بدايةً أود أن أرفع أسمى آيات الشكر والعرفان الى مقام صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة عاهل البلاد المفدى، حفظه الله وسدد رميه وأيد خُطاه، وذلك لرعايته المُباشرة لهذا الصرح الوطني منذ تأسيسه في سبعينيات القرن الماضي واعني بذلك صرح وزارة الدفاع الوطني. فقد أثمر هذا الصرح اليوم وانتج رجالا اثبتت ساعة الصفر علو همتهم ويقظتهم وتفانيهم في التضحية، وأخص بالشكر والامتنان منهم منسوبي جناح الجو الذين ندعو الله ان يحفظهم للبحرين ولأمهاتهم وذويهم، فبفضل الله وفضلهم يخلُد كل من يعيش على هذه الأرض الى فراشه قرير العين وهم يقظون ومُتوْثبون لحماية البلاد والعباد فجزاهم الله خير جزاء المحسنين على ما يبذلونه من جهد وفِداء يعجز اللسان والبيان أن يوفيّهم حقهم ويخجل كل حر غيور ذي أنفة امامهم لعجزه عن رد جميلهم وفضلهم، أما عن هذه الحرب التي تداخل فيها الكثير من المفاهيم المُنافية للمنطق الإنساني حتى بات اكثر المُحللين ومن داخل عواصم الوسطاء كإسلام آباد والدوحة عاجزين عن رصد حقيقة هذه الحرب والفرز بين ما هو جاد منها من هزّله، وذلك بسبب تماهي الطرفين وتوريتهما تجاه المنطقة العربية، فالولايات المتحدة تريد إيلام طهران لكنها لا تسعى لكسرها واجتثاثها، وايران تعلم ان الويات المتحدة ومركز إدارة القرار الغربي والامريكي يُفضّلان بقاء نظام طهران، وقد اكد ذلك مؤخراً الرئيس الأمريكي ونائبه جيدي فانس بان الولايات المتحدة ليس هدفها إسقاط نظام طهران، فهل يعقل ان تندرج هذه التصريحات ضمن خانة التمويه والمباغتة؟ وفي تقديري ان هذه التصريحات الامريكية وبتزامنها مع هذه الحملة الأخيرة، فإنها قد جانبها الصواب فهي تجعل الملالي في طهران يُصرون على مواقفهم وتزيد من قناعتهم بان العصر الذهبي التخّادمي بينهم وبين الولايات المتحدة لن ينتهي بعهد الرئيس ترامب ومرحلة نتنياهو، وما عليهم الا الصبر والمُماطلة، وكل ما تيّقن ملالي طهران بحاجة الولايات المتحدة اليهم كعنصر تفاعُلي نشط لإحداث تناقضات بالمنطقة في كل مُتغير عالمي، فانهم سيستمران في هذا العّبث من التعدي على عواصم الخليج والتجارة العالمية، فهل يُعقّل ان ايران تتخادم في البعد الاستراتيجي بتصنُع العنتريات لفتح الطريق امام الولايات المتحدة لوضع يدها على مضائق المنطقة كهرمز وباب المندب؟ وذلك ممكن فهناك تاريخ قديم وخفي من التخّادم بين طهران وواشنطن والغرب عامة على العرب، والمُتتبع منذ سنوات قريبة لسير تفاعل الاحداث ودراماتيكيتها بينهما يرصد ذلك الخيط الخفي بين الجانبين، ولو رجعنا بالذاكرة إلى سنوات غزو العراق فإننا سنتذكر تصريح عضو مجلس الأمن القومي الإيراني آنذاك محمد على ابطحي الذي أعلنها صراحةً بقوله للولايات المتحدة «لولانا لما نجحتم في العراق وأفغانستان». وهذا التصريح ليس الوحيد بل هناك مؤشرات وبراهين كثيرة تؤكد تخادم الولايات المتحدة مع طهران وتفضيل نظامها، وذلك لإمعانه بالإفساد في الأرض العربية، كما ان نُخب العراق ومهجره السياسي الذين كابدوا مرارة الاحتلالين الأمريكي والإيراني لبلدهم لديهِم من الأدلة ما يشيب له رأس الرضيع، ومع ذلك فإن هذا لا يعني في تقديري أن الرئيس ترامب شخصياً لا يُريد خلع نظام طهران ولكنه كُبّل بعد حملته العسكرية الأولى، ان هذه الحرب باتت اليوم لُغُزا للكثيرين، لكنهُ من يحاول موازنة الأمور على ان الطرفين متساويان في القوة وان الولايات المتحدة باتت في مأزق فذلك غير واع ولامنطقي، فالولايات المتحدة لديها من فائض القوة ما يجعلها قادرة على اجتثاث طهران ونظامها في عشيةً وضُحها، لكنْ مركز صنع القرار فيها والذي يضع الخطط الخارجية للبيت الأبيض هو نفسه لا يسعى لاجتثاث نظام طهران، وكُلنا يتذكر بالأمس ملجأ الجادرية المدني في بغداد وكيف ان الولايات المتحدة أدخلت الصواريخ الدقيقة لداخل الملجأ وقتلت كل المدنيين فيه وذلك لكون إدارة صنع القرار الامريكي الفعلية لديها تصميم، والتنفيذون لديهم ضوء اخضر بقتل العنصر العراقي من كبيره حتى غفيره بينما المُفارقة الامريكية اليوم هنا حتى مُعسكرات الحرس الثوري وثكناته لم تقُم بتدميرها جملة وتفصيلا، إن الولايات المتحدة تسعى اليوم لإعادة تشكيل الشرق الأوسط والمؤشرات تشي بانها تُفضل بقاء هذا النظام، وذلك مع كون الرئيس ترامب شخصياً ممتعضا من التفاوض معهم وقد وصفهم بانهم حثالة ومرضى لكن القرار الفعلي للولايات المتحدة في نفس الوقت يريد صياغة مشهد الشرق الأوسط مع بقاء هذا النظام ضمن صيغةٍ ومعادلة تتسق مع توجهات الولايات المتحدة وتصوراتها القادمة للمنطقة، ومع ذلك كلما أصر النظام الحاكم في طهران على مواقفه، فإن ذلك قد يُوحد القناعات في الداخل الأمريكي لدى أجنحة صنع القرار بان هذا النظام قد انتهت صلاحيته، اما عما هو مستجد على مستوى الصراع العسكري وإرهاصات مشهد الحرب، فإننا سنحاول تناول صورتين متعاكستين الأولى وهي ان الولايات المتحدة اذا احست بتزايد نقاقات الكلفة العسكرية فإنها قد تترك المنطقة وذلك بعد تشّظيها جيداً، والثانية وهي ان الولايات المتحدة تُعد وتسعى لضربة شاملة لإيران وصولاً لمرحلة تسليمها المُعلن او إسقاطها جملة واحدة وهناك من المؤشرات ما يشي بحصول السيناريو الثاني، فإذا لم تتراجع طهران فإن استحضار طائرات التزويد بالوقود لإسرائيل دليل يُشير إلى ان هناك عملية شاملة ستطول طهران وملاليها.
قضايا و آراء
الولايات المتحدة بين نقيضين حاجة الإبقاء على نظام طهران أو إسقاطه (1)

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟
لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك