‬بل‭ ‬أيضًا‭ ‬من‭ ‬التجارب‭ ‬الأساسية‭ ‬التي‭ ‬يحق‭ ‬لكل‭ ‬طفل‭ ‬الاستمتاع‭ ‬بها،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬أن‭ ‬الحرمان‭ ‬التعليمي‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬تأخر‭ ‬أكاديمي‭ ‬مؤقت،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬ليكون‭ ‬حرمانًا‭ ‬وجوديًا‭ ‬من‭ ‬الطفولة‭ ‬ذاتها‭.‬

 

3‭. ‬البُعد‭ ‬الاجتماعي‭: ‬تفكك‭ ‬النسيج‭ ‬المجتمعي

تُحدث‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬شروخًا‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬العلاقات‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬سواء‭ ‬عبر‭ ‬النزوح‭ ‬الجماعي‭ ‬الذي‭ ‬يُبعثر‭ ‬الأسر‭ ‬والمجتمعات‭ ‬المحلية،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الطائفي‭ ‬والسياسي‭ ‬الذي‭ ‬تُغذّيه‭ ‬الحرب،‭ ‬أو‭ ‬عبر‭ ‬تفكك‭ ‬الثقة‭ ‬المتبادلة‭ ‬بين‭ ‬الأفراد‭ ‬نتيجة‭ ‬العنف‭ ‬المباشر‭ ‬أو‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الوشاية‭ ‬والاستهداف‭. ‬وتصبح‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬هذا‭ ‬النسيج،‭ ‬بعد‭ ‬توقف‭ ‬القتال،‭ ‬من‭ ‬أعقد‭ ‬تحديات‭ ‬التعافي،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬لإصلاحه‭ ‬مجرد‭ ‬إصدار‭ ‬قرارات‭ ‬رسمية‭ ‬أو‭ ‬تعديلات‭ ‬في‭ ‬المناهج،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬معالجة‭ ‬عميقة‭ ‬لطريقة‭ ‬تفكير‭ ‬المجتمع‭ ‬وأنماط‭ ‬استجابته‭ ‬المتوارثة‭ ‬من‭ ‬زمن‭ ‬الحرب‭.‬

 

ثانيًا‭: ‬مسارات‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬سياقات‭ ‬النزاع‭ ‬وما‭ ‬بعده

1‭. ‬المبدأ‭ ‬التوجيهي‭: ‬من‭ ‬الإغاثة‭ ‬الطارئة‭ ‬إلى‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة

تشير‭ ‬الأدبيات‭ ‬المتخصصة‭ ‬إلى‭ ‬ضرورة‭ ‬تجاوز‭ ‬التركيز‭ ‬الحصري‭ ‬على‭ ‬النتائج‭ ‬قصيرة‭ ‬المدى‭ ‬المتعلقة‭ ‬بمجرد‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬النازحين‭ ‬واللاجئين،‭ ‬نحو‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬مساعدات‭ ‬أكثر‭ ‬استدامة،‭ ‬مع‭ ‬إعطاء‭ ‬الأولوية‭ ‬لدعم‭ ‬إحساس‭ ‬الناس‭ ‬بأهميتهم‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬عملية‭ ‬التعافي‭ ‬ذاتها،‭ ‬لا‭ ‬بوصفهم‭ ‬مجرد‭ ‬متلقين‭ ‬سلبيين‭ ‬للمساعدة‭. ‬وهذا‭ ‬يستدعي‭ ‬إعادة‭ ‬النظر‭ ‬في‭ ‬الشروط‭ ‬اللازمة‭ ‬لبناء‭ ‬تماسك‭ ‬اجتماعي‭ ‬مستقبلي،‭ ‬واستعادة‭ ‬الأمل‭ ‬والكرامة‭ ‬كأولوية‭ ‬موازية‭ ‬للاحتياجات‭ ‬المادية‭.‬

ويتجاوز‭ ‬مفهوم‭ (‬بناء‭ ‬السلام‭) ‬بكونه‭ ‬عملية‭ ‬تسبق‭ ‬النزاع‭ ‬وتستمر‭ ‬بعده،‭ ‬وتهدف‭ ‬إلى‭ ‬معالجة‭ ‬الجذور‭ ‬الهيكلية‭ ‬والثقافية‭ ‬المولّدة‭ ‬للعنف‭ ‬والنزاع،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬وقف‭ ‬القتال‭ ‬أو‭ ‬منع‭ ‬تجدده‭ ‬مؤقتًا‭. ‬

 

2‭. ‬استراتيجية‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬متعددة‭ ‬الأسس

تُظهر‭ ‬الدراسات‭ ‬المتخصصة‭ ‬في‭ ‬التعافي‭ ‬الاقتصادي‭ ‬بعد‭ ‬النزاعات‭ ‬أن‭ ‬استراتيجيات‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬الناجحة‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬خمسة‭ ‬أسس‭ ‬متكاملة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬فصلها‭: ‬الأمن،‭ ‬والعدالة‭ (‬بما‭ ‬فيها‭ ‬العدالة‭ ‬الانتقالية‭ ‬ومحاسبة‭ ‬انتهاكات‭ ‬فترة‭ ‬النزاع‭)‬،‭ ‬والمصالحة‭ ‬المجتمعية،‭ ‬والرفاه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والاقتصادي،‭ ‬والحوكمة‭ ‬والمشاركة‭. ‬ويُشار‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬إلى‭ ‬مبدأ‭ (‬إعادة‭ ‬البناء‭ ‬بشكل‭ ‬أفضل‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬يدعو‭ ‬إلى‭ ‬ألا‭ ‬تقتصر‭ ‬إعادة‭ ‬الإعمار‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬الوضع‭ ‬السابق‭ ‬للحرب،‭ ‬بل‭ ‬استغلال‭ ‬فرصة‭ ‬التعافي‭ ‬ولبناء‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬ومؤسسات‭ ‬أكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬الصمود‭ ‬أمام‭ ‬أزمات‭ ‬مستقبلية‭.‬

 

3‭. ‬التعليم‭ ‬كأداة‭ ‬مزدوجة‭ ‬للتعافي‭ ‬والوقاية

نظرًا‭ ‬إلى‭ ‬حجم‭ ‬الضرر‭ ‬التعليمي‭ ‬الهائل‭ ‬الناتج‭ ‬عن‭ ‬النزاعات،‭ ‬يُعد‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬استعادة‭ ‬التعليم‭ ‬أولوية‭ ‬مضاعفة‭ ‬الأهمية‭: ‬فهو‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬يُعيد‭ ‬للأطفال‭ ‬فرصهم‭ ‬المستقبلية‭ ‬ويحد‭ ‬من‭ ‬الأضرار‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يُشكّل‭ ‬أداة‭ ‬وقائية‭ ‬لمنع‭ ‬تجدد‭ ‬دوامة‭ ‬العنف‭ ‬مستقبلًا،‭ ‬إذ‭ ‬يرتبط‭ ‬ضعف‭ ‬فرص‭ ‬التعليم‭ ‬والتشغيل‭ ‬بزيادة‭ ‬قابلية‭ ‬الأجيال‭ ‬الشابة‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬العنف‭ ‬المسلح‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التجارب‭ ‬تُظهر‭ ‬أن‭ ‬الإصلاح‭ ‬التعليمي‭ ‬الفعّال‭ ‬يستلزم‭ ‬معالجة‭ ‬جذرية‭ ‬لطريقة‭ ‬تفكير‭ ‬المجتمع‭ ‬وأنماط‭ ‬استجابته‭ ‬المتوارثة‭ ‬من‭ ‬ثقافة‭ ‬النزاع‭.‬

 

4‭. ‬رعاية‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭ ‬كأولوية‭ ‬موازية‭ ‬للإغاثة‭ ‬المادية

توصي‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬المتخصصة‭ ‬كمنظمة‭ ‬الصحة‭ ‬العالمية،‭ ‬وغيرها‭ ‬بإدماج‭ ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬والاجتماعي‭ ‬كعنصر‭ ‬أساسي‭ ‬لا‭ ‬هامشي،‭ ‬ضمن‭ ‬أي‭ ‬استجابة‭ ‬إنسانية‭ ‬في‭ ‬حالات‭ ‬الطوارئ‭ ‬والنزاع،‭ ‬نظرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الآثار‭ ‬النفسية‭ ‬للحرب‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬أطول‭ ‬أمدًا‭ ‬من‭ ‬الأضرار‭ ‬المادية‭ ‬المنظورة،‭ ‬وتتطلب‭ ‬تدخلات‭ ‬متخصصة‭ ‬ومستدامة‭ ‬تتجاوز‭ ‬مرحلة‭ ‬الطوارئ‭ ‬الأولى‭ ‬إلى‭ ‬مراحل‭ ‬التعافي‭ ‬طويل‭ ‬الأمد‭.‬

 

5‭. ‬الاستدامة‭ ‬والمشاركة‭ ‬المجتمعية‭ ‬في‭ ‬التخطيط

تُجمع‭ ‬الأدبيات‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬أي‭ ‬استراتيجية‭ ‬لتحسين‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬بعد‭ ‬النزاع‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬إشراك‭ ‬المجتمعات‭ ‬المحلية‭ ‬ذاتها‭ ‬في‭ ‬التخطيط‭ ‬والتنفيذ،‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬فرض‭ ‬حلول‭ ‬خارجية‭ ‬جاهزة‭. ‬فالتماسك‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والشعور‭ ‬بالكرامة‭ ‬والأمل،‭ ‬وهما‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬مكونات‭ ‬جودة‭ ‬الحياة،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬استيرادهما‭ ‬من‭ ‬الخارج،‭ ‬بل‭ ‬يُبنيان‭ ‬تدريجيًا‭ ‬عبر‭ ‬مشاركة‭ ‬فعلية‭ ‬للمتضررين‭ ‬أنفسهم‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬أولوياتهم‭ ‬وصياغة‭ ‬مستقبلهم‭.‬

 

الخاتمة

ما‭ ‬نحاول‭ ‬قوله‭ ‬هنا‭ ‬إن‭ ‬النزاعات‭ ‬المسلحة‭ ‬تُشكّل‭ ‬أحد‭ ‬أعنف‭ ‬الظواهر‭ ‬تأثيرًا‭ ‬في‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬الإنسانية‭ ‬بمعناها‭ ‬الشامل،‭ ‬إذ‭ ‬تصيب‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭ ‬الصحة‭ ‬الجسدية‭ ‬والنفسية،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والأمن‭ ‬المعيشي،‭ ‬والنسيج‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬تاركة‭ ‬آثارًا‭ ‬قد‭ ‬تمتد‭ ‬أجيالا‭ ‬بعد‭ ‬توقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭. ‬

ومن‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬فإن‭ ‬تحسين‭ ‬جودة‭ ‬الحياة،‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أحلك‭ ‬سياقات‭ ‬النزاع،‭ ‬ليس‭ ‬مسارًا‭ ‬مستحيلًا،‭ ‬بل‭ ‬يتطلب‭ ‬تحولًا‭ ‬منهجيًا‭ ‬في‭ ‬التفكير‭: ‬من‭ ‬مقاربة‭ ‬إغاثية‭ ‬طارئة‭ ‬ومجزأة،‭ ‬إلى‭ ‬مقاربة‭ ‬تنموية‭ ‬–‭ ‬سلامية‭ ‬متكاملة‭ ‬تُعالج‭ ‬الأمن‭ ‬والعدالة‭ ‬والمصالحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والصحة‭ ‬النفسية‭ ‬بوصفها‭ ‬منظومة‭ ‬واحدة‭ ‬مترابطة‭. ‬وما‭ ‬لم‭ ‬يتحقق‭ ‬هذا‭ ‬التكامل‭ ‬فإن‭ ‬أي‭ ‬جهد‭ ‬لتحسين‭ ‬جودة‭ ‬الحياة‭ ‬سيبقى‭ ‬ترميمًا‭ ‬جزئيًا‭ ‬هشًّا،‭ ‬عرضة‭ ‬للانهيار‭ ‬عند‭ ‬أول‭ ‬اهتزاز‭ ‬جديد‭.‬

 

Zkhunji@hotmail‭.‬com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news



الموافقة على استخدام ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط أو تقنيات مشابهة ، لتحسين تجربة التصفح وتقديم توصيات مخصصة. من خلال الاستمرار في استخدام موقعنا ، فإنك توافق على سياسة الخصوصية الخاصة بنا